خريطة عن معالم الاقتصاد المصري

 

يكثر الحديث عن أوضاع الاقتصاد المصري، من متخصصين وغير متخصصين، مسؤولين أو غير مسؤولين، كل يدلي بدلوه في جانب أو آخر من جوانب هذا الاقتصاد. وكلها محاولات جادة ومفيدة. ومع ذلك فكثيراً ما يصاب القارئ بقدر من الضياع وأحياناً من التشتت نظراً لأن الصورة الإجمالية لهذا الاقتصاد كثيراً ما تختفي وسط هذه التحليلات الجزئية أو تلك. ولذلك فإنه من المصلحة، من آن لآخر، العودة لتذكير القارئ غير المتخصص بالصورة الإجمالية في خطوطها العريضة لطبيعة هذا الاقتصاد. ومن هنا فإن نوعاً من الخريطة العامة قد تكون مفيدة كخلفية عامة لأوضاع هذا الاقتصاد.

وكما تقوم الخريطة في الجغرافيا برسم إطار مبسط لطبيعة المكان وحدود المسافات وشكل التضاريس والمرتفعات والالتواءات، فإن الحديث عن الاقتصاد يتطلب بدوره خريطة لأهم العلاقات الاقتصادية وشكل اللاعبين الأساسيين ومراكزهم النسبية وعلاقاتهم مع العالم الخارجي. وهذه الخريطة تحدد الأهمية النسبية لكل منهم وإمكانيات التطوير ومناطق الاختناقات. وبطبيعة الأحوال فإن مثل هذه الخريطة تقدم صورة إجمالية للاقتصاد القومي، فإنها كثيراً ما تغفل التفاصيل وتتجاوز عن الجزئيات – وبعضها بالغ الأهمية – ومن هنا فائدتها وحدودها على السواء، فهي بقدرتها على إعطاء الصورة الإجمالية تساعد على ربط الاقتصاد – في مجمله – في عدد محدود من اللاعبين والعلاقات، ولكنها في اعتمادها على المتوسطات تتجاهل تفاصيل الحياة وحقيقة العلاقات، وذلك بالحديث عن “تجمعات إحصائية” لا وجود حقيقي لها بقدر ما هي تركيب إحصائي مجرد. ويظل مع ذلك التعامل مع هذه المتوسطات أمراً ضرورياً لاتخاذ السياسات. فالسياسة الاقتصادية لا تتعامل مع كل فرد على حده وإنما فقط مع المتوسطات والاتجاهات العامة. على أن المشكلة الكبرى لمثل هذه الصورة الإجمالية إنما ترجع إلى قصور البيانات وعدم دقتها. فلا يقتصر الأمر على أننا نتعامل فيها مع “متوسطات إحصائية”، بل أن البيانات الأساسية التي تعتمد عليها هذه الاحصاءات قد تكون غير موجودة أصلاً، أو – وهو الأخطر – غير صحيحة أو غير دقيقة.

ورغم كل هذه القيود والنقائص فإن وجود مثل هذه الصورة الإجمالية، أمر لا يمكن الاستغناء عنه عند أي حديث جاد عن أوضاع الاقتصاد. ونحاول فيما يلي أن نعطي صورة عامة لهذه الخريطة في مصر على أن نقتصر على النظر على عدد محدود من المعالم الرئيسية لهذا الاقتصاد. ونعتقد أن هذه المعالم تكفي لإعطاء صورة عامة للقارئ غير المتخصص. كذلك فإننا لن نلجأ إلى استخدام الأرقام المنشورة وإنما نقدم بعض التقريبات العامة للتقديرات خلال السنوات الأخيرة دون الوقوف على كل رقم بذاته.

ولعل النقطة الأولى في مثل هذه الخريطة هي تحديد حجم الناتج القومي – أو المحلي لا فرق كبير في حالة مصر – وهو يتراوح في حدود 90 – 100 مليار دولار سنوياً. وقد تختلف الأرقام من سنة إلى أخرى أو من مصدر إلى آخر، ولكن هذه الاختلافات لا تغير كثيراً من الصورة إذا تذكرنا أمرين، الأول أن دلالة هذا الرقم في نهاية الأمر ما تزال محدودة نظراً لأن معظم دولنا تعرف إلى جانب الاقتصاد الرسمي أو الظاهر، اقتصاداً آخراً خفياً يتضمن أنشطة لا تظهر في الأرقام الرسمية. وظاهرة الاقتصاد الخفي أو الرسمي ظاهرة موجودة في كل دول العالم، ولكنها تبدو أكثر ظهوراً وأهمية في عدد من الدول النامية. ويقدر حجم الاقتصاد الخفي في الدول الصناعية بما يتراوح بين 10 – 25 في المائة من الناتج المحلي، أما في الدول النامية فإن أحجامها قد تكون عدة مضاعفات لذلك. وفي دراسة لصندوق النقد الدولي عن الاقتصاد الخفي، يقدر واضعو هذه الدراسة أن أكبر نسبة للاقتصاد الخفي في إفريقيا هي في مصر ونيجيريا، حيث تبلغ هذه النسبة فيهما، وفقاً لتلك الدراسة، 69 في المائة، 77 في المائة على التوالي. وعلى ذلك فإننا عندما نتكلم عن حجم الناتج القومي أو المحلي في مصر فإننا نتجاهل ما يقرب عن 70 في المائة غير محسوب وتمثل الاقتصاد الخفي أو السري. وأما الأمر الثاني والذي يجعل الوقوف عند رقم معين أقل أهمية مما يبدو، فهو يرجع إلى أن أرقام الناتج القومي تعتمد بشكل عام على التقييم بالدولار على أساس أسعار الصرف السائدة. وفي كثير من الأحيان لا يعكس هذا التقييم القيمة الحقيقية لهذا الناتج أو الدخل وفقاً للقوة الشرائية. ولذلك فقد عمدت المؤسسات الدولية – أخيراً منذ عدة سنوات – إلى تقدير الناتج أو الدخل القومي أيضاً على أساس القوة الشرائية إلى جانب التقدير على أساس أسعار الصرف. ووفقاً لهذا التقييم على أساس القوة الشرائية فإن الناتج الإجمالي طبقاً لإحصاءات البنك الدولي يقدر في مصر بحوالي 235 مليار دولار (أسعار سنة 2000).

وفي ضوء حجم السكان الحالي لمصر (68 مليون نسمة)، فإن متوسط الدخل الفردي يقدر بحوالي 1500 دولار (تقريباً) على أساس أسعار الصرف، بافتراض أن الناتج القومي على هذا الأساس هو حوالي 100 مليار دولار، ولعلنا نذكر أن أول محاولة لتقدير الدخل القومي في مصر تمت في 1951 من جانب الدكتور أنيس، وقدر الدخل الفردي حينذاك بمبلغ 100 دولار بأسعار 1950، وعلينا أن نقارن متوسط الدخل الفردي في 1950 بمائة دولار بتلك الأسعار، ومتوسط دخله الفردي بعد خمسين سنة بمبلغ 1500 دولار بأسعار 2000. فإذا كانت الأسعار لم تزد خلال هذه الخمسين سنة أكثر من خمسة عشر ضعفاً فمعنى ذلك أن الدخل الفردي قد زاد بالنسبة للمواطن المصري، أما إذا زادت الأسعار خلال هذه لأكثر من خمسة عشر ضعفاً فمعنى ذلك أنه متوسط الدخل الفردي لم يزد وإنما ربما انخفض. وإذا لم تكن المقارنة خلال الزمن وحدها كافية، فقد يكون من المناسب أن نتذكر أن متوسط الدخل الفردي في مصر كان مماثلاً لمتوسط الدخل الفردي في كوريا الجنوبية، وهو حالياً أقل من خمس متوسط الدخل الفردي في كوريا الذي يبلغ 8910 دولار. ومن المعروف أن كوريا دولة فقيرة في الموارد الطبيعية ويقترب سكانها من حوالي الخمسين مليوناً فضلاً عن أنها لم تكن بعيدة عن النزاعات السياسية والعسكرية مع جيرانها، وبالتالي فإن ظروفها ليست بعيدة عن مصر.

وبشكل عام فإن هذا الناتج القومي موزع بالتساوي تقريباً بين القطاعات السلعية والقطاعات الخدمية. فالإنتاج السلعي (زراعة، صناعة، بترول وغاز، كهرباء، تشييد) يمثل حوالي 50 في المائة من حجم الناتج المحلي، وتمثل الخدمات النصف الآخر، وهي موزعة بين خدمات إنتاجية (نقل ومواصلات، قناة السويس، تجارة، مال، تأمين، خدمات سياحية) وتمثل حوالي 32 في المائة، وخدمات اجتماعية (خدمات تمتع عام، تأمينات اجتماعية، الحكومة، خدمات شخصية، نشاط عقاري) حوالي 17 في المائة، أي أن الخدمات الإنتاجية تمثل ضعف الخدمات الاجتماعية، وهي تمثل حوالي ثلث الناتج المحلي تقريباً. وهذا النمط للتوزيع يتفق مع معظم الاتجاهات الحديثة لتوزيع الناتج القومي، ولكنه يختلف كثيراً عن المسار الذي عرفته الدول الصناعية. فالدول الصناعية بدأت – شأنها في ذلك شأن جميع الدول – بغلبة القطاع الزراعي. وجاءت الصناعة التحويلية واجتذبت العمالة وتوسّع الإنتاج لصالحها على حساب الزراعة. فكان هناك نمو متزايد للصناعة التحويلية على حساب الزراعة، ولم تنمو الخدمات بدرجة كبيرة إلا في مرحلة متأخرة نسبياٌ وبعد أن بلغت الصناعة درجة عالية من التقدم، وحينئذ بدأت الخدمات تتوسع على حساب الصناعة التحويلية. أما في حالتنا – كما في حال العديد من الدول النامية – فقد جاء نمو قطاع الخدمات قبل أن تتوطد أركان الصناعة. وهكذا كان نمو الخدمات في كثير من الحالات نتيجة لعجز الزراعة عن النمو وخاصة نتيجة لضعف قدرة الصناعة عن استيعاب الزيادة السكانية، ومن ثم فإن الكثير من الخدمات في هذه الدول – ومنها مصر – لا يعدو أن يكون العمل في خدمات هامشية أو هي نوع من البطالة المقنعة.

وإذا عدنا إلى القطاع السلعي، فنجد أن الزراعة والصناعة التحويلية (مع استبعاد البترول والكهرباء والتشييد) يحتلان معاً حوالي 70 في المائة من حجم الإنتاج السلعي، أو ما يمثل حوالي 38 في المائة من حجم الناتج المحلي. ويزيد الإنتاج الصناعي بنسبة طفيفة على الإنتاج الزراعي. ومعنى ذلك أنه بشكل عام يتراوح حجم كل من الزراعة والصناعة التحويلية بحوالي خمس الناتج المحلي لكل منهما، وهذا التوزيع يشير إلى أن نصيب الزراعة من الناتج المحلي أكبر مما ينبغي وأن نصيب الصناعة التحويلية أقل مما ينبغي. فالزراعة وهي تمثل حوالي خمس الناتج المحلي (أقل قليلاً) تستخدم حوالي 40 في المائة من قوة العمل مما يعني أن الإنتاجية في هذا القطاع هي نصف الإنتاجية في الاقتصاد القومي، وهي تساهم بحوالي 5 في المائة فقط من الصادرات، وإن كانت نسبة من الصادرات الصناعية ذات أساس زراعي مثل الغزل والنسيج. ورغم أن الزراعة تنمو سنوياً بحوالي 3 – 4 في المائة فإن هناك ضرورة للاهتمام بدرجة أكبر بهذا القطاع، أولاً لأن القطاع مازال يمثل قطاعاً هاماً ومؤثراً في الاقتصاد القومي، وثانياً لأنه أكبر مما ينبغي وبالتالي إنتاجية العامل فيه منخفضة. على أنه ينبغي أن نتذكر أن علاج أوضاع الزراعة لا تتحقق فقط في هذا القطاع وإنما بوجه خاص في زيادة نمو القطاعات الأخرى – وخاصة الصناعة التحويلية – حتى يمكن انتقال العمالة من الزراعة إلى الصناعة. وبشكل عام يمكن القول بأن إنتاجية الفدان في مصر مرتفعة وإن كانت إنتاجية العامل ما تزال منخفضة. ومن هنا فإن هذا القطاع يعاني بدرجة أكبر من مشاكل النمو السكاني وضعف نمو القطاعات الأخرى، وخاصة الصناعة التحولية. أما الصناعة التحويلية فهي تمثل أيضاً حوالي خمس الناتج المحلي، وإذا أضيف إليها قطاع البترول والغاز والكهرباء والتشييد فإن هذه النسبة ترتفع إلى حوالي ثلث الناتج المحلي. ويساهم قطاع الصناعة – بالمعنى الواسع – بحوالي 95 في المائة من الصادرات السلعية ثلثها – عادة – من البترول، وهو أمر يتذبذب مع أسعار البترول العالمية. ومن هنا تأتي أهمية القطاع الصناعي. فهو ليس فقط القطاع المؤهل لاستيعاب العمالة الزائدة من القطاع الزراعي – وأيضاً من الخدمات – وإنما يتوقف على تطوره إمكانيات نمو الصادرات في المستقبل.

وإذا انتقلنا إلى دور الحكومة في الاقتصاد القومي فإن هذا الدور يتحدد من خلال أمرين، الأول هو دور الحكومة التنظيمي من وضع التشريعات واختيار السياسات وأسلوب تنفيذها، والثاني هو دورها المالي من خلال ما تقوم به من نشاط اقتصادي ومالي عن طريق الميزانية من إيرادات  ونفقات. ونركز هنا على هذا الجانب الثاني، وإذا نظرنا إلى الدور المالي للحكومة فنجد أنها تحصل إيرادات بلغت في السنوات الأخيرة حوالي 24 – 25 في المائة من حجم الناتج المحلي، في حين أنها تقوم بالاتفاق في حدود 28 في المائة من هذا الناتج المحلي، مما يعني أن الميزانية تعاني من عجز في 3 – 4 في المائة من حجم الناتج المحلي. ولعله من الإنصاف الإشارة إلى أن وضع هذا العجز قد تحسن كثيراً عما كان عليه الوضع حتى نهاية الثمانينات حيث بلغ أحياناً ما يقرب من 20 في المائة من حجم الناتج المحلي، وقد كان من أعلى النسب المعروفة في العالم. وإذا كان حجم الميزانية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يتفق مع السائد في العديد من الدول، فإن جانب إيرادات الحكومة يعاني من ضعف من حيث انخفاض نسبة الضرائب في مجموع حصيلة الإيرادات العامة. فهناك نسبة مرتفعة من الإيرادات الحكومية تأتي من مصادر شبه ريعية (قناة السويس والبترول)، وقد تضاءلت نسبة هذه الإيرادات إلى ما يقرب من النصف خلال السنوات العشر الأخيرة (من حوالي 9 في المائة – إلى 4.5 في المائة) مما زاد الحاجة إلى زيادة الإيرادات من الضرائب، وفي نفس الوقت انخفضت نسبة الإيرادات العامة إلى الناتج المحلي من حوالي 30 في المائة في بداية التسعينات إلى 24 في المائة في نهايتها. وهكذا تعاني الإيرادات العامة من تدني نسبة الضرائب فيها ومن اتجاهها للتناقص كنسبة من الناتج المحلي. وتبلغ نسبة الضرائب المحصلة بكل أشكالها أقل من 15 في المائة من الناتج المحلي، وهي نسبة متدنية. ولا تمثل الضرائب على الأرباح أكثر من 4.5 في المائة من الناتج المحلي، وضرائب الدخول الشخصية أقل من 1 في المائة وهي نسب بالغة الضآلة، ومن هنا الحاجة إلى إصلاح ضريبي يوسع من القاعدة الضريبية ويحقق مزيداً من العدالة في المعاملة كما يقلل من حالات التهرب من الضرائب أو تجنبها. وفي هذا الصدد، فإن سياسة التوسع في الإعفاء الضريبي التي اتخذتها الحكومة كحافز للاستثمار تحتاج إلى إعادة نظر حيث ثبت  – بالتجربة – أن الإعفاءات الضريبية محدودة الأثر في حفز الاستثمار، فضلاً عن أن هذه الإعفاءات الضريبية أدت في العمل إلى زيادة العبء الضريبي على غير المنتفعين بهذه الإعفاءات. أما فيما يتعلق بالنفقات العامة فهي تتراوح بين 28 – 30 في المائة من الناتج المحلي وهي نسبة معقولة وتساير السائد في العديد من الدول. وتوزع هذه النفقات بشكل عام بين الأجور والمرتبات وتمثل أقل من ربع الميزانية (23 في المائة) أو حوالي 7.5 في المائة من الناتج المحلي، ودفع فوائد الديون وتمثل خمس الميزانية أو حوالي 5.5 في المائة من الناتج المحلي، والخدمات الاجتماعية التي يقترب حجمها من حجم الأجور والمرتبات، والاستثمار ويمثل حوالي 30 في المائة من الميزانية أو حوالي 8.5 في المائة من الناتج المحلي. ولعل أخطر ما تتضمنه هذه النفقات هو ارتفاع نسبة مدفوعات خدمة الدين حتى كاد يقارب الأجور والمرتبات، وهو فضلاً عن ذلك رقم مرشح للزيادة مع استمرار عجز الميزانية. ولذلك فإن العمل على زيادة إيرادات الميزانية أمر يستحق  كل عناية واهتمام لما له من آثار خطيرة على المستقبل.

وإذا كنا قد تعرضنا فيما تقدم إلى حجم الإنتاج وتوزيعه بين القطاعات الإنتاجية، فإنه من حيث الاستخدام يوزع بين الاستهلاك ويستغرق حوالي 85 في المائة من الناتج المحلي والاستثمار ويمثل حوالي 22 في المائة (تتغير هذه النسبة من سنة إلى أخرى). ونظراً لأن الادخار المحلي كان دائماً أقل من 20 في المائة (كثيراً ما يتراوح بين 15 – 18 في المائة) فقد كانت تسوية العجز بين الاستثمار والادخار المحليين تتم عن طريق عجز ميزان المدفوعات وزيادة المديونية الخارجية.

وأخيراً تأتي علاقة الاقتصاد القومي بالعالم الخارجي، وهو ما يمثل نقطة الضعف الرئيسية من هذا الاقتصاد حيث يعاني الاقتصاد المصري من عجز استمر لما يقرب من نصف قرن (باستثناء سنوات قليلة). فالصادرات السلعية تتراوح حالياً حول 5 مليار دولار في حين أن الواردات تراوحت خلال السنوات الأخيرة حوالي 15 – 17 مليار دولار. وتحقق الصادرات الخدمية (قناة السويس والسياحة) عائداً يبلغ حوالي 5 مليار دولار وتحويلات العاملين ما يتراوح بين 3 – 5 مليار دولار. وهكذا تواجه مصر عجزاً مستمراً في ميزانها الخارجي يتراوح بين 2 – 4 مليار دولار الأمر الذي يتطلب جذب رؤوس أموال في شكل استثمارات خارجية أو زيادة في القروض في هذه الحدود سنوياً. وتقدر مديونية مصر الخارجية بحوالي 28 مليار دولار تقريباً وهي – بشكل عام – متوسطة وطويلة الأجل وبشروط معقولة، واحتياطي البنك المركزي في حدود 13 – 14 مليار دولار، وخدمة الدين بحوالي 1.5 مليار دولار سنوياً.

ومن هذا الاستعراض العام – في إطار من الأرقام التقريبية – تتضح أن أهم نقاط الضعف في الاقتصاد المصري والتي تكمن في عجز قطاع التصدير السلعي، وفي ضعف الحصيلة الضريبية، وانخفاض معدل الادخار المحلي. وبطبيعة الأحوال فإن هذه الخريطة لا تتعرض لواحد من أخطر مشاكل الاقتصاد المصري وهي مشكلة السكان والبطالة. على أنه سوف يكون من السذاجة الاعتقاد أن مثل هذه الخريطة لمعالم الاقتصاد تكفي لتقديم علاج لأمراض الاقتصاد المصري، فهذه الخريطة تقتصر على بيان أهم معالم الكميات الاقتصادية الكبرى دون الدخول في تفاصيل كل منها، ولكنها تعجز بوجه خاص عن شرح ما وراء هذه المعالم. فالحديث عن الاقتصاد هو في نهاية الأمر حديث عن قرارات اقتصادية يتخذها أفراد ومشروعات ومسؤولون، وهم يتخذون هذه القرارات في إطار من المعلومات المتاحة وفي ظل مجموعة من القواعد التي تحفز أو تثبط اتخاذ القرارات أو الإقدام على المبادرات، وهو أمر يتعلق بالنظام القانوني السائد ومدى حماية الحقوق واستقرارها وحمايتها، ومدى توافر المعلومات وصحتها وتداولها، وشكل الحوافز القائمة والقيود المفروضة، ونوع القيم السائدة وأشكال السلوك الفردي والجماعي ومدى توافر البنية الأساسية، وطبيعة المؤسسات المالية، ومدى كفاءة نظم التعليم. وبعبارة أخرى لا تتحدث الخريطة عما وراء هذه المعالم للاقتصاد من مؤسسات وسياسات. فحالة الاقتصاد لا تعدو أن تكون محصلة لهذه المؤسسات والسياسات، وعلاجها يبدأ بالنظر في هذه المؤسسات والسياسات وإعادة التفكير فيها حتى يمكن تطويرها. الخريطة وحدها – على أهميتها –  لا تكفي، ولا بد من النظر عما ورائها، والله أعلم.

 الاهرام: 30.6.2002

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *