خمسون مليون نسمة جديدة ..في خمسين عاماً

لم يكن علم الإقتصاد أبداً علماً مشوقاً.  فهو علم جاف يتحدث عن الأرقام وحديثه غالباً عن الأزمات الإقتصادية أو التلويح بزيادة الضرائب أو الإعلان عن البطالة إن لم يكن الركود وفي الحالة العكسية هو حديث عن التضخم وتدهور قيمة العملة. وهكذا، وقل أن تكتب الصحف العالمية أخباراً سعيدة عن الإقتصاد، أما صحافتنا المحلية – في غالبيتها – فأمرها مختلف، فهي لا تكف عن الحديث عن الإنجازات، وإن كانت الحياة اليومية للمواطن تقول – غالباً – بعكس ذلك، مما يؤدي إلى نفس النتيجة.  وأيا ما كان الأمر فإن حديث الإقتصاد – عادة – حديث لا يسعد القلب، فهو غالباً نذير شؤم وغم Doom and Gloom حتى أن هذا العلم عرف خلال القرن التاسع عشر بإسم العلم الكئيب Dismal Science.

وموضوع علم الإقتصاد هو المشكلة الإقتصادية.  فهو علم يبدأ من مشكلة أو معضلة.  وهذه المشكلة تدور حول فكرة الندرة، والمقصود بذلك التعبير عن بخل الطبيعة وتقتيرها على الإنسان.  فالإنسان يبدأ بحاجات وآمال وتطلعات غير محدودة، لكي يواجه بندرة أو نقص في الموارد التي يمكن أن تشبع هذه الحاجات.  ومن هنا نشأت المشكلة الإقتصادية، مشكلة تعدد الحاجات وندرة الموارد، وبالتالي ضرورة التضحية ببعض الحاجات وتركها دون إشباع.  فالإقتصاد بالتالي هو علم إختيار التضحيات، ماهي الحاجات الواجب التضحية بها من أجل إشباع الحاجات الأكثر أهمية وضرورة.  وبذلك تظهر التضحية أو التكلفة كأساس للتفكير الإقتصادي، فاللغة الإقتصادية تقوم على مبدأ أساسي هو أنه ليست هناك وجبات مجانية No Free Lunch، وأن لكل شئ تكلفة أو ثمن، ما لم تكن على إستعداد لتحمل هذه التكلفة أو الثمن فلا أمل لك في الحصول على شئ.  التقدم ليس منحه من الطبيعة وإنما هو إنتزاع منها بالعرق وأحياناً بالدم،  فللتقدم ثمن وتكلفة، هو العمل الجاد والتنظيم المحكم والإبتكار المبدع، أما الكسل والفوضى والإتكالية فلا عائد من ورائها سوى الحرمان.

وتروي لنا القصص الدينية أن الإنسان قد نزل من الجنة عندما عصى أوامر ربه في عدم المساس بالشجرة المحرمة، فكان جزاؤه الطرد من الجنة والنزول إلى الأرض والوقوع في براثن الإقتصاد.  “قال الرب لآدم، لأنك إستمعت لقول إمرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلاً لا تأكل منها، ملعونة الأرض بسببك.  بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكاً وعسكاً تنبت لك.  وتأكل عشب الحقل.  بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها”.  (سفر التكوين – الإصحاح الثالث).  فمضمون القصة الدينية أن الإنسان قد كتب عليه أن يعيش في الحياة الدنيا وفقاً لقوانين الإقتصاد، التي لا تعطي شيئاً بلا ثمن.  لا بد من الجهد والبذل قبل الحصول على الثمرة.  فالخروج من الجنة هو الوقوع في براثن الحاجة والنقص، أما الحياة في الجنة فلا تعرف حدوداً ولا جوعاً أو حرماناً.  “فقلنا ياآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى.  إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى.  وأنك لاتظمؤا فيها ولا تضحى” (سورة طه – 116 – 118).

وإذا كان العلم الإقتصادي يبدأ بمشكلة، وموضوعه الأساسي التضحية والتكلفة، فإن الإقتصاديين لم يتوانوا عن تقديم صورة مؤلمة للواقع الإقتصادي ومستقبله.  فقد ولد علم الإقتصاد مع آدم سميث الذي لا يخلو من نظرة متفائله حينما كتب عن ثروة الأمم، ولكن أتباعه من الإقتصاديين سرعان ما إنجرفوا إلى النظرة التشاؤمية لمستقبل الإقتصاد.  فها هو ريكاردو ومالتس – وهما يمثلان – أهم الإقتصاديين التقليديين بعد آدم سميث، يقدمان صورة مظلمة للواقع الإقتصادي.  فريكاردو – وقد أبرز أهمية ظاهرة الريع مع الإنتقال إلى إستغلال الأراضي الأقل خصوبة – يؤكد أن أسعار المواد الغذائية لا تتحدد وفقاً لتكلفة الأرض الأكثر خصوبة وإنما بتلك الأقل إنتاجية وبالتالي الأكثر كلفة.  وأما مالتس فهو يرى أن الزيادة السكانية تجاوز الزيادة في الإنتاج الزراعي، وبالتالي فإن التوازن بين السكان والموارد يتحقق – في الغالب – عن طريق الموانع الخارجية من حروب وأوبئة ومجاعات والتي تحصد السكان حصداً لكي تعيد التوازن المفقود.  فهذا المصائب هي جزء طبيعي من ناموس الحياة، وهي مطلوبة لإعادة التوازن بين السكان والموارد.  وكان مالتس قد إختلف في هذا الشأن مع أبيه الذي يتفق مع آراء الفيلسوف الإنجليزي جودوين الذي يرى في العالم مهداً للخير.  أما مالتس فقد رأى أن الحياة أكثر تعقيداً وأن ما نطلق عليه إسم الشر كثيراً ما يكون جزءاً من النظام الطبيعي.  ولم يكن غريباً أن يرى هؤلاء الإقتصاديين أن الأجور تخضع لقيد حديدي، فهي تستقر عند معدل الكفاف، لأن أية زيادة في الاجور سوف تؤدي إلى زيادة السكان وبالتالي إعادة الأجور من جديد إلى مستوى الكفاف.  ومع هذه الأفكار عن طبيعة النظام الإقتصادي لم يكن غريباً أن يرى معاصرو القرن التاسع عشر أن علم الإقتصاد هو “العلم الكئيب”.

وكأنما لم يكتف هؤلاء الإقتصاديين بهذه الأخبار المزعجة عن القوانين الإقتصادية، بل أنهم كانوا يرون أن مستقبل الإقتصاد محكوماً بالوصول دائماً إلى مرحلة من الركود طويل الأجل Stationary State.  وعندما جاء كارل ماركس ليبني على بعض ما قدمه الإقتصاديون التقليديون وينتقد البعض الآخر، فلم يكن هو الآخر بأقل تشاؤماً.  فهو يرى أن الإستغلال أمر طبيعي في ظل النظام الإقتصادي السائد وهو لا يرجع إلى طبيعة البشر – بين الخير والشر – بقدر ما يرجع إلى طبيعة النظام الإقتصادي.  وهو يتفق مع التقليديين في أن الاجور تتحدد عند مستوى الكفاف، وأن أرباب الأعمال يسرقون فائض القيمة من العاملين.  وهو يرى كذلك أن الأزمات الإقتصادية جزء طبيعي آخر للنظام الإقتصادي، وأن مآل النظام الرأسمالي هو الإنفجار والثورة وإنهيار النظام، فضلاً عن أنه يرى أن النظام الإقتصادي هو الآخر يتجه إلى الركود طويل المدى.

هذه بشكل عام رسالة علم الإقتصاد كما تبدو من خلال كتابات القرن التاسع عشر، وسواء من التيار الأساسي (التقليديين) أو التيار الثوري (الماركسي).

وإذا كان الإقتصاد في القرن العشرين قد تحرر من ربقة التقليديين، فقد غلب على التفكير الإقتصادي خلال ذلك القرن أفكار الإقتصادي الإنجليزي كينز.  وجاءت دعوة كينز مؤكدة لنا أن البطالة والركود ليس إستثناء من الأوضاع الطبيعية، وإنما هي – على العكس – أمور ممكنة الحدوث في كل وقت لنقص الطلب الفعلي.  ورأى البعض الآخر أن الخطر ليس في نقص الطلب الفعلي وإنما في الإنفاق غير المسؤول للحكومات مما يؤدي إلى التضخم.  وهكذا ينتقل الإقتصاد من إختلال مع البطالة إلى إختلال آخر مع التضخم.

وهكذا غلب على أقوال الإقتصاديين التركيز على جوانب النقص والقصور وإبراز الجانب المظلم من الحياة الإقتصادية.  وبطبيعة الأحوال، فإن الواقع الإقتصادي لم يكن دائماً بهذه الصورة.  فالقرن التاسع عشر ومن بعده القرن العشرون عرفا أكبر إزدهار في الكفاءة وزيادة الإنتاجية، ولم تتحقق بالتالي الصور المؤلمة التي حذر منها العديد من الإقتصاديين، تقليديين أو ماركسيين.  حقاً لقد عرف العالم العديد من مظاهر الإستغلال – للعمال والمستعمرات – كما تعددت الأزمات الإقتصادية – وقامت الثورات.  ولكن مسيرة الإقتصاد كانت في مجموعها نحو مزيد من التقدم والإزدهار العام.

وإذا كان الإقتصاديون قد إستئثروا بالترويج لدعوات التشاؤم في القرن التاسع عشر، فقد عرف القرن العشرون بداية ظهور أنبياء جدد للتشاؤم من عدد آخر من المفكرين اللذين يحذرون من خطر إهدار الموارد والإنفجار السكاني.  فإذا كان مالتس هو أهم من نادى بخطر إنعدام التوازن بين النمو السكاني ونمو الإنتاج الزراعي، فقد ترك أتباعاً في القرن العشرين ينادون بشعارات نفس المدرسة.  ومن أشهر هؤلاء ما نشره نادي روما في 1972 في تقريره عن “حدود النمو”، الذي يرى أن العالم مهدد بمواجهة إختلال كبير في التوازن نتيجة لإستمرار النمو السكاني والإنتاج الصناعي في مواجهة نفاد الموارد وإستنزافها وزيادة معدل تدهور البيئة.  ولم تمضي سنة على نشر تقرير نادي روما حتى قامت ثورة النفط في1973 وإرتفاع أسعار الطاقة، وبداية الحديث عن أزمة الطاقة والتهديد بنفاد مصادر الطاقة، الأمر الذي شغل العالم طوال السبعينات.  وكما جاءت معظم التوقعات المتشائمة مبالغ فيها، فإن أسعار النفط لم تلبث أن تدنت منذ منتصف الثمانينات، وعاود الإزدهار الإقتصادي العالمي البروز في التسعينات.  ولكن أصوات التحذير والتخويف لم تتوقف، ويرتفع صوتهم وخاصة من جانب المهتمين بشؤون البيئة.  فنحن نعيش في عالم محدود، وأننا قاربنا الحدود، وأصبح العالم بالتالي مهدداً في مستقبله.

في كتاب حديث بعنوان ” شئ جديد تحت الشمس”، يوجه المؤلف – ماك نيل McNeil – النظر إلى خطورة إستنفاد الموارد خلال القرن العشرين، وخاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.  ويقدم في هذا الشأن عدداً من الإحصاءات المزعجة وبالتالي التنبؤات المخيفة.  وبذلك يبدو أن وظيفة نذير الشؤم التي إحتلها  الإقتصاد في القرن التاسع عشر قد إنتقلت في القرن العشرين إلى علماء البيئة.  فهم يحملون رسالة واضحة وهي أن البيئة أمانة في عنق البشرية، وأن البشرية في نزقها في الإسراف في إستغلال – وكثيراً سوء إستغلال – البيئة المحيطة لا تهدد فقط مستقبل هذه البيئة بل مستقبل الحياة والبشرية نفسها.

والرسالة الأساسية التي يقدمها ماك نيل في كتابه هذا لا تكاد تختلف كثيراً عما كان يقوله مالتس في القرن السابق، وهي أن أنماط نمو الإنتاج والزيادة المستمرة فيه لا يمكن الإحتفاظ بها إلى ما لا نهاية، وإن القرن العشرين وحده – وخاصة فيما بعد الحرب العالمية الثانية – قد شاهد معدلات نمو غير مسبوقة في إستخدام العديد من الموارد المحدودة بما يجاوز طاقة الكرة الأرضية.

إذا كان الإنسان Homo قد ظهر على الأرض منذ حوالي 4 ملايين سنة وأن الإنسان المفكر SapiensHomoقد ظهر منذ مليون سنة، فإن عدد سكان البشرية ظل محدوداً حتى قيام الثورة الزراعية قبل حوالي عشرة آلاف سنة وعندها لم يكن عدد سكان الأرض يتجاوز عدة ملايين من الأفراد (بين 2-20 مليون نسمة).  وكانت البشرية قد قطعت ملايين السنين حتى تصل إلى مستوى العشرة ملايين.  ولم يصل عدد السكان إلى البليون نسمة إلا في أوائل القرن التاسع عشر (حوالي 1820).  أي أن إنتقال البشرية إلى مستوى العشر ملايين قد إحتاج ملايين السنين، وأن الإنتقال من عشرات الملايين إلى البليون الأول قد تطلب حوالي عشرة آلاف سنة، وها نحن نجاوز الستة بلايين نسمة في نهاية القرن العشرين، أي أن إضافة خمسة بلايين نسمة إلى مستوى السكان في بداية القرن التاسع عشر لم يتطلب أكثرمن مائتي سنة.

وإذا كان الحديث عن عمر الإنسان وتطوره أمر ممكن – بصعوبة – خلال ملايين السنين، فإن الحديث عن النمو الإقتصادي غير ممكن إلا خلال مئات السنين – وبصعوبة أيضاً.  ويقدر ماك نيل حجم الناتج الإجمالي للعالم قبل خمسمائة عام بحوالي 240 بليون دولار (بأسعار 1990) أي ما يعادل دخل بولندا أو باكستان حالياً، في حين أنه بلغ هذا الحجم حوالي 700 بليون دولار في بداية القرن التاسع عشر (1820) وهو ما يعادل دخل كندا أو إسبانيا حالياً، وفي بداية القرن العشرين بلغ حوالي 2 تريليون دولار أو ما يعادل دخل اليابان، وهو الآن يجاوز 30 تريليون دولار.  وبذلك يكون الدخل العالمي قد تضاعف أكثرمن 120 ضعفاً خلال الخمسة قرون الماضية.  وقد إرتبط ذلك بزيادة إستخدام الموارد – وكثيراً إهدارها.  فيقدر هذا الكاتب أن ما إستخدمه الإنسان من موارد الطاقة خلال القرن العشرين وحده بما يزيد على عشرة أضعاف ما إستخدم خلال الألف سنة السابقة، وإن ما إستهلكته البشرية منذ الثورة الزراعية قبل عشرة آلاف سنة لا يتجاوز ثلثي ما إستهلكته خلال القرن العشرين وحده.  ويستمر الكاتب في تعداد ما أصاب الكرة الارضية من إهدار وتلوث في مختلف الجوانب، اليابسة، وفي المياه، وفي البحر.  ويخلص بنتيجة واحدة وهي أن هذا النمط من النمو السكاني والإنتاجي لا يمكن أن يستمر، وأن القرن العشرين وحده قد أثر على ظروف البيئة بما قد يعادل ما فعله الإنسان على هذه الأرض منذ بدء الخليقة.  وهكذا تستمر دعوات التشاؤم والغم ليس فقط في بؤس الحاضر وإنما أيضاً في إظلام المستقبل.  وهي نبوءات كان يتبناها الإقتصاديون في القرن الماضي، فإذا بعلماء البيئة ينضمون إليهم في هذا القرن.

وتظل هذه الأرقام بعيدة عنا، فهي مجرد أرقام مجردة، ولكن يكفي النظر إلى مصرنا خلال نصف القرن الماضي فبعد شهور قليلة يوافق مرور نصف قرن على قيام الثورة المصرية، وبالأمس القريب أعلن الجهاز المركزي للإحصاء أن عدد سكان مصر 2002 قد بلغ 68 مليون نسمة، وبذلك فإن مرور خمسين سنة على قيام الثورة المصرية في يوليو 1952، قد أضاف إلى السكان حوالي خمسين مليوناً جديداً إلى ما كانت تعرفه أرض الكنانة من سكان حين قامت الثورة (حوالي 18 مليون).  وربما من المفيد أن نتذكر أن المساحة المسكونة في مصر لا تزيد على حجم دولة أوروبية صغيرة مثل بلجيكا.  وإذا إستمر نفس المعدل فمن المتوقع أن يصل العدد خلال الخمسين سنة القادمة إلى حوالي 250 مليون.  هذه دعوة للتأمل إن لم يكن للتحذير.

إذا كانت نبوءات إقتصاديي القرن التاسع عشر أو أنصار البيئة للقرن العشرين غلب عليها طابع التشاؤم.  فإن حياة البشر لم تكن دائماً بالغة البؤس، بل كان هناك تقدم وتحسن في ظروفهم المعيشية بفضل التقدم التكنولوجي والنظم الإجتماعية والسياسية المناسبة.  قيود الطبيعة ليست حتمية أو مطلقة، وخيال الإنسان وإبداعه قادر دائماً على تخطي هذه الحدود وتجاوز تلك القيود بسياسات واعية ومؤسسات مناسبة.  والحرية هي شرط الخيال والإبداع.  والله أعلم.

 الاهرام 24.3.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *