خواطر على دفتر أحوال البنوك

أثارت قضايا البنوك في مصر اهتماماً كبيراً في الأوساط المالية والاقتصادية. فمن أحكام “نواب القروض” إلى هروب عدد من كبار رجال الأعمال المتعثرين، إلى الأرقام الكبيرة للقروض الممنوحة لعدد محدود من الأفراد جاوز حجم قروض العميل الواحد المليار جنيه، إلى أخبار التعثر في السداد لعدد غير قليل من العملاء ودعوة رئيس الوزراء إلى الهاربين والمتعثرين لإجراء تسويات مع البنوك. كل هذا بلا شك يثير الاهتمام، بل وغير قليل من القلق. وأود في هذا المقال أن أثير بعض الخواطر والتساؤلات حول هذا الموضوع الهام.

ولعل التساؤل الأول يتعلق بملاحظة عامة، فقد أعلن – بأشكال مختلفة – أن الكشف عن معظم هذه المخالفات قد جاء بناء على تحريات الرقابة الإدارية وأجهزة الأمن بشكل عام. وهو أمر، وإن اقتضى الشكر والتقدير ليقظة هذه الأجهزة، إلا أنه يطرح قضية أكثر خطورة، وهي مسألة “الرقابة على البنوك” ودور البنك المركزي.

لا يخفى أن البنوك هي مؤسسات بالغة الحساسية في ضبط إيقاع الاقتصاد الوطني، فهي تزود قطاعات الاقتصاد بالموارد المالية وتضمن تدفق حركة المدفوعات في الاقتصاد، ولذا كثيراً ما يقال أنها أشبه بجهاز الدورة الدموية الذي يدفع بالدم في شرايين الجسم. ولذلك فقد حرصت جميع الدول – ومنذ وقت طويل – على إخضاع هذه المؤسسات لرقابه دقيقة من أجهزة الرقابة والإشراف (غالباً البنك المركزي). والغرض من هذه الرقابة والإشراف على أنشطة البنوك ليس فقط منع الفساد أو الانحراف، ولكن أيضاً التأكد من كفاءة العمل المصرفي وانضباط الأسواق. ولذلك فإن وجود هذه المشاكل في البنوك المصرية على هذا الحجم يدعو إلى التساؤل. أين أجهزة الرقابة والإشراف على البنوك؟ هل قامت بدورها، وهل توافرت لديها الإمكانات البشرية المؤسسية للقيام بهذا الدور الهام، أم أنها تقوم بمهمة شكلية فقط. أجهزة الأمن – مع ضرورتها – لا تكفي بل لا بد وأن تصاحبها رقابة وإشراف فني. الرقابة الإدارية وأجهزة الأمن تقوم بالكشف عن الجرائم بعد أن تقع ، وتقدم مرتكبيها إلى القضاء. أما دور إدارات “الرقابة والإشراف على البنوك” فهو يجاوز ذلك بكثير. فهو لا يقتصر على منع الجرائم – وقائياً قبل وقوعها – ولكنه يعمل على تحقيق أفضل الشروط لقيام البنوك بدورها، من حيث زيادة الكفاءة والتنافسية، والقدرة على توفير الخدمات بأفضل الشروط، وزيادة القدرة على تحقيق الأرباح ، فضلاً عن ضمان الاستقرار الاقتصادي العام. وهكذا فإن هناك فارقاً كبيراً بين هذا الهدف الاقتصادي لرقابة البنك المركزي على أعمال البنوك، وبين دور أجهزة الأمن في الكشف عن الجرائم والبحث عن مرتكبيها بعد وقوعها. فالجرائم عادة تقتصر على المخالفات الجسيمة وتتطلب عادة قصداً جنائياً بارتكاب هذه الجرائم. أما حسن إدارة القطاع المصرفي فإنه يمتد إلى نطاق أوسع بكثير، هناك بالقطع العمل على منع وقوع الجرائم أصلاً، ولكن هناك أيضاً العمل على زيادة كفاءة الإدارة في هذا القطاع.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو إذا كان صحيحا أن اكتشاف هذه المخالفات والانحرافات في القطاع المصرفي راجع إلى الرقابة الإدارية وأجهزة الأمن بوجه عام، فإن السؤال، ليس فقط، وأين كانت الرقابة على البنوك (البنك المركزي). بل أن السؤال يصبح، إذا كانت الرقابة على البنوك قد عجزت عن اكتشاف معظم هذه الانحرافات، فهل نطمئن على قيامها بدورها في التحقق من توافر الشروط الأخرى في عمل البنوك والتي تضمن تحقيق كفاءة العمل المصرفي؟

ويطرح هذا الخاطر قضية أخرى، وهي هل أعطي البنك المركزي (الرقابة على البنوك) الإمكانيات البشرية والمالية والمؤسسية حتى يستطيع أن يواجه العبء المتزايد عليه للقيام بالدور المنشود في جعل هذه الرقابة والإشراف على البنوك أمراً فعالاً ومتفقاً مع التطورات العالمية في هذا الصدد.  لقد زاد عدد البنوك الخاصة في مصر خلال العشرين سنة الماضية بشكل كبير كما زاد حجم النشاط المصرفي زيادة هائلة. فإلى أي حد زادت إمكانيات إدارة الرقابة على البنوك (في البنك المركزي)؟ فقد زادت البنوك العاملة في مصر منذ منتصف السبعينات من أربعة بنوك تجارية بالإضافة إلى عدد محدود من البنوك المتخصصة إلى أكثر من ستين بنكاً. وفضلاً عن ذلك فإن مهمات الرقابة والإشراف نفسها قد توسعت بشكل كبير. فمنذ 1988 بدأت لجنة بازل، التابعة لبنك التسويات الدولية Bank of International Settlement (BIS)في وضع قواعد ومعايير للبنوك وبالتالي لنشاط الرقابة والإشراف على البنوك مما أدى إلى توسيع دور ونطاق عمل الرقابة على البنوك وتعدد المعايير والقواعد الواجب مراعاتها في إدارة البنوك. وهذه أعباء جديدة لم تكن معروفة في السابق. فماذا حدث في مصر إزاء هذا الانفجار في عمل الرقابة على البنوك، هل زادت إمكانياتها البشرية والمادية والمؤسسية؟ يبدو أن الإجابة الأقرب إلى الواقع هي بالسلب. فلا زالت هذه الإدارة – بشكل عام – في نفس الحجم، فضلاً عن أنها ما زالت تجمع بين “أعمال الرقابة على البنوك” و”السياسة النقدية” رغم ما بينهما من فروق واختلافات في الطبيعة، مما حدا معظم البنوك المركزية على الفصل بين الأمرين، بل أن بعض الدول تفصل الرقابة على البنوك عن البنك المركزي نفسه وتخصص لها أجهزة مستقلة. هذا من ناحية الحجم والكم، ولكن هناك أيضاً حاجة إلى التأهيل الكيفي والفني. فهناك حاجة إلى التدريب المستمر وحضور المؤتمرات والندوات في ميدان يتطور يومياً في العالم. وهناك أخيراً مسألة الحوافز، فينبغي أن يتوفر لهؤلاء العاملين مزايا مادية مناسبة تتفق مع الدور الرئيسي الذي يقومون به لضمان سلامة القطاع المصرفي. ولكل ذلك فقد يكون عجز البنك المركزي – “إدارة الرقابة على البنوك” – في اكتشاف هذه الأخطاء في الوقت المناسب راجعاً إلى ما يعانيه البنك نفسه من قصور في الموارد البشرية الكافية. وبذلك يكون البنك المركزي نفسه ضحية أكثر منه مذنباً في هذا الصدد، وإن كان الأمر يقتضي أن يصر البنك على أهمية التطور وضرورة تدعيمه بالموارد المناسبة.

ويرتبط بدور “الرقابة والإشراف على البنوك”، مسألة تنظيمية، وهي تحديد من يقوم بهذه الرقابة والإشراف؟ التقاليد المستقرة حتى وقت قريب، هي أن البنك المركزي يقوم بهذه الرقابة والإشراف من خلال إدارة خاصة لذلك الغرض.

وفي مصر لا تزال “إدارة الرقابة” تجمع بين وظيفتي الرقابة على البنوك ووضع السياسة النقدية، وهناك اتجاه داخل البنك المركزي المصري حالياً للفصل بين الأمرين وإنشاء إدارة أو وحدة جديدة للسياسة النقدية، وهو أمر محمود ينبغي الإسراع في تنفيذه. ومع ذلك فهناك أمر آخر لا يقل أهمية وهو أن الرقابة والإشراف على البنوك وحدها لا تكفي لضمان سلامة واستقرار النظام المالي، بل لابد وأن يتكامل معها الرقابة والإشراف على شركات التأمين والرقابة والإشراف على أسواق الأوراق المالية. فهذه القطاعات الثلاث متداخلة ومتقاربة، وغالباً ما تقوم علاقات وثيقة بين البنوك وشركات التأمين فضلاً عن أن تعامل هذين القطاعين يكون غالباً من خلال أسواق الأوراق المالية.  فهذه المؤسسات تتعامل في أموال الناس، وتتخذ قرارات لا تخلو من مخاطر ويؤثر بعضها في البعض الآخر، بل وكثيراً ما تكون مرتبطة عضوياً مع بعضها البعض. ولذلك فإن هناك مصلحة أكيدة في تحقيق التكامل والتجانس بين الرقابة على البنوك والرقابة على التأمين والرقابة على الأسواق المالية. وقد بدأ اتجاه حديث في عدد من الدول (كندا واستراليا) إلى إنشاء هيئة مستقلة للرقابة تقوم بالرقابة على البنوك وعلى التأمين وعلى الأسواق المالية. وهي هيئة مستقلة عن البنك المركزي. ولذلك فإن وضع الرقابة على البنوك ضمن اختصاصات البنك المركزي لم يعد أمراً مسلماً كما كان الوضع عليه في الماضي. وقد عمدت إنجلترا – أم البنوك المركزية – إلى فصل الرقابة على البنوك عن البنك المركزي، وهو نفس الوضع بالنسبة للبونزبانك (البنك المركزي الألماني). والغرض من هذا الفصل هو أن يركز البنك المركزي نشاطه في وضع السياسة النقدية والإشراف على تنفيذها. ولذلك نجد أن موضوع الرقابة على البنوك ربما يحتاج إلى مزيد من المناقشة. وإذ كنت لا أحبذ – شخصياً – فصل إدارة الرقابة على البنوك عن البنك المركزي حالياً، فإنني أدعو على العكس إلى الإسراع بفصل “السياسة النقدية” عنها، مع العمل على تحقيق أكبر قدر من التعاون والتنسيق بين إدارات “الرقابة على البنوك” وإدارات “الرقابة على التأمين” وإدارات “الرقابة على الأسواق المالية”. وقد يكون من المفيد في هذا الصدد تكوين لجنة عليا من هذه الإدارات لتبادل الخبرات وتحقيق التكامل والتنسيق في وظائف بطبيعتها متداخلة.

ولعله من المناسب الإشارة هنا إلى أن موضوع الرقابة على البنوك وأساليب وأدوات هذه الرقابة قد أصبح من أكثر الأمور استقراراً ووضوحاً في العالم. فقد اتجه العالم منذ عدة عقود إلى وضع قواعد ومعايير الإدارة المالية السليمة في البنوك وإجراءات وأساليب مراقبتها والإشراف عليها.  وتمثل هذه القواعد والمعايير اتفاقا عالميا على جدواها، وهي محصلة خبرة وتجربة طويلة في هذا الميدان، فضلاً عن أنها أصبحت إلى حد بعيد، مقياساً لجدارة البلد الائتمانية ودليلاً على سلامة نظامه المالي والمصرفي. وبدون مراعاة هذه القواعد والمعايير، فإن الدولة تجد صعوبة كبيرة في الحصول على ائتمان أو قروض من الأسواق المالية العالمية. ولعل نقطة البدء في هذا المجال هي التأكد من توافر الشفافية المالية Transparency، والمقصود بذلك هو النشر المنتظم للبيانات والمعلومات السليمة وفي الأوقات المناسبة بما يساعد مستخدمي هذه البيانات والمعلومات على التقدير الصحيح للأوضاع المالية للبنوك ومدى حسن أدائها. وهناك نوع من الاتفاق الدولي على النماذج والتعاريف والتقسيمات اللازمة في المحاسبة لأداء ذلك على النحو الأكمل، وذلك في شكل معايير مستقرة للمحاسبة، وتقوم هيئات مثل “لجنة المعايير المحاسبية الدولية” بوضع هذه المعايير والتي يُشار إليها (IAS)، والتي أصبحت عرفاً مقبولاً في منظم دول العالم، كما أن “المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية” (IOSCO)تقوم هي الأخرى بوضع عدد من المبادئ اللازمة لسلامة عرض البيانات المالية. وإلى جانب هذه المعايير المحاسبية المستقرة في عرض ونشر البيانات المالية اللازمة لضمان الشفافية المالية ، فقد حرصت المنظمات والهيئات الدولية وخاصة بنك التسويات الدولي (BIS) من خلال ما عرف “بلجنة بازل”، على وضع أهم قواعد الإدارة السليمة للبنوك وبوجه خاص أهم أشكال وإجراءات الرقابة على البنوك. ورغم أن هذه اللجنة لا تتمتع بأية اختصاصات أو وظائف دولية ذات صبغة قانونية ملزمة، فقد تمتعت توصياتها باحترام كبير واعتبرت مخالفتها خروجاً على التقاليد المستقرة في إدارة القطاع المصرفي. وفي عام 1988 وضعت اللجنة المبادئ اللازمة لضمان توفير رأس المال الكافي Capital adequacy للقيام بالعمليات المصرفية، وبالتالي تقدير الجدارة الائتمانية للبنوك فيما عرف باتفاقية بازل لرأس المال Basel Capital Accord، وفي 1999 أصدرت اللجنة مقترحات جديدة، لا تزال تحت الدراسة لتعديل اتفاقية رأس المال. ولم تقتصر اللجنة على تحديد عناصر رأس المال بل أصدرت في 1997 ما عرف “بالمبادئ الأساسية للرقابة الفعالة على البنوك”Core Principles for Effective Banking Supervision. وهكذا يتضح أن موضوع الرقابة على البنوك أمر مستقر ومعروف، ولا يحتاج إلى إعادة اكتشاف البارود أو إعادة اختراع العجلة. هناك معايير مستقرة في العالم، أثبتت جدواها، ولا تحتاج إلا إلى اعتمادها، والتدريب عليها والأخذ بها.

ولعل الخاطر الأخير يتعلق بما يشار إليه حول ضرورة استقلال البنك المركزي، وهو أمر له أهمية حيوية كبرى لكي يقوم بدوره على النحو المطلوب. ويتطلب الاستقلال أن تكون وظائف ودور ومدى سلطات البنك المركزي معروفة على نحو واضح لا لبس فيه. ومن أهم ضمانات الاستقلال أن تتمتع إدارة البنك بالاستقلال وعدم التأثر بالمؤثرات الخارجية، ومن بينها انعدام التعارض في المصالح لدى القائمين على الإدارة. فالبنك المركزي وهو يضع السياسة النقدية ويشرف على البنوك ينبغي أن ينصرف لهذه الأهداف دون ارتباط بمصالح أخرى. وقد لاحظ بعض المراقبين بصدد تكوين مجلس إدارة البنك المركزي أن هناك تنافراً بين مسؤولية العضو الذي يمارس – من خلال مجلس إدارة البنك المركزي – الرقابة على البنوك وبياناتها المالية، وبين قيامه بتقديم خدمات لهذه البنوك في إعداد ومراجعة بياناتها المالية. وربما يحتاج الأمر إلى مزيد من الحذر وتجنب مواطن احتمال التعارض في المصالح. وفي إطار الحديث عن استقلال البنك، تثور قضية تبعية البنك المركزي من جهة الولاية الإدارية. وهذه الولاية الادارية ليست تبعية رئاسية أو وظيفية بل مسألة تنظيمية، كما هو حال القضاء مع وزير العدّل مثلاً. وقد كان البنك المركزي خاضعاً لولاية وزارة الاقتصاد، ثم أتجه الأمر لجعل هذه الولاية لرئيس الوزراء، وأخيراً استقر الأمر على جعلها لرئيس الجمهورية. ولا شك أن مثل هذا التعديل من شأنه أن يؤكد على مزيد من استقلال البنك المركزي ودعم لمركزه الأدبي، وهو أمر مطلوب لكي يقوم بالمهمة الموكلة له. ومع ذلك، ومع أجل الحوار البناء، فقد يكون من المفيد الإشارة إلى بعض الجوانب الأخرى. فمن ناحية، يقرر الدستور أن الوزراء مسؤولون أمام مجلس الشعب عن السياسات العامة للحكومة، ولاشك أن “السياسة النقدية” هي إحدى هذه السياسات العامة. ونظراً لأن رئيس الجمهورية لا يسأل أمام مجلس الشعب، وإنما فقط أمام الشعب من خلال الاستفتاء على رئاسة الجمهورية. فإننا نجد أنفسنا في وضع قد ينأى “بالسياسة النقدية” عن المساءلة السياسية لمجلس الشعب. وهو أمر لا يخلو من صعوبة. كذلك، فإن قيام حوار حول السياسات الاقتصادية بين مختلف الفعاليات، ومن بينها السياسة النقدية، أمر يدعم الحيوية ويساعد على وضوح الرؤية.  وكثيراً ما تكون رؤية البنك المركزي للسياسة النقدية محل جدل بين مختلف المسؤولين في الدولة، ومن المصلحة استمرار الحوار وإبراز وجهات النظر المختلفة. ويخشى أن تكون تبعية البنك المركزي لرئاسة الجمهورية إشعاراً بموافقة السيد رئيس الجمهورية على رأي البنك وبالتالي مانعاً لقيام مثل هذا الحوار. ومن الطبيعي أن يكون رئيس الجمهورية بحكم موضعه حكما للترجيح بين الآراء المختلفة.

وبعد، فهذه بعض الخواطر السريعة عن أوضاع البنوك في مصر، وهي أمور تتطلب قدراً واسعاً من المناقشات والحوار. والله أعلم.

 الاهرام: 18.10.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *