خطوة طيبة على طريق الشفافية المالية

أعلن وزير التخطيط منذ فترة قصيرة خبر نشر البيانات المالية المصرية على موقع صندوق النقد الدولي، وفي نفس الوقت تقريباً (في 31 يناير 2005)، صدر بيان صحفي عن صندوق النقد الدولي بأن مصر قد أصبحت الدولة التاسعة والخمسين التي تنشر بياناتها المالية على موقع الصندوق الإلكتروني. وهو خبر هام ومفرح، إذ يضع مصر على قائمة الدول ذات الشفافية في بياناتها المالية.

والواقع أن هذه الخطوة تمثّل إنجازاً هاماً يستحق التنويه به، إذ أنه سوف يساعد على مزيد من المعرفة الصحيحة لأوضاع الاقتصاد المصري، كما يسهل المقارنة بين أوضاعنا في الداخل والأوضاع المقابلة في الدول الأخرى. وهي أمور ضرورية لتحسين مناخ الاستثمار. فالمستثمر – وطنياً كان أو أجنبياً – في حاجة إلى المعرفة بالأوضاع الاقتصادية والمالية في البلد واتجاهات تطورها، وهذا لا يتحقق إلا مع شفافية كاملة في البيانات المالية. وقد بذلت المؤسسات المالية الدولية – وخاصة صندوق النقد الدولي – جهوداً كبيرة لتحقيق الشفافية المالية والتجانس في عرض الدول لبياناتها المالية. وتتحقق الشفافية إذا توافر للبيانات المالية عدد من الخصائص، أولها أن تكون صادقة ودقيقة قدر الإمكان، ولكنها يجب أن تكون أيضاً قابلة للمقارنة مع ما يصدر من مؤسسات ودول أخرى. ومن هنا أهمية الاتفاق على مصطلحات موحدة قدر الإمكان والاستناد إلى أساليب إحصائية ومحاسبية معترف بها. كذلك لا تتحقق الفائدة من هذه البيانات إلا بالقدر الذي يكون نشرها منتظماً. فأهمية البيانات إنما تظهر عند تحقق سلامتها وانتظام صدورها وبما يسمح باستخلاص الاتجاهات الاقتصادية.

ولكن الشفافية المالية – بالإضافة إلى ما تقدم – هي أيضاً خطوة أساسية على طريق الإصلاح السياسي. فالعلاقة بين المالية العامة والديمقراطية السياسية لها جذور قديمة وراسخة.

وقد أصبح من قبيل الكلام المعاد التذكير بأن التاريخ الحديث للديمقراطية السياسية في أوروبا – أي بعد ديمقراطيات المدن الإغريقية القديمة – قد ارتبط أشد الارتباط بالقضايا المالية وخاصة فيما يتعلق بفرض الضرائب، ومن هنا الشعار المشهور بأنه “لا ضرائب دون تمثيل شعبي No taxation without representation، الأمر الذي استقر في الوجدان منذ الماجنا كارتا Magna Charta في إنجلترا في 1215. وبالمثل فإن حركة الاستقلال في أمريكا وثورتها إنما قامت لأسباب مالية عندما بدأ التمرد من بعض التجار الأمريكيين على فرض ضريبة على الشاي من جانب إنجلترا، بل أن الثورة الفرنسية ذاتها لم تكن بعيدة عن الأسباب المالية أيضاً. فعندما اختلت مالية لويس السادس عشر وزادت مديونياته، أراد أن يفرض ضرائب جديدة، فدعا البرلمان – وكان مكوناً من ثلاث فئات Etats Genereaux: رجال الدين، والنبلاء والطبقة الثالثة من ممثلي الشعب. وكان هذا المجلس لم يدع لأي اجتماع منذ ما يزيد على قرن (كان آخر اجتماع له في عام 1614)، ولكن الضائقة المالية دفعت لويس السادس عشر إلى الالتجاء إلى هذا الطريق، فأعلن في عام 1788 أن البرلمان سيجتمع في العام التالي. وفي أوائل مايو 1789 عقد هذا الاجتماع، وأعلن ممثلو الطبقة الثالثة في 16 يونيو 1789 أنهم أصبحوا “المجلس الوطني” Assemblée Nationale وأنهم بذلك يمثلون الشعب الفرنسي بأسره. وبعدها بأقل من شهر سقط الباستيل في 14 يوليو، وكانت الثورة الفرنسية على ما هو معروف. وهكذا يبدو أن تاريخ المطالبة بالديمقراطية السياسية وثيق الصلة بأمور المالية العامة وخاصة حين يتعلق الأمر بفرض ضرائب جديدة أو عند اختلال الأوضاع المالية بشكل عام.

وهذه العلاقة الحميمة بين السياسة والمالية هي أمر طبيعي وليست شيئاً مستغرباً. فعندما نتحدث عن السياسة فإننا نشير إلى “السلطة”. ولكن السلطة لا وجود ولا معنى لها ما لم يكن لها أسنان، بحيث تستطيع – عند اللزوم – أن تفرض إرادتها ولو بالقوة. وفي نفس الوقت فإن السلطة لا تستمر بالقوة فقط وإنما لابد وأن تتوافر لها الشرعية بتقديم الخدمات للمواطنين. وهي تحتاج في الحالتين – استخدام القوة أو توفير الخدمات – إلى الموارد المالية. فمظاهر القوة من شرطة أو جيوش أو قضاء لا تتحقق إلا بدفع المرتبات وتوفير الأجهزة والعتاد لهم. وتقديم الخدمات العامة – من أمن وعدالة، وإقامة البنية الأساسية من طرق ومواصلات وتقديم خدمات أساسية في التعليم أو الصحة أو الرعاية الاجتماعية – كل هذا يتطلب مؤسسات وعمالة، وكلها يحتاج إلى تمويل. ومن هنا فإن مباشرة السلطة رهن بوجود الأموال. ولا يمكن الحصول على هذه الأموال إلا باقتطاع جزء من دخول الأفراد. فالشعوب هي التي تقوم بالإنتاج، من زراعة أو صناعة أو تجارة أو غير ذلك من مظاهر. فالسلطان في حاجة مستمرة إلى اقتطاع جزء من دخول هؤلاء لتمويل سلطانه. ومن هنا قامت صفقة الديمقراطية، أو ما اصطلح على التعبير عنه “بالعقد الاجتماعي” بين الحاكم والمحكومين: السلطان يوفر الأمن والأمان والعدالة والاستقرار ويهيئ الظروف المناسبة لتقدم المجتمع، والشعب يدفع بالمقابل الضرائب والأعباء المالية الأخرى لتمويل خدمات السلطات. وجاءت المطالبة بالديمقراطية كنتيجة لهذه الصفقة بين الحاكم والمحكومين بدءاً بالتفاوض على القضايا المالية. فما دام الشعب هو الذي يتحمل أعباء تمويل السلطة، فلا أقل من أن يكون له رأي فيما يفرض عليه من أعباء مالية (ضرائب وغيرها) وفي كيفية إنفاق هذه الأموال. ولذلك فالرقابة على الموازنة هي في الواقع جوهر النظام الديمقراطي. فالسلطان في حاجته المستمرة إلى الأموال لا ينبغي أن يتاح له فرض الضرائب أو الأعباء إلا بموافقة ممثلي الشعب، وهؤلاء بدورهم لن يقدموا هذه الموافقة إلا إذا تحققت رقابتهم الكاملة على أعمال السلطان. وبذلك يصبح دور السلطات التشريعية في رقابة الموازنة هي أهم أعمال الرقابة الشعبية.

ومع ذلك فينبغي أن نتذكر أن الحكومات قد عرفت في القرن العشرين وسيلة جهنمية للحصول على الموارد المالية دون حاجة إلى فرض الضرائب أو إلى الاقتراض، وذلك عن طريق التضخم وطبع النقود. فلويس الرابع عشر أو هنري الثامن مثلاً – ورغم سلطانهم الطاغي – لم يكونا قادرين على توفير أموال إضافية لحروبهم أو نفقاتهم دون فرض ضرائب جديدة أو الاقتراض. أما في العصر الحديث، فإن أي حاكم مطلق يستطيع – عملاً – أن يقتطع الأموال من أفراد شعبه دون حاجة إلى ضرائب أو قروض، وذلك عن طريق التضخم وطبع النقود من خلال عجز الموازنة. وهو أمر لم يتوان عن القيام به عدد من الحكام في كثير من الدول النامية. وسوف يكون من المبالغة الاعتقاد أن الحاكم يستطيع – حتى مع إمكانيات التضخم واستمرار عجز الموازنة – استخدام هذه الوسيلة إلى ما لا نهاية، ذلك أن الشعوب تثور عادة عند ارتفاع الأسعار بشكل كبير. ولكل ما تقدم فإننا نعتقد أن المساءلة المالية هي الطريق الأساسي للديمقراطية السياسية، وما لم تخضع الحكومات للمراقبة والمساءلة في تحصيلها للأموال وفي إنفاقها، فإن كل حديث عن الديمقراطية سيظل من قبيل الحديث الأجوف الذي لا يسمن ولا يشبع من جوع.

وإذا كانت المساءلة المالية هي جوهر الرقابة السياسية فإن الشفافية هي الخطوة الأولى على هذا المسار. فقبل أن تظهر الحاجة إلى الرقابة والمساءلة لابد أولاً من المعرفة. والشفافية هي ما يوفر للجمهور والمهتمين الفرصة لمعرفة الأوضاع الاقتصادية وبالتالي طرح التساؤلات مما يمهد الطريق لزيادة الوعي السياسي. فإذا كانت الشفافية المالية هي ضرورة اقتصادية لإصلاح مناخ الاستثمار وبما يؤدي إلى حسن إدارة الموارد وزيادة الكفاءة وإمكان اتخاذ قرارات الاستثمار على معرفة وبينة، فإنها تمثّـل أيضاً خطوة هامة في سبيل الرقابة السياسية على أعمال الحكومة. وهذه الرقابة وإن كانت تحقق مصالح الشعوب في حماية أموالهم بمنع الفساد وتبديد الأموال والإسراف غير المقصود فإنها كثيراً ما تكون في صالح الحكومات نفسها. ولكل ذلك فإننا نجد أن ما اتخذته الحكومة المصرية بنشر بياناتها المالية وفقاً للمعايير الدولية خطوة هامة وجيدة في طريق الإصلاح.

وقد كانت المالية المصرية معقدة ومربكة بقدر ما هي مرتبكة، فالبيانات لا تنشر بشكل كامل، والتقديرات متعارضة وأحياناً متناقضة، وهي تصدر عن جهات متعددة يصعب معها تكوين فكرة واضحة عن حقيقة الأوضاع. وهو أمر لم يقتصر على مصر وحدها بل هي ظاهرة شاركها فيها العديد من الدول النامية وحتى بعض الدول المتقدمة، فقد كانت معظم الدول تتبع أساليب متنوعة في عرض بياناتها المالية وتستخدم تعريفات خاصة بها وغير متجانسة مع التعريفات التي تأخذ بها دول أخرى. وقد كان من الصعب في مثل هذه الظروف إجراء المقارنات الدولية أو القراءة السليمة للبيانات المالية لكل دولة.

ومن هنا فقد بدأ المجتمع الدولي وخاصة المؤسسات المالية الدولية – مثل صندوق النقد الدولي – في وضع معايير وأسس موحدة لنشر البيانات المالية لمختلف الدول على أسس منطقية ومتجانسة قدر الإمكان. وكان قد صدر عن الأمم المتحدة منذ 1953 نظام للحسابات القومية تم تعديله عدة مرات – آخرها في 1993 – وقد أصبح هذا النظام هو الأساس في عرض البيانات الاقتصادية والمالية لمختلف الدول. وجاء صندوق النقد الدولي وعمل – في ذلك الإطار – على تطوير الحسابات المالية الحكومية، ومن أهم ما أصدره في هذا المجال ما يعرف “بالنظام العام لنشر البيانات” General Data Dissemination System وآخر أكثر تطوراً ويعرف “بنظام المعايير الخاصة بنشر البيانات المالية” Special Data Dissemination Standards.  وأصبح الالتزام بتطبيق هذه النظم في نشر البيانات المالية أحد معايير السلامة المالية للدولة. وقد نجحت مصر – أخيراً – في تطبيق هذا النظام، كما سمحت بنشره على الموقع الإلكتروني لصندوق النقد الدولي كما سبق الإشارة. وهي خطوة موفقة تستحق التقدير والترحيب.

ولكن – وهذا هام – هي مجرد خطوة على طريق الشفافية. والشفافية هي بدورها خطوة على طريق الرقابة والمساءلة. وهذه الأخيرة لا يمكن أن تتحقق دون أن يتوفر للبرلمان السلطة الكاملة للرقابة على موازنة الدولة. ومع ذلك فقد جاءت نصوص الدستور في رقابة مجلس الشعب على الموازنة مقيدة وناقصة، فتنص المادة (115) من الدستور على أنه “لا يجوز لمجلس الشعب أن يعدل مشروع الموازنة إلا بموافقة الحكومة”. فلمجلس الشعب حق الموافقة أو الرفض لمشروع الموازنة من الحكومة، دون أن يكون له حق تعديل هذه الموازنة بالحذف أو الإضافة. وهو حق كان مكفولاً في دستور 1923 ثم بدأ التراجع عنه في الدساتير الصادرة منذ قيام الثورة. ولا يخفى أن إلغاء حق البرلمان في تعديل الموازنة وقصر دوره على الموافقة أو الرفض دون التعديل – إلا إذا وافقت الحكومة – هو تفويت للدور الحقيقي للرقابة على المالية العامة. فمن الناحية العملية لا يتصور أن يوقف البرلمان نشاط الدولة برفض الموازنة بأكملها، وعادة ما تكون اعتراضاته على بند أو بندين. ولذلك فإن الرقابة الحقيقية على مالية الدولة تتطلب أن يستعيد البرلمان حقه الكامل – كما كان في ظل دستور – في الرقابة على الموازنة موافقة أو رفضاً أو تعديلاً.

إن بدء نشر بيانات المالية الحكومية واتباع المعايير الدولية في عرض هذه البيانات خطوة هامة وضرورية على طريق الإصلاح، نأمل أن تتبعها خطوات أخرى وخاصة فيما يتعلق باسترداد البرلمان لحقـّه في تعديل الموازنة.   والله أعلم.

 الاهرام: 13.2.2005

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *