حول أحداث أمريكا: الحرية والخوف

أصدر الفيلسوف والمفكر أيرك فروم Eric From منذ خمسين سنة كتاباً بعنوان “الخوف من الحرية”.  وكان الغرض من هذا الكتاب هو تفسير كيف إستطاعت النازية –  والفاشية –  أن تتوغل وتُسيطر على العقول  في دول متقدمة مثل ألمانيا.  هذه الدولة التي عرفت أعلى مستويات الثقافة والفن والعلم، ففيها ظهر عدد من أكبر الفلاسفة في القرن التاسع عشر وكانت أحد أهم معاقل الموسيقى والفن الرفيع فضلاً عما قدمته من علماء في مختلف الفروع.  فكيف، الحال كذلك، يقبل شعب على مثل هذا المستوى الحضاري الرضوخ والإستسلام الكامل لدكتاتور – في أحسن الأحوال –  متوسط الثقافة محدود الذكاء؟ هذا هو السؤال الذي طرحه أيرك فروم في ذلك الوقت.  وكان رأيه أن السبب يرجع إلى أن الفرد في أوروبا وجد نفسه وحيداً بلا حماية من تقاليد النظام القديم فمعظم المجتعات الأوروبية – وقد عرفت خلال العصور الوسطى وجود مؤسسات دينية وسياسية، مثل الكنيسة والملكية والتقاليد تتولى عن الفرد تحديد الإختيارات الأساسية، وماهو مقبول وماهو ليس مقبول وبذلك أعفت الفرد من مسؤولية تحمل نتائج الحرية.   فالحرية ليست فقط تحرراً من القيود، وإنما هي بالدرجة الأولى مسؤولية.  مسؤولية الإختيار ومسؤولية تحمل النتائج.  وهي ليست أمراً سهلاً وبالتالي تحتاج إلى تدريب وثقة في النفس.  عندما قضت الشعوب على نظامها القديم في القرن التاسع عشر من كنيسة وملكيات وتقاليد مستقرة، وجد الفرد نفسه وحيداً عليه أن يتخذ قراراته بنفسه ويتحمل مسؤولياته.  وهو أمر لم يعد العُدة له، فكان أن تنازل عنها عندما تقدم زعيم أي نوع من الأب وسعد بإلقاء المسؤولية كاملة  عليه ليتحمل بدلاً منه هذه المسؤولية.  فألمانيا –  وأبناؤها –  وقعت في النازية لسبب بسيط هو أنهم لم يكونوا مستعدين لتحمل مسؤولية الحرية بعد القضاء على النظام القديم ومؤسساته.  لقد وجد الشعب الألماني في الدكتاتور أو الزعيم ملاذاً يحميه من إتخاذ القرارات، وتحمل المسؤوليات.  فهو نوع من الهروب من تحمل المسؤولية، هو بحث عن نوع من الحكم الأبوي وإلقاء المسؤولية كاملة على هذا الأب (الزعيم أو الدكتاتور).

وهكذا فهناك علاقة بين الحرية والخوف.  كثيراً ما تكون الحرية مخيفة فيتخلى الأفراد عنها مفضلين أن يُدير حياتهم أب أو رئيس أو غيره ذلك. الحرية مسؤولية، وتحمل المسؤولية ليس أمراً سهلاً بل وكثيراً ما يكون مخيفاً.  وللخوف أسباب كثيرة، فهُناك الخوف من غوائل الطبيعة؛ زلازل أو عواطف أو وحوش، كما هناك الخوف من الآخرين، حروب وغزوات، وهناك كذلك الخوف من المستقبل، وهكذا.  وأشد أنواع الخوف هو الخوف من عدوٍ مجهول.  فهذا أقرب إلى الخوف المطلق، لأنه تخوف من كل شيء.  وليس من المبالغة القول بأن غريزة الخوف هي أقوى الغرائز، بما في ذلك غريزة حب الحياة. فكم رأينا أفراداً يُفضلون الموت خوفاً من مواجهة الأحداث.  فالخوف قد يجعل الموت أحب من الحياة.  ومع الخوف يمكن للإنسان أن يتنازل عن أي شيء، بما في ذلك أغلى مقتنياته؛ الحرية.  فالخوف نقيض الحرية، ومع الخوف تضيع الحريات.  وأشد أنواع الخوف هو الخوف من المجهول على ما أشرنا.  وهذا هو –  إلى حد بعيد –  وضع أمريكا الآن بعد أحداث سبتمبر الماضي.  فمع الخوف تتهدد الحرية، وكان الرئيس روزفلت قد نادى في بداية الحرب العالمية الثانية بضرورة تحرير الأفراد من الخوف، بإعتباره شرطاً للحرية.  ومع شيوع الخوف، في أثر عمليات الإرهاب الأخيرة، فإن قضية الحرية تُعيد طرح نفسها في الولايات المتحدة، وربما في العالم أجمع.

لقد قطعت الإنسانية – أو بالأحرى أجزاء منها في مقدمتها الدول الإنجلوسكسونية – شوطاً بعيداً في حماية الحريات الشخصية للأفراد.  فالفكر الليبرالي منذ جون لوك في القرن السابع عشر، يرى أن الديمقراطية ليست فقط مجرد مجالس نيابية تُقام أو إنتخابات تُجرى، ولكنها في الدرجة الأولى في الإعتراف بحقوق أساسية للأفراد لا يجوز المساس بها.  الحق في الحياة طبعاً، ولكن أيضاً الحق في التعبير، وحرية الفكر والإعتقاد وحرية الملكية.  ومع هذا وتلك، هناك الحق في الخصوصية Privacy أو حرمة الحياة الخاصة.  لا يجوز التجسس على أفكار الأفراد، على أحاديثهم، على مراسلاتهم.  هذا هو الإطار السياسي للدولة الديمقراطية التي دعت إليها الليبرالية والتي وجدت أعلى مظاهرها في الدول الأنجلوسكسونية – في إنجلترا والولايات المتحدة – وفي الدول الإسكندنافية.  ولكن هذا النظام السياسي القائم على التقاليد الدستورية كان يسنده نظام إجتماعي من القيم التي أطلق عليها فوكوياما في كتابه الثاني “الثقة”، إسم رأس المال الإجتماعي Social Capital، وهو مجموعة القيم Norms تستند إلى الأمانة والصدق وقدر من المروءة والكرم.  وتقوم مؤسسات المجتمع المدني، من أسرة ومدرسة وكنائس وجمعيات خيرية وصحافة وغيرها بحماية هذه القيم.  وقد رأينا منذ الأمس القريب، أن الولايات المتحدة تغفر لرئيسها – كلينتون – إنحرافاته الجنسية في البيت الأبيض، لأنها جزء من حرمة حياته الشخصية، ولكنها لا تقبل كذبه أمام المجتمع، لأن الكذب إخلال بالإلتزام الإجتماعي بالصدق والأمانة في القول.  وكل هذا تعرض لضربة قاسية مع أحداث سبتمبر الماضي في نيويورك وواشنطن.

لقد قيل أن تلك الأحداث أظهرت مدى الضعف والخلل في الإجراءات الأمنية في مطارات الولايات المتحدة الأمريكية، كما بينت مدى القصور في الأجهزة الأمنية والمخابراتية.  وقد يكون ذلك صحيحاً بعض الشىء ولكن ليس كل شيء.  الحقيقة أن التساهل في الإجراءات الأمنية في الولايات المتحدة يرجع إلى ركن هام في طبيعة المجتمع الأمريكي وهو ركن الثقة في الآخرين، والرغبة في إحترام خصوصيتهم وعدم التدخل في حرية الأفراد دون دلائل واضحة.  فهذه الأحداث وإن أظهرت هذا القصور أو ذاك، فإنها في نفس الوقت قد أصابت جوهر المجتمع الأمريكي في مقتل لقد زعزعت ركن الثقة في المجتمع الأمريكي.  في كتابه سابق الإشارة آلية – الثقة – ذهب فوكوياما إلى أن قوة المجتمع الأمريكي إنما ترجع إلى قيامه على أساس قيم الثقة؛ الثقة بالنفس، والثقة بالغير، والثقة في المستقبل.  فعند فوكوياما – كما عند آخرين مثل آلان بيير فيت الفرنسي – التقدم الإقتصادي الذي عرفته الدول الصناعية يرجع إلى حد بعيد إلى إستقرار وتعمق قيم الثقة والإطمئنان، في الآخرين.  فسمة التعامل هو الثقة في الآخر وليس الريبة أو التشكك.  وهذه الثقة ليست مجرد موقف أخلاقي ولكن لها آثار إقتصادية بعيدة المدى. فهذه الثقة تُساعد دعم المبادرات الفردية، وقبول المخاطر، وإقتحام الجديد.  هذه الثقة تقوي شعور التفاؤل وتُساعد على الإعتماد على جهود الآخرين.  وهي في جميع الأحوال تقلل من تكاليف المعاملات.  وكل ذلك من أهم دعائم التقدم الإقتصادي.  ومن هنا فإن أحداث نيويورك وواشنطن قد أصابت المجتمع الامريكي في مقتل، أصابته في ثقته بنفسه وتفاؤله، حيث يحل الشك والريبة محل الثقة والإطمئنان، ويرجع ذلك إلى ما أثارته الأحداث الأخيرة من إيقاظ غريزة الخوف لدى أفراد الشعب الأمريكي.  فأخطر ضحايا الأحداث الأخيرة هو إهتزاز أساس المجتمع الامريكي في حرمة الحريات الفردية، أما الخسائر البشرية والمادية فهي – على فداحتها – محدودة.  إن غريزة الخوف تُعيد الفرد إلى بدائيته الأولى، فهو لا يكاد يهتم إلا بأمنه الشخصي المادي والمباشر، وهي توقظ فيه أيضاً المشاعر البدائية في الأنانية المفرطة ومن التخوف من الغير والشك في الغريب.

لقد بدأت الأصوات ترتفع جهاراً نهاراً لزيادة التجسس على حياة الأفراد، على مراسلاتهم، على إجتماعاتهم بل وربما على أفكارهم ونواياهم.  إن حرمة وقدسية الخصوصية مُهددة الآن أكثر من أي وقت آخر.  وهو ثمن مرتفع.  ليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها الولايات المتحدة لمحنة الخوف مما يُهدد أُسس حرية الأفراد.  فقد عرفتها في الخمسينات عندما تغلبت عقدة الخوف من الشيوعية وسادت المكارثية تتعقب كل رأي مستقل أو مختلف وترى فيه عميلاً للشيوعية ومهدداُ لرمز العالم الحر، حتى كادت الحرية الفردية تضيع بإسم الدفاع عن العالم الحر.  وقد إستطاعت الولايات المتحدة أن تتجاوز أزمتها في المكارثية، وتخطت عقدة الخوف على الحرية، ونبذت قيم الشك والريبة، وإستعادت الثقة في الحرية الفردية، وأن الدفاع عن مباديء الحرية يكون بمزيد من الحرية وليس بمزيد من القيود.  وعلى العكس فقد سقطت الشيوعية وحدها لأنها رفضت الحرية أصلاً.  والآن تواجه الولايات المتحدة إمتحاناً آخراً، بعثت فيه من جديد غريزة الخوف.  الإرهاب خطر يُهدد إستقرار الجماعات، ولكن أخطر منه أن يُسيطر الخوف على العقول والحواس.  فغريزة الخوف ليست فقط أقوى الغرائز ولكنها أيضاً أحطها.

هناك دائماً توازن لازم ضروري ودقيق بين مقتضيات الأمن وبين ضروريات الحرية.  بلا أمن وإستقرار لا حياة للأفراد أو للمجتمع.  فهذا شرط أولي ومبدئي.  ولكنه وحده لا يضمن أكثر من الوجود المادي والبدائي، وبالحرية وحدها – مع توافر الأمن – يتحقق التقدم والإزدهار.  وتواجه الولايات المتحدة هذه الأيام إختباراً قاسياً في تحقيق التوازن بين الأمرين، حماية الحرية مع عدم التضحية بالأمن.  وخطورة الأمر بالنسبة للعالم، هو أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست مجرد دولة عادية تختار ما يُناسبها من نظم إجتماعية وسياسية، ولكنها أيضاً نموذج لعالم المستقبل.  فهل تنجح في الإمتحان؟

الإرهاب خطر وعدوان على الأمن يجب محاربته بكل الوسائل والطرق.  وهو في ذاته محكوم عليه بالفناء وغير قابل للعيش في المدة الطويلة.  ويحتاج الأمر إلى تسخير كافة الوسائل للقضاء عليه ليس فقط بمظاهره وإنما بأسبابه وجذوره.  ولكن التضحية بالحرية لا تقل خطورة وقسوة على مستقبل البلدان ومستقبل البشرية.   والله أعلم.

الأهرام: 25 أكتوبر 2001

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *