حول أحداث أمريكا: هل من ضوء في نهاية النفق؟

11 سبتمبر 2001 تاريخ سيظل عالقاً في الأذهان.  الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قوة عسكرية وإقتصادية في العالم تتعرض لهجوم إنتحاري .. ثلاث طائرات مدنية تصطدم بالمركز التجاري الدولي، أعلى مبنى في نيويورك، ومبنى البنتاجون مقر وزارة الدفاع في واشنطن.  وتسقط أبراج نيويورك ويتهدم جزء من مبنى وزارة الدفاع أمام أعيُن مئات الملايين من المشاهدين للتلفزيونات على إتساع العالم.  إنها الحرب على أمريكا تطلقها جماعات للإرهاب الدولي.  وترتفع قائمة الوفيات والمفقودين لأكثر من ستة آلاف نسمة من المدنيين الأبرياء، غالبيتهم من الأمريكيين، ولكن بينهم أيضاً أوربيون وآسيويون وعرب ومن جميع الديانات والعقائد؛ مسيحيون ويهود ومسلمون وبوذيون وملحدون.  وتهتز أمريكا وتفقد توازنها، ويُصدم العالم من هول المفاجأة.  إنها الحرب العالمية الجديدة.  حرب من نوع جديد، حرب ضد الأشباح، وإسمها الحركي حرب ضد الإرهاب الدولي.  وتتوالى الإتهامات وتُشير الأصابع إلى الجماعات الإسلامية المُتطرفة، ويحظى بن لادن وجماعتة من أفغانستان بالنصيب الأكبر من هذه الإتهامات.  وتتوتر النفوس وتعلو أصوات الحرب والإنتقام، وتظهر على السطح مشاعر التعصب والكراهية، وتتركز في معظمها حول صورة العربي أو المُسلم القبيح الذي يُهدد دعائم الإستقرار ومراكز المدنية والحضارة.  وفي ظل هذا الجو الكئيب والحزين تأتي المؤشرات الإقتصادية لتُزيد النفوس كآبة.  فأسواق المال في اليابان و أوروبا تنحدر لمستويات لم تعرفها منذ عشرات السنوات، وعندما تفتح سوق نيويورك أبوابها للنشاط، ورغم الخطابات الوطنية ومحاولات البنك المركزي الأمريكي، نجدها في تدهور مستمر، ويلوح الكساد على الآفاق.  وتُعلن شركات الطيران عن إفلاسها وتسريح عمالها وتتوالى إعلانات الخسائر من شركات أوربية، وتُصاب شركات التأمين في مقتل. وكانت أوضاع العالم الإقتصادية قبل الحادث غير مريحة، فاليابان، يبدو أنها تواجه ظروفاً هيكلية يصعب الخروج منها، وأوروبا تُصارع لتنشيط الإقتصاد، والأرجنتين والبرازيل تواجهان صعوبات مالية جُمَّة، وتركيا تكاد تتوقف عن الدفع.  وجاءت ضربة الطيران في أمريكا لتُزيد الطين بله، وتُعمِّق الشعور بأن الكساد والأزمة آتيين لامحاله.  وهكذا تسود نبوءات التشاؤم والظلام، ويستحضر البعض نبوءات نوستراداموس الكئيبة وأن نهاية العالم على الأبواب، وتطول قائمة التشاؤم والخراب؛ عمليات عسكرية على الأبواب، خطر إستخدام عناصر الحرب الكيماوية أو الجرثومية، إنهيار إقتصادي، تعصُب وصِدام بين الحضارات .. والقائمة طويلة.

ولكن هل الصورة هكذا سوداء؟ ألا توجد بارقة أمل وسط الظلام؟ أليس هناك نهاية لهذا النفق المظلم؟

سوف يكون من السذاجة التهوين من خطورة الأحداث التي يواجهها العالم الآن، كما هو من العبَث تقليل حجم الخسائر والتضحيات البشرية والمادية التي يتعرض لها العالم خلال الأيام والشهور القادمة.  نحن أمام حدَث جلَل قد يُغيِّر من معطيات الحياة الدولية كما تعودنا عليها.  وهناك أيام صعبة ينبغي أن نتوقعها وأن نتعامل معها بكل موضوعية.  ولكن –  وهنا هدف هذا المقال – هناك  أيضاً إحتمالات بعض الخير.  وهكذا تاريخ البشرية.  ليس هناك شر مطلق كما أنه يندُر أن يكون هناك خير كامل.  والغرض من هذا المقال هو الإشارة إلى بعض هذه الجوانب الإيجابية التي قد تترتب على الأحداث الأخيرة، رغم الإدراك الكامل لبشاعة الموقف.

أُنظر إلى الشعب الأمريكي والذي – رغم الأحزان وربما بسببها – إكتشف وحدته وتضامنه وتعاطفه.  آلاف المتطوعين للعمل الخيري، ومئات الملايين من التبرعات.  وقد وجد هذا الشعب تعاطفاً عالمياً ليس فقط في أوروبا الحليفة بل أيضاً في روسيا عدوة الأمس، وأكثر من ذلك نجد كاسترو يقف مستنكراً الإرهاب وقتل الأبرياء ومساندة أمريكا، ولم يتخل عن المشاركة المُسلمون وعلماؤهم الذين أكدوا أن الإسلام برىء من مثل هذه العمليات.  هناك حالة من الحزن والوجوم العالمي مشاركة في مأساة هؤلاء الضحايا.  حقاً لقد إنفلت الزمام وظهرت علامات الفرح والشماتة في عدد قليل من بلدان الشرق كما ظهرت بالمُقابل حوادث إعتداء على المسلمين والعرب في بعض أجزاء الولايات المتحدة وربما في أوروبا.  ولكن، وهذا بالغ الأهمية، وقف أنطوني بلير رئيس وزراء بريطانيا يؤكد أن الإسلام دين يُعلِّي من قيمة الإنسان ويرفض هذه الهمجية، وذهب جورج بوش، رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية إلى المركز الإسلامي في واشنطن ليُطمئِن الأمريكيين من أصول عربية أو شرقية إلى كامل حقوقهم والثقة فيهم.  وأكدَّ اكثر من عضو في الكونجرس الأمريكي أن الحرب ضد الإرهاب ليست حرباً ضد الإسلام، وإنما هي حرب مع الإسلام ضد الإرهاب.  ولعل هذه الأحداث تكون بمثابة وقفة لكل من المُسلمين والغرب لإعادة تقييم علاقتهما.  فقد غلب على هذه العلاقة قدر كبير من الإلتباس وسوء الفهم وكثير من المُغالطات.  وهو أمر إشترك فيه الجميع ومسؤولياتهم عنه مُشتركة لا يستطيع طرف أن يُبرىء ذمته كاملاً من هذا الإلتباس أو سوء الفهم.  وربما تكون الأحداث الأخيرة مناسبة لإعادة النظر والوصول إلى مصالحة تاريخية بينهما.  لقد كان تاريخ الإسلام دوماً هو تاريخ التسامح وآن له أن يعود إلى أصوله.  حقاً لقد عرف المسلمون ظلماً سياسياً من الغرب كان آخره الإستعمار الغربي في القرن التاسع عشر، والتحيًّز الكامل لإسرائيل في القرن العشرين، ولكن يجب أن نتعلم أن الخلاف السياسي لا يعني العداء الحضاري، ولعل الغرب يُدرك أيضاً أن موقف المشرق منه ليس عداءً عقائدياً بل هو خلاف سياسي.  وكيف يكون عقائدياً، وعقيدة الغرب الدينية – المسيحية – مشرقية.  فالسيد المسيح شرقي عاش وتجول في أراضي فلسطين ومصر، ولم يعرف إنجلترا أو الولايات المتحدة.  والإسلام يعترف بالمسيح ويُبجله ويرفعه إلى أعلى مقام.  لقد ولدت حضارة الغرب في حضن الشرق الأوسط، ومنه تستمد هذه الحضارة أُصولها التاريخية والدينية.

 وقد يكون من حسن الطالع أن الإدارة الأمريكية – وقد جاءت بسياسة الإهمال المتعمد لما يحدُث في فلسطين –  فإذا بها تتحرك بعد الأزمة وتدفع الأطراف المعنية إلى وقف القتال والحوار.  وهي بداية نأمل أن يكون لها ما ورائها.  إن الأحداث الأخيرة تتطلب وقفة لإعادة النظر في علاقة الإسلام بالغرب، الأمر الذي يتطلب مصارحة وجهداً لإقامة هذه العلاقة على أساس وطيد من الفهم المُتبادل، وعندئذٍ قد لا تكون هذه الأحداث شراً مطلقاً.  بل لعل الولايات المتحدة الأمريكية قد أدركت – عند تحقُق الخطر –  أن إسرائيل ليست الحليف الذي يُعتمد عليه عندما تقع الواقعة.  ومن هُنا فقد أعلن كولن باول وزير خارجية أمريكا أن إسرائيل لن تكون شريكاً في الحلف الدولي ضد الإرهاب لعدم إثارة الشعور الإسلامي.

على أن أسباب التفاؤل لا تقتصر على إمكانية إعادة تقويم العلاقة بين الغرب والإسلام – من الطرفين – على أُسس أكثر صلابة وسلامة، بل أنها تعود إلى ما يُمكن أن يترتب عليها من آثار على المفاهيم الأمريكية السائدة.  فالولايات المتحدة بعد هذه الأحداث قد تُصبح أكثر نُضجاً.  فقد نشر الكاتب الأمريكي – الياباني الأصل –  فوكوياما في جريدة الفينانشال تايمز البريطانية في 16 سبتمبر الجاري مقالاً يرى أن هذه الأحداث قد تُعيد الولايات المتحدة إلى حظيرة الدول العادية.  فكما كتب نفس المؤلف في بداية التسعينات مؤلفه الشهير عن “نهاية التاريخ” بعد سقوط المعسكر الإشتراكي، إذ به في هذا المقال يتحدث عن “نهاية الإستثناء الأمريكي”.  فقد كان الشعور الغالب لدى الأمريكي العادي أنه لا يحتاج إلى العالم، بل العالم هو الذي يحتاج إليه.  كان شعوره أنه وحده يتمتع بالأمن المُطلق، وإذا به يكتشف لحظة سقوط أبراج مركز التجاري الدولي سقوط هذه الأوهام.  فالأمن الأمريكي، كالأمن الأوروبي أو الآسيوي مُعرَّض للمخاطر والولايات المتحدة ليست قلعة مُحصَّنة ضد المخاطر.  وهاهو يكتشف أنه يحتاج إلى حلف دولي لمحاربة الإرهاب وتوفير الأمن.  فسياسة الإدارة الأمريكية الجديدة التي ترى أن الولايات المتحدة ليست مثل غيرها من الدول، لأنها تستطيع أن تتحلل من إلتزاماتها في الوقت الذي يُناسبها، كما تفعل مع إتفاقية البيئة للأمم المتحدة أو نزع السلاح مع الإتحاد السوفييتي سابقاً، هذه السياسة ربما لم تعُد صالحة.  عندما وقعت الواقعة وجاءت الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها ضد الإرهاب، اكتشفت أن ذلك لا يتحقق إلا بتحالف دولي وأن مشاركة الدول العربية والإسلامية لازمة لحماية أمنها وسلامتها. الحفاظ على أمن الولايات المتحدة نفسه يحتاج إلى تعاون دولي.  هذه حقائق جديدة على الساحة الدولية.  ومن هنا فربما تكون هذه الأحداث بمثابة الفصل الختامي في دعوات الإنعزال.  لا أحد يملك الإنعزال عن المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية.  كذلك كشفت الأحداث الأخيرة أن تغاض الولايات المتحدة الأمريكية عن مبادئها لأسباب إنتهازية مؤقتة لن تلبُث أن تنقلب عليها.  فكم ساعدت الولايات المتحدة نظماً إستبدادية وحركات أُصولية في حربها الباردة مع الشيوعية، فإذا بها تنقلب عليها.  وتشاء الظروف أن تُعاني الولايات المتحدة على يد المنظمات الإرهابية في أفغانستان، وهي لم تكُن بريئة عن تكوين تشكيلات هؤلاء المجاهدين الأفغان.

وإذا كانت الولايات المتحدة تحتاج الآن إلى تضامن الشعوب الأُخرى معها في حربها ضد الإرهاب، فإن الأحداث الأخيرة تُبين أن حاجتها إلى تضامن الشعوب الأُخرى معها أمر لا يقل أهمية لسلامة الإقتصاد الأمريكي.  لقد عرف الإقتصاد الأمريكي نمواً مذهلاً خلال السنوات العشر الأخيرة، وقد تمتع الدولار الأمريكي بقوة هائلة في مواجهة العملات الأجنبية، وذلك رغم أن الميزان التجاري الأمريكي يعرف عجزاً مستمراً لم ينقطع منذ نهاية الستينات من القرن الماضي.  والسبب الأساسي وراء ذلك هو أن العجز التجاري الأمريكي قد قابله تدفق لرؤوس الأموال من جميع دول العالم فاق مقدار العجز، ويرجع ذلك إلى الأمن المُطلق الذي عرفه الإقتصاد الأمريكي.   الولايات المتحدة كانت – وربما لا تزال – جنة الإستقرار والإطمئنان.  فإذا تهدد هذا الإستقرار وبدأت الأموال تبحث عن جنات أُخرى فإن الدولار يمكن أن يخضع لضغوط شديدة.  لقد كشفت الأحداث الأخيرة مدى حاجة الولايات المتحدة الامريكية للعالم الخارجي، كما سبق للعالم أن عرف مدى حاجتة للولايات المتحدة.  الولايات المتحدة لم تعُد إستثناء.  وشعور التميُّز والإستثناء للولايات المتحدة ربما يعيش أيامه الأخيرة.  وإذا كان التخلص من هذا الشعور بالتميُّز قد يكون صعباً ومؤلماً، فإنه أيضاً بادرة خير وعودة للقطيع مع قدر من التواضع بدلاً من الإستعلاء.  الولايات المتحدة دولة عظمى ولاشك، والمجتمع الأمريكي مجتمع بالغ الحيوية وقدًّم للإنسانية إسهامات لا يُمكن إنكارها، ولكنها أيضاً وقعت ضحية لغرور العظمة. وهو مرض يُصيب الشعوب كما يلحق الأفراد.  الولايات المتحدة تواجه أزمة حقيقية وهي تحتاج إلى المساندة والدعم.  فالجميع في قارب واحد.

إننا نواجه أياماً عصيبة وقد يترتب عليها شر مستطير .. ولكن هناك أيضاً بعض الخير.  إذا تعلمنا وأفدنا من التجربة. والله أعلم.

الأهرام: 23 سبتمبر 2001

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *