حديث المؤامرة وتبرير الفشل

حديث المؤامرة وتبرير الفشل

دكتور حازم الببلاوى

ليست المرة الأولى التى أكتب فيها عن “نظرية المؤامرة”. فمنذ أكثر من عقدين نشرت فى هذه الجريدة مقالاً بعنوان “المؤامرة” ( فى 30 سبتمبر 1991 ). ولم يكن الغرض من ذلك المقال رفض مفهوم المؤامرة بشكل مطلق، بقدر ما هو محاولة لوضعه فى إطاره الطبيعى، وبوجه خاص  عدم إستخدامه شماعة نعلق عليها ذنوبنا.

فالإنسان يسعى عادة إلى فهم الأحداث التى تقع تحت نظره. وكان إكتشاف فكرة السببية وإرتباط النتائج بالأسباب هو أحد أهم مظاهر العقل الإنسانى. فما نراه اليوم هو نتيجة لأسباب توفرت بالأمس أو أول أمس. وإزاء تطور الحياة الحديثة وتعقدها، أصبحت الأمور غير واضحة، وهى فى حاجة إلى تفسير، وكلما كان هذا التفسير سهلاً ومبسطاً، كلما كان ذلك أفضل. فالأحداث التى نراها اليوم هى نتيجة طبيعية لتفاعل وتلاقى وتضارب العديد من الأسباب والمصالح، التى تتعارض فى جوانب، وتتلاقى فى جوانب أخرى. وبدلاً من التحرى عن هذه الأسباب فى تنوعها وتكاملها وتعارضها، فإن الرجل العادى يريد تفسيراً سهلاً ومريحاً وغير معقد. وإذا كان هذا التفسير مبسطاً ومحدداً كان ذلك أفضل.كذلك فإذا جاء التفسير مبرءاً لذمة المستمع، وأنه غير مسئول عن النتائج السيئة التى يعيشها،  كان ذلك أحسن. ومن هنا جاءت نظرية “المؤامرة”. وهى لا تقتصر على تفسير الأمور السيئة للمواطن بسبب وحيد أو أساسى، ولكنها تشير إلى أنها عناصر شريرة بعيدة عنه. فهو ضحية وغير مسئول عن أوضاعه البائسة. وبدلاً من تشتيت  الفكر بين أسباب وعوامل متعددة، فمن الأفضل التركيز على شيطان وحيد أو رئيسى. فهناك ما يشبه القوة الواحدة الغالبة والمسيطرة على الأحداث، والتى يكاد يحركها عقل رئيسى، وهى قوة شريرة معادية ونحن جميعاً ضحية لها.

وإذا كان معظم أنصار نظرية المؤامرة يتفقون على وجود هذا الشرير الاعظم، فإنهم يختلفون ـ بحسب ظروفهم ـ فى تحديد شكل وطبيعة هذا الشيطان. فالبعض يرى أنها وليدة معتقدات دينية مخالفة تريد إفساد ديننا، والبعض الآخر يرى أنها تعبير عن إختلاف فى الأجناس والعرق ورغبة فى سيطرة جنس على الأجناس الأخرى، والبعض الثالث يعتقد أن الأمر لا صلة بالدين أو الجنس وإنما هى المصالح والأموال التى تريد السيطرة على أوضاع العالم. و نشير إلى بعض هذه الأقاويل المشهورة. فلن نعدم من يقول أنها مؤامرة يهودية صهيونية، تريد أن تسيطر على مقدرات العالم، ويكفى أن تلقى نظرة على “بروتوكولات حكماء صهيون” لكى نتحقق من ذلك، فهناك مؤامرة صهيونية عالمية. وعلى العكس فسوف نرى عند العض الآخر، أن المشكلة ليست فى الدين وإنما فى الدنيا والرغبة فى السيطرة على مقدرات العالم، وأن هناك مؤامرة كبرى “للرأسمالية والإمبريالية”، وهى التى تثير الحروب والإضطرابات. ويؤكد فريق ثالث، خاصة قبل سقوط الإتحاد السوفيتى، بأن من يدبر هذه المؤامرات إنما هى “الشيوعية الدولية”. كذلك كان هناك دائماً بؤر فى الغرب لا ترتاح إلى الإسلام وترى فيه خطراً، وقد تأكد هذا الشعور بعد أحداث سبتمبر،2001 حيث بدأت موجة من التعصب الدينى فى الغرب ضد خطر الإسلام السياسى بإعتباره الشيطان الأكبر. وبطبيعة الأحوال، فإن الأمرلا يقتصر على ما تقدم، فللحكومات وخاصة اجهزة المخابرات فيها نصيب لا يمكن إنكاره فى الأحداث الجارية، وسواء أشير فى ذلك إلى أفعال وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية CIA أو السوفيتية KGB أو الأسرائيلية Mossad، أو حتى شركات البترول العالمية، أو جنرال موتورز وربما لبعض العائلات مثل روتشيلد أو روكفلر.. وهكذا.

ولا خلاف فى أن لكل من هذه الجهات ـ وغيرها ـ تطلعات ومخططات للمستقبل، ولا جدال فى أن كلا منها يسعى لتحقيق أهدافه بشكل أو بآخر. وأغراض،. ولكن الأكثر أهمية هو أن هذه القوى لا تعمل جميعاً وفق مخطط واحد أو لغرض واحد، بل أن هذه الأهداف والأغراض تتعارض فى أحيان وتتلاقى فى أحيان أخرى، فضلاً عن أن كل هذه الجهات ـ ورغم ما قد تمتع به من نفوذ ـ إلا أن قدراتها ليست مطلقة، وهى إذا كانت قادرة على تحقيق نجاح فى مجال، فلا يعنى ذلك قدرتها على الإنجاز فى مجالات أخرى. فقد عاصرنا قصص لفشل دول كبرى، كأمريكا فى فيتنام أو روسيا فى أفغانستان.

هذه القوى الشريرة ـ وغيرها ـ موجودة بالفعل، وكل منها يسعى لتحقيق ما يراه هدفاً له، غير أن من الصعب القول بأن هذه القوى متفقة أو حتى قادرة على تحقيق كل أهدافها. فالبعض ينجح حيناً ويفشل حيناً آخر، والبعض الآخر ينجح فيما يفشل غيره، وهكذا. وتظل الحقيقة هى أن هذه القوى وغيرها لا تعمل جميعاً وفق مخطط واحد، وأن مصالحها كثيراً ما تتعارض، وإذا أمكن أن تلتقى فى بعض المواقف، فإنها تتناقض فى مواقف أخرى. كذلك ليس صحيحاً أن الشعوب دائماً ساذجة، يمكن تسييرها وفق هذا المخطط أو ذاك.

 النتيجة النهائية لما نراه من أحداث الواقع هى محصلة لتنازع هذه القوى من ناحية، ولأحداث أخرى غير متوقعة أو مفاجئة للجميع من ناحية أخرى. وهكذا، فإذا كانت الأحداث التى نراها فى حياتنا اليومية هى نتيجة لتفاعل العديد من العوامل المتنافسة والمتعارضة والطارئة، فإنه لا يمكن الإطمئنان أيضاً إلى ما يخبؤه التاريخ للمستقبل، فليست هناك “حتمية تاريخية”. ورغم ذلك فإن ما نراه من نتائج هو حصيلة أسباب أدت إليها، ولكن هذه الأسباب فى تعددها وتنوعها وتداخلها وتوافقها وتعارضها، لا تسمح بإختصار التاريخ فى مؤامرة أو عدة مؤامرات.

وخطورة نظرية المؤامرة ليس فقط فى أنها تبسط الأمور وتختصرها كما لو كنا بصدد مؤامرة واحدة، فى حين أن الحقيقة أننا بصدد العديد من المؤامرات المتوافقة والمتعارضة والمساندة والمعرقلة. ولكن يظل الخطر الأكبر لهذه النظرية هو أنها تكاد تعطينا شهادة براءة حين لا نستحق ذلك. فطالما أن هناك مؤامرة، فإن فشلنا لا ينسب لنا، ولا مسئولية علينا، لأن المشكلة هى “المؤامرة”. فالنتائج التى تتحقق على أرض الواقع فى ظل نظرية المؤامرة، ليست راجعة لأفعالنا، ولنجاحنا أو فشلنا، وإنما لتدخل هذه المؤامرات الشيطانية. فأن نعمل أو لا نعمل، لا فرق، لأن النتيجة التى تتحقق على أرض الواقع مخطط لها سابقاً. أما نحن وأعمالنا أو سوء أعمالنا، فشئ هامشى إلى جانب هذه المؤامرة أو تلك. وبذلك تمثل “نظرية المؤامرة” على هذا النحو صك براءة لفشلنا. فنحن غير مسئولين عما ينالنا من فشل لأننا ضحية مؤامرة كبرى. ويكفى أن نلعن المؤامرة وننام مستريحى البال. كلا وألف كلا، نحن مسئولون عن فشلنا. وإذا كنا صادقين مع أنفسنا، فإن السؤال الحقيقى، ليس هو هل هناك مؤامرة تحاك ضدنا أم لا؟ ليس هذا هو السؤال. فالمؤامرات فى كل مكان، ولن تتوقف… والسؤال الحقيقى هو لماذا تنجح المؤامرات عندنا ولا تنجح عند غيرنا؟. هل إعلان أو إكتشاف وجود مؤامرة يكفى لإبراء ذمتنا، وغسل أيدينا من المسئولية؟ لقد تساءل المفكر الجزائرى، مالك بن نبى، فى صدد ظاهرة الإستعمار، عما إذا كانت بعض الدول “قابلة للإستعمار”، وربما يمكن التساؤل، أيضاً، وهل لنفس الأسباب، هل هناك دول  “جاذبة للمؤامرات”؟ لماذا يكثر حديث المؤامرات عندنا، ولا نسمع عنه فى دول أخرى حققت إنجازاً ملموساً؟

ومع ذلك فتظل نظرية المؤامرة سائدة خاصة فى بلادنا خاصة بين المثقفين. والسؤال الحقيقى، إذا كانت هذه المؤامرات صحيحة وتتحقق عندنا، فلماذا لا تنجح فى الكثير من البلاد الأخرى. هل الدول الأخرى لها مناعة، ونحن ناقصى المناعة؟

لقد حققت اليابان نجاحاً منقطع النظير. لقد بدأت اليابان رحلتها للتقدم مع حكومة الميجى Meiji فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وقيل أنها حاولت الإفادة من تجربة محمد على فى بداية ذلك القرن، وإستمرت على الدرب حتى أصبحت قوة إقتصادية هامة فى النصف الأول من القرن العشرين، وإنضمت إلى ألمانيا فى حربها ضد الحلفاء فى الغرب. وعندما هاجمت طائراتها بريل هاربر، واجهتها الولايات المتحدة بضراوة ليس لها مثيل، ولم تتوان عن إلقاء القنابل الذرية عليها فى نهاية الحرب، رغم أنها كانت قد فقدت معظم قواتها العسكرية، وإحتلتها الولايات المتحدة بعد ذلك، وفرضت عليها حكماً عسكرياً ودستوراً جديداً. ومع ذلك إستطاعت اليابان أن تستعيد حيويتها رغم أنها تحت الإحتلال الأمريكى، وأصبحت قوة إقتصادية بعد عقدين أو ثلاثة من نهاية الحرب. فهل اليابان، والتى ألقيت عليها حكومة الولايات المتحدة القنابل الذرية، حليف لأمريكا والغرب أم هى عدو الأمس. هل إنقلبت عداوة الأمس فجأة إلى صداقة؟ لا يمكن أن يرجع ذلك إلى تقارب العرق الأصفر اليابانى مع الجنس الأبيض الإنجلوسكوفى، ولا هو تقارب فى الأديان أو اللغة أو التاريخ الحضارى. كيف نجحت اليابان، رغم المؤامرة العالمية؟ أنه العمل الدؤوب، وليس الشكوى من المؤامرات الخارجية.

وماذا عن ألمانيا حليف اليابان فى الحرب؟ لقد إحتلتها دول الحلفاء وقسمت أراضيها إلى ألمانيا غربية وأخرى شرقية. وبعد حروب طويلة ومريرة فى أوروبا، كانت ألمانيا فيها مصدر شغب للدول الأوروبية، تركت آثاراً نفسية وسياسية عميقة لدى العديد من الشعوب الأوروبية خاصة فرنسا وإلى حد ما إنجلترا. ومع ذلك إستطاعت ألمانيا أن تعود من جديد لتصبح بلداً موحداً، وأهم الدول الأوروبية.

 وماذا عن الهند، والتى كانت درة التاج البريطانى لأكثر من ثلاثمائة سنة، وعندما إستقلت إنفصلت عنها باكستان، فى جوار غير ودى إن لم يكن عدائى. ومع ذلك إستطاعت الهند عبر طريق طويل، لم تتخل فيه عن الديمقراطية، أن تحقق إنجازاً إقتصادياً هاماً، رغم تعدد وتناحر الطوائف بها. وهى الآن من الإقتصادات الواعدة.

وماذا عن الصين، والتى وإن لم تخضع للإستعمار مباشرة، فقد حاربها الأوروبيون بضراوة للإحتفاظ بمصالحهم الإقتصادية، بما فى ذلك الحرب عندما حاولت الصين أن تمنع تجارة الأفيون. ودخلت الصين خلال القرن العشرين حرباً أهلية طويلة، وخضعت للحزب الشيوعى ثم قامت بينها وبين الإتحاد السوفيتى مرارة وصراع مرير، ولم تكن علاقاتها مع الولايات المتحدة أفضل. ومع ذلك بالصبر والمثابرة إستطاعت الصين أن تفرض نفسها من جديد على الساحة السياسية والإقتصادية، وهى حالياً ثانى أو ثالث أكبر إقتصاد فى العالم. فهل كانت الصين محصنة من المؤامرات، وعلى غربها الإتحاد السوفيتى الذى أصبح مناهضاً، وعلى شرقها اليابان حليفة الولايات المتحدة الأمريكية. وهل الصين جزء من الحضارة الأوروبية والرجل الأبيض، ولماذا لم تواجهها المؤامرات التى نعرفها ونتحدث عنها؟

ولا بأس من الإشارة كذلك إلى جنوب أفريقيا معقل التمييز العنصرى، والذى خضع لأبشع أنواع الإستعمار مع التفرقة الغير الإنسانية بين ما هو أوروبى وما هو أفريقى وما هو هندى. كيف بدأت جنوب أفريقيا على طريق التقدم ولا تتحدث ليل نهار عن المؤامرة، وهى إحدى الدول الواعدة.

وبالإضافه  إلى ذلك هناك كوريا الجنوبية وماليزيا وستغافورا.. والقائمة طويلة.

ونعود إلى مصر، فنجد أن ما تتحقق فيها من إنجاز يبدو هزيلاً بالقارنة بما حققته الدول الأخرى خاصة خلال ثلث القرن الماضى. لقد واجهت هذه الدول ـ هى الأخرى ـ محن وحروب وأزمات وإحتلال، وغالباً خضعت ــ كما خضع غيرها ـ لمؤامرات داخلية وخارجية. المؤامرات موجودة فى كل مكان، وهى كالميكروب أو الفيروس متواجد دائماَ، ولكن الجسم الهزيل هو ـ وحده ـ الذى يصاب بالأمراض. المشكلة ليست فى وجود مؤامرات، وإنما فى ضعف المناعة. لا يكفى أن نلعن المؤامرات صباحاً ومساءاً، إذا ظل الجسم ضعيفاً.

إن كثرة الحديث عن “المؤامرة”، هو صرف النظر عن مشكلتنا الحقيقية. المشكلة فينا نحن، هى نقص مناعة الجسم: هى الكذب، هى النفاق، هى عدم تحمل المسئولية، هى عدم الأمانة… والقائمة طويلة. . القضية: هى الإنسان المصرى، هى منظومة المؤسسات، هى القيم السائدة …إلخ. أرجو ألا يكون “حديث المؤامرة” ـ خاصة الخارجية منها ـ هو هروب من مواجهة مشاكلنا الحقيقية.

 لا داعى للبحث عن أعذار خارجية. نحن مسئولون عن أوضاعنا. إننا، بقصورنا، نحن من يجعل المؤامرة ناجحة، فنحن جميعاً مسئولون. المؤامرات سوف تستمر، ولكن مصير بلادنا هو مسئولية فى أعناقنا، تتوقف على ما نفعله وليس على ما يخططه الآخرون. العمل والجهد هو ما نحتاجه لإصلاح عيوبنا ومواجهة الواقع بصراحة، وليس البكاء على الأطلال أو الشكوى من “المؤامرات”. والله أعلم.

أالاهرام 3 سبتمبر 2014 v

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *