حتى لا يكون حواراً للطرشان

لايخلو المشهد السياسي في مصر من غرابة تبدو ـ أحياناً ـ أقرب إلى العبثية. فإذا تصادف أن جاء كائن من كوكب آخر ليسمع ما يدور فيها من مناقشات لأصابه الدوران والدهشة، وانتهى إلى حالة من الارتباك والاختلاط تجعله يشعر بأنه لايستطيع أن يفهم شيئاً وأن عليه أن يعود على أدراجه. وقد أتضح هذا الأمر بصورة واضحة إزاء الحوار الذي نشرته جريدة “المصري اليوم” مع الأستاذ محمد حسنين هيكل وما صاحبه من ردود أفعال.

وقد بدأ الأستاذ هيكل حديثه بالقول بأن “البلد في حالة توتر شديد.. وأننا في مرحلة ركود وفي مرحلة أزمة”، وقدم في هذا الصدد بعض المقترحات وخاصة فيما يتعلق بتشكيل ما أطلق عليه “مجلس أمناء الدولة والدستور”. ورغم أن أسمي قد ورد ضمن من أشار إليهم الأستاذ هيكل، فإنني لا أود أن أعطي هذا المقال طابعاً شخصياً حيث أنني فوجئت بذلك، كما حدث، في الغالب، مع غيري ممن أشار إليهم الأستاذ هيكل. ولذلك فإنني أحاول أن أتعرض للموضوع بأكبر قدر من الموضوعية، وذلك في حدود ما يستطيعه الإنسان من محاولة التجرد من الاعتبارات الشخصية.

وقد وجد الدكتور عبد المنعم سعيد رئيس مجلس إدارة الأهرام أن يتناول اقتراحات الأستاذ هيكل بالتحليل، حيث رأى في اقتراح الأستاذ هيكل “فتحاً لأبواب جهنم السياسية حينما يكون البحث عن التغيير بلا أساس أو مرجعية”. ولذلك أفرد الدكتور سعيد مقالاً في الأهرام للرد على هيكل تحت عنوان “دفاعاً عن الدستور”، رغم أنه يؤكد في مقدمة هذا المقال أنه “كان يتبنى الرأي “بالحاجة إلى دستور جديد”، وأن له “تحفظات على التعديلات الدستورية في المضمون أحياناً، وفي الصياغة أحياناً أخرى”. كذلك يؤكد الدكتور عبد المنعم سعيد أيضاً أن “هناك بعضاً من الحق فيما قاله الأستاذ هيكل والمتعلق “بضعف السياسة” في مصر عامة، وهي قضية تحتاج إلى مزيد من البحث والتأصيل” حسب رأي الدكتور سعيد. ورغم هذا الاتفاق المبدئي يستمر مقال الدكتور عبد المنعم سعيد في مناقشة العديد من التفصيلات التي أوردها الأستاذ هيكل مما يوحي بالاختلاف والتناقض في المواقف.

ونظراً لأنني أعتقد أن أهمية الحوار وجدواه تنبع من إيجاد قاسم مشترك بين المتحاورين يتم التوافق عليه، ثم ننتقل بعد ذلك إلى مجالات الخلاف للبحث في كيفية إزالتها أو التخفيف منها. ووفقاً لهذا الأسلوب البناء في المناقشة، فإنني أعتقد أن مقال الدكتور عبد المنعم سعيد جاء مؤكداً ومتفقاً مع ما أشار إليه الأستاذ هيكل عن جوهر المشكلة، وأن الخلاف بينهما ينحصر في التفاصيل فقط.

فما هو جوهر الاتفاق بين المحاورين رغم ما يبدو من خلاف؟

يرى كل من الأستاذ هيكل والدكتور سعيد أن الدستور القائم لايفي بتطلعات المصريين، أو في الأقل عدد كبير منهم. فالأستاذ هيكل يصرح في حواره “بأننا في حاجة لإعادة بناء الدولة ووضع دستور “تعاقدي” جديد”. ويعترف الدكتور عبد المنعم سعيد بأنه يتبنى رأياً” بالحاجة إلى دستور جديد يقوم على مفهوم الجمهورية الرئاسية الديمقراطية”، وأن له بالتالي تحفظات على التعديلات الدستورية الأخيرة”. وهكذا يتفق الأستاذان على عدم الرضاء عن الحالة الراهنة للدستور القائم. كذلك يتفق الدكتور عبد المنعم سعيد على مقولة هيكل” في ضعف السياسة في مصر، وهي قضية تحتاج إلى مزيد من البحث والتأصيل”.

لست أعتقد أن الأستاذ هيكل يدعو في اقتراحه إلى تجاوز المؤسسات أو تجاهل النصوص التي تحدد وسائل تعديل الدستور. فهو يؤكد أن “حارس الانتقال ينبغي أن يكون رئيس الدولة الموجود حالياً، مع القوات المسلحة، وبدونهما لايمكن النجاح”. فما يقدمه الأستاذ هيكل هو نصيحة لولي الأمر وليس انقلاباً عليه. ولذلك فإن الدكتور عبد المنعم سعيد الذي بدأ مناقشته لآراء هيكل بالقول بأن “المسألة ليست عن جدارة الأشخاص بقدر ما هي تجاوز غير محمود وخطير في الحقيقة للشرعية الدستورية”، فإنه انتهى من تحليله إلى أن للأستاذ هيكل الحق، “فالقضية ليست دستورية وفقهية فقط، ولكنها بالأساس والجوهر سياسية”. وهكذا يتفق الطرفان على أن المسألة حوار سياسي وليس انقلاباًَ على الدستور وأحكامه. وهذا هو بالضبط ما يبدو من حديث الأستاذ هيكل الذي أكد في حواره أكثر من مرة “احترامه لمنصب رئيس الدولة وأنه أول من يحترم هذا المنصب”. فالمسألة ليست خروجاً على الدستور أو انقلاباً عليه ولكنها نصيحة لأهل الحل والعقد ودعوة للقوى السياسية للعمل في إطار من الشرعية. وهكذا يبدو أن المتحاورين يتفقان في تشخيص جوهر المشكلة بأنها عوار في الدستور القائم وضعف في السياسة، مع التأكيد في نفس الوقت على ضرورة احترام المؤسسات القائمة وتقديم النصح لها. وهنا ينتهي الاتفاق بين المتحاورين، ويبدأ الاختلاف حول التفاصيل.

لايبدو أن الدكتور عبد المنعم يوافق على اقتراح هيكل المحدد بتشكيل مجلس جديد. حسناً، لابأس. لقد عرض الأستاذ هيكل تصوره المبدئي لمحاولة إصلاح الوضع القائم والارتقاء به عن طريق الاستعانة ببعض الشخصيات العامة المقبولة في الأوساط السياسية. والحقيقة أنه ليس من الضروري أن يكون هذا الاقتراح هو أفضل السبل، كما أن الأسماء المقترحة قد لاتكون أفضل الموجود، وبالقطع هناك أسماء أخرى أكثر استحقاقاً أو أولى بالمهمة. كذلك ربما تكون هناك تصورات أخرى أكثر فاعلية من فكرة تشكيل مثل هذا المجلس. لابأس. وطالما أن الدكتور عبد المنعم سعيد لايشارك الأستاذ هيكل في الاقتناع بهذا الاقتراح المحدد، فلماذا لايقدم لنا تصوراً عملياً آخراً أكثر اتفاقاً مع الأوضاع القائمة وأقدر على إصلاح النقائص في النظام الدستوري.

وهكذا يبدو لي أن شقة الخلاف أقل مما يظهر للوهلة الأولى، وأن هناك توافقاً كبيراً بين الأستاذين على تشخيص المشكلة، ولكن الخلاف هو حول أفضل سبل العلاج. وقد اجتهد الأستاذ هيكل وقدم تصوراً، وأعتقد أنه يؤمن بأن هذا الاقتراح لا يعدو أن يكون أحد الحلول الممكنة وليس الحل الوحيد. وهنا، فإنني أتوقع أن يقدم الدكتور عبد المنعم سعيد تصوراً بديلاً لما يراه علاجاً للمشكلة الرئيسية التي اعترف بها وهي عدم كفاية النظام الدستوري القائم وبالتالي الحاجة إلى إصلاحه وضرورة العمل على تقوية “السياسة” في مصر وإخراجها من حالة الضعف الذي اتفق عليه كل من “المتحدثين”. بهذا فقط يصبح الحوار فعالاً وخصباً لانضاج الحلول المقترحة. فإذا كان هناك ـ كما يبدو ـ اتفاق على التشخيص، فإنني واثق من أن الدكتور سعيد وغيره قادرون على تقديم التصورات المناسبة للإصلاح. “فالدفاع عن الدستور” ـ عنوان مقال الدكتور سعيد ـ يبدأ بالعمل على إصلاحه عما يشوبه من عوار. ومادام الأستاذان هيكل وسعيد متفقان على الأمور الجوهرية وخصوصاً فيما يتعلق بالإصلاح الدستوري، فلماذا لانتقدم خطوة أخرى بطرح الأساليب المناسبة لتحقيق ذلك.

وإذا كان الأستاذ هيكل قد اجتهد وفقاً لرؤيته وتجربته، ووافقه الدكتور سعيد في التشخيص دون العلاج، فإننا نأمل أن يقدم لنا الدكتور سعيد أفكاره لتحقيق ما اتفق فيه مع الأستاذ هيكل حول تشخيص المشكلة؟ بهذا فقط نخرج من دائرة حوار الطرشان. والله أعلم.

المصري اليوم : 29 أكتوبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *