حادث تافه…. ولكن يغيظ

لا أعتبر نفسي من الكتاب المحترفين في الصحافة، ولذلك فقد كانت الكتابة المنتظمة في جريدة الأهرام تجربة جديدة ومثيرة. وفي ضوء ذلك فقد أخذت الأمر بشيء من الجدية، وكنت أحرص على الانتهاء من إعداد المقال المطلوب في وقت مبكر نسبياً. وجرياً على هذه العادة الجديدة اخترت موضوعاً لمقالي القادم ” الاقتصاد العربي والعولمة”، وهو موضوع طلب مني أحد مراكز البحوث العربية إعداد كتاب عنه. وقد رأيت أن أُضَمِن المقال بعض الأفكار التي راودتني عن هذا الموضوع. وبدأت الكتابة فعلاً، وانتهيت من نصف المقال ثم سافرت في رحلة عمل إلى الجزائر، وهنا صادفني حادث في طريق عودتي، ترتب عليه ضياع المقال ضمن أشياء أخرى. ولا بأس من أن أشارك القراء في هذا الحادث الذي ترتب عليه ضياع المقال فيه، وعلى أية حال فهو أمر ورغم سخافته، يتعرض له الكثيرون.

كنت في مطار شارل ديجول عائداً من باريس إلى القاهرة، وليس معي متاع سوى حقيبة صغيرة للملابس فضلاً عن حقيبة أوراقي. ووضعت الحقيبتين على العربة ومضيت أتجول في المطار حيث وصلت مبكراً عن الموعد. وعلى خلاف عادتي اشتريت علبة سجائر – جيتان – كنوع من الحنين لأيام الماضي البعيد، عندما كنت أدرس طالباً في باريس. وكنا ندخن هذه السجائر الرخيصة والعنيفة في نفس الوقت. وبعد أن انتهيت من السيجارة التفت إلى الوراء للبحث عن مطفأة لإطفاء عقب السيجارة وذهبت إليها في خطوتين، وفي خلال عشر ثوان، أو أقل، عدت للعربة لأجد أن حقيبة الأوراق الموضوعة على العربة قد اختفت. ولم أُصدق، فهي لم تغب عن عيني سوى لحظات. ومع ذلك فإن الأمر الواقع كان واضحاً وضوحاً لا لبس فيه. لقد امتدت يد وخطفت الحقيبة وذابت في الجموع بلا أثر. وفجأة اكتشفت أن الأمر جاد وأنني أمام مشكلة عويصة. صحت أين حقيبتي، ولم أجد سوى نظرات لا مبالاة. هذا أمر عادي. اذهب إلى البوليس وقَدِم بلاغاً. وبحثت عن شرطي وأبلغته بالأمر فأخذني إلى مكتبه وحرر محضراً. وفي أثناء إبداء أقوالي بدأت أكتشف الأوراق المهمة التي ضاعت مع الحقيبة، هناك مفاتيح بيتي ومفاتيح السيارة ودفاتر الشيكات ومفكرة التليفونات وأوراق بنوك، وأدوية. وفي كل لحظة أتذكر شيئاً جديداً، آه هناك ساعة يد رولكس، وهناك وهناك. وفي نفس الوقت وجدت تفاعلات كيماوية تتفاعل في جسمي دون أن أدري. عرق بارد يتصبب من وجهي. ويسألني الضابط عن محتويات الحقيبة، فأجد نفس في حالة فقد ذاكرة تام، ثم أتذكر شيئاً جديداً، ثم شيئان وهكذا. وفي كل مرة أزداد حزناً عندما أتذكر شيئاً جديداً. كنت قد اشتريت عدة كتب، ووضعت كتاباً في هذه الحقيبة حتى أقرأ فيه خلال رحلة الطيران من باريس إلى القاهرة، ولكن عدت إلى وضع كتاب ثانٍ خوفاُ من أن أًمَل الأول فأجد أمامي فرصة لقراءة شيء آخر. وقبل إقفال الحقيبة نهائياً رأيت أن أضع كتاباً ثالثاً لمزيد من التحوط ورغبة في زيادة مساحة الاختيار. الآن أشعر بالغيظ، لماذا ثلاثة كتب ألا يكفي واحد، والباقي في حقيبة الملابس. ولكنه الطمّع، وكلما تذكرت شيئاً كنت أصيح غيظاً للضابط، هذا شي هام بالنسبة لي، ولا أهمية له بالنسبة للجاني. فلماذا؟ فيضحك. ويبلغني أن من عادة الجاني إذا لم يجد ما يفيده فإنه يُلقي بالأشياء، ربما في المطار، وربما في موقف السيارات، وربما في الطريق العام، وربما، وربما. وبعد أن انتهيت من إجـراءات البلاغ، أعطانـي رقـم تليفون ” إدارة الأشياء المفقودة ” للإتصال بها بعد يومين أو ثلاثة لعل وعسى. وبدأت أتجول من جديد في المطار آملاً أن يكتشف السارق أن المسألة أوراق في أوراق وليس فيها شيء ذي قيمة، فلعله يُلقي بها في المطار. وبدأت أتمنى أن أجدها هنا أو هناك. وأنه في هذه الحالة، سوف تكون أكبر مصدر للسعادة في حياتي، ثم ضحكت على نفسي، هذه الحقيبة قديمة، وهي معي منذ أكثر من خمسة عشر سنة، ولم تكن في أي وقت مصدر للسعادة، فكيف تصبح الآن منتهى الأمل والمنى، وتصبح قادرة بقدرة قادرعلى أن تعيد إلي السعادة المفقودة. وتذكرت أن الإنسان لا يفكر في نعم الله عليه إلا عندما يفتقدها، وحينئذٍ، وحينئذٍ فقط، يكتشف كم كانت هامة ومفيدة له، وبدأت أشكر الله على ما بقي، ولم يُسرق، وهو كثير، وإن كان ذلك لم يمنع من شعور بالغيظ وأيضاً بقدر من الاستغراب. ماذا ضاع. لا شيء سوى مجموعة من الأوراق، ولكن هذه الأوراق تمثل حقيقتك وأحياناً وجودك. أنت غير موجود بغير جواز سفر أو بطاقة شخصية. حقوقك في البنوك غير موجودة دون بطاقات ائتمان أو دفاتر شيكات. حقوق الملكية في عقود من ورق. المنزل والسيارة يكاد يُختصر كل منهما إلى مفتاح. يا له من عالم غريب، عالم من ورق كما كانت تقول أحد فوازير رمضان منذ عدة سنوات.

وركبت الطائرة، ووجدت جاري صديقاً قديماً، فحدثته عن الأمر، فإذا به يقص لي عدة قصص لحوادث سرقة حقائب ليس فقط في المطارات وإنما أيضاً في الطرق العامة. واشترك في الحديث ركاب آخرون كل منهم يقص قصة تجعل قصتي أمراً عادياً وتافهاً أمام قصص أخرى أكثر إثارة. وفي اليوم التالي بعد عودتي إلى القاهرة ذهبت إلى النادي ولم أستطع أن أكتم القصة على الأصدقاء. وإذا بي أسمع ليس قصة أو اثنتين وإنما عشرات القصص عن حقائب مسروقة، بحيث كدت أعتقد أن الشيء الوحيد الذي يحدث في العالم هو سرقة الحقائب وضياع الأوراق والمستندات، مع مزيد من أسباب الإثارة في أن هذه الأوراق تعود لأصحابها في ظروف أشبه بالقصص الخيالية. وهكذا تولد شعور عندي بأن سرقة الحقائب الشخصية هو الأمر الطبيعي والعادي، وأنني ربما تأخرت بعض الوقت في خوض التجربة وأخذ نصيبي منها. وقد ساعد هذا على توفير قدر من الاطمئنان بأن هذه ضريبة واجبة، وإن كان مازال يخالجني شعور بعدم عدالة هذه الضريبة، فهي مصدر للتعاسة لي ولا تقدم أية فائدة للسارق. فالحصيلة النهائية سلبية. تعاسة في جانب وعدم نفع في جانب آخر. وهذا الأمر معروف في علم الاقتصاد بأنه يمثل أمثلية باريتو “Pareto Optimum”، وهو مفكر اقتصادي ايطالي من القرن التاسع عشر، كان يرى أن الوضع الأمثل يتحقق عندما لا يمكن زيادة نفع فرد دون إلحاق الأذى بفرد آخر، ورأيت أن هذا الوضع كان سيزعج السيد باريتو كثيراً لأن الألم الذي صاحبني مع فقد الحقيبة لم يصاحبه لذة لدى اللص الذي سرقها لأن الأوراق لا تهمه. ولكني تذكرت أن العديد من الضرائب التي تفرضها الدول لا تخرج عن هذا المنطق، فهي في كثير من الأحوال تسبب الكثير من الأذى للمواطنين دون أن تحقق نفعاً يُذكر للمجتمع. وفضلاً عن كل ذلك، فما زال يراودني شعور بقدر من الظلم، فمعظم القصص التي سمعتها من الأصدقاء، انتهت بإعادة الأوراق لأصاحبها في ظروف أشبه بالمعجزات. وأنا انتظر أن تعود إلي أوراقي وبعضها بالغ الأهمية بالنسبة لي. وهذا ليس بطبيعة الأحوال نداء للسارق، فأنا متأكد أنه لا يقرأ العربية، وإذا كان يقرأها، فإنه لن يضيع وقته في قراءة مقال في الأهرام.

أدرك تماماً أن حديث اليوم يخرج عن جلال الموقف وما يدور من أحداث جسام حولنا، ولكنني أدرك أيضاً أن حياة البشر لا يحددها فقط جسام الأحداث، بل أيضاً الأحداث الصغيرة والتافهة.

والله أعلم.

*     *     *     *

كان سبب مروري بمطار باريس حضوري اجتماع عربي في الجزائر خاص بمؤسسات التمويل العربية، فقد أقامت الدول العربية منذ منتصف السبعينات عدداً من المؤسسات المالية العربية المشتركة للمساهمة في دعم التنمية الإقتصادية العربية. وهذه المؤسسات هي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وصندوق النقد العربي، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار، والهيئة العربية للإستثمار والإنماء الزراعي، والمصرف العربي للتنمية في إفريقيا. وجرت العادة أن تجتمع الهيئات العمومية (مجالس المحافظين) لهذه المؤسسات في وقت واحد غالباً أبريل، مما يعطي فرصة لوزراء الإقتصاد والمالية العرب للتداول في أمور التعاون الإقتصادي العربي ومناقشة أوضاع هذه المؤسسات في إطار واحد. وفي خلال هذه الفترة بدأت تتراجع أهمية هذه الإجتماعات رويداً رويداً لكي يغلب عليها الطابع الشكلي، واختصرت أعمالها، حتى أنها لم تستغرق في الإجتماع الأخير أكثر من يوم واحد للمؤسسات الأربع. أيا ما كان الأمر فقد جرت العادة على أن تقوم إحدى الدول العربية باستضافة هذه الإجتماعات على أرضها، وكانت هذه المرة من نصيب الجزائر. وقد حضر الإجتماع وفود للدول العربية برئاسة وزير المالية أو محافظ البنك المركزي. ومع ذلك فقد انفرد الوفد المصري بأنه حضر بتمثيل قوي أكثر من أربعة أو خمسة وزراء. فكان أن حضر على رئاسة الوفد المصري، وزير قطاع الأعمال، ووزير التخطيط، ومحافظ البنك المركزي، ورئيس هيئة الإستثمار ومحافظ الفيوم، وكلهم وزراء أو بدرجة وزير. وكانت الصحافة المصرية قد نشرت في وقت سابق، أن الحكومة حرصاً منها على توفير النفقات سوف تقيد من سفر الوزراء لحضور المؤتمرات، وأن ذلك لن يتم إلا بموافقة رئيس مجلس الوزراء. فعمار يا مصر، دائماً في بحبوحة في الإنفاق، حتى في أوقات الأزمات. لا تصدقوا أن هناك أزمة مالية أو اقتصادية، كل ما في الأمر أننا نريد إبعاد عين الحسود. فالموارد المالية متوافرة وكافية، ليس فقط لرحلات الوزراء (وهي في نهاية الأمر زهيدة التكاليف) وإنما أيضاً للعديد من أوجه الإنفاق الأخرى المبالغ فيها!

*     *     *     *

تاريخ شارون معروف، وموثق سواء في التنكيل بالفلسطينيين العزل عند إنشاء دولة فلسطين، أو في إعدام الأسرى المصريين في حرب 1967، أو في ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا، وأخيراً في مخيم جنين. ومع ذلك يصر الرئيس بوش على وصفه بأنه “رجل سلام”. والرئيس بوش فيما يعلن عنه، رجل متدين يقرأ الكتاب المقدس. وقد وجدت في الكتاب المقدس ما يلي:

“التحيز في الحكم مشين، ومن يقول للشرير أنت بريء تلعنه الشعوب وتمقته الأمم”

(الكتاب المقدس، العهد القديم-الأمثال، الأصحاح 24 العدد 23-24).

 الاهرام: 12.5.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *