خواطر قانونية لرجل اقتصاد

بدأت حياتي الجامعية بدراسة القانون، ثم انصرفت عنه إلى استكمال دراساتي العليا في الاقتصاد. ومع ذلك فقد ظل القانون، بشكل ما، هو حبي الأول. فبعد أن تخرجت من كلية الحقوق عملت لفترة قصيرة (ثلاث سنوات) في مجلس الدولة، قبل أن أسافر في بعثة إلى فرنسا وإنجلترا للحصول على الدكتوراه في الاقتصاد. وبعدها وخلال ما يزيد على أربعين عاماً انصرفت إلى العمل في المجال الاقتصادي، دراسة وتدريساً وممارسة، في الجامعة وفي البنوك وفي المؤسسات الدولية. ورغم بعد المسافة والزمن منذ دراستي الأولى للقانون، فإن الحنين إلى القانون لم يفارقني لحظة، “فالعرق دساس”، كما يقولون. ولا يرجع ذلك فقط إلى خلفيتي الدراسية القانونية، أو حتى البيئة القانونية التي نشأت فيها، حيث كان والدي – عليه رحمة الله – مستشاراً ثم رئيساً لمجلس الدولة، وإنما كان ذلك نتيجة تجربة وممارسة في الاقتصاد ذاته. فإذا كان عمل الاقتصادي قريباً من مراكز السياسة الاقتصادية، فإن هذه السياسة لا تتحقق إلا من خلال القوانين والتشريعات. وعلى العكس فإذا كان عمل الاقتصادي قريباً من أوساط الأعمال، فإن هذا النشاط يتبلور في الأساس من خلال عقود واتفاقات والتزامات متبادلة. وهكذا نجد أن النشاط الاقتصادي وثيق الصلة بالقانون.

ولم يقتصر الأمر على هذه العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد والقانون في الحياة العملية، بل أن الفكر الاقتصادي المعاصر قد تطور خلال نصف القرن المنصرم بحيث يمكن القول – بقدر من الاطمئنان – بأن الفكر الاقتصادي الغالب حالياً هو ما يمكن أن يطلق عليه الاقتصاد المؤسسي Institutional Economics. فبعد أن كان تركيز الاقتصاديين على الكميات الاقتصادية المعروفة من رأس مال أو ادخار واستثمار وحيث كان الشغل الشاغل لهم هو ضمان سلامة الأسعار والأثمان، فإن المدرسة المؤسسية ترى أنه – مع عدم إمكان تجاهل هذه الكميات الاقتصادية – إلا أن الجوهر في التقدم الاقتصادي إنما يرجع إلى نوع المؤسسات القائمة والقيم الثقافية السائدة. وفي مقدمة هذه النظم المؤسسية يأتي النظام القانوني والمفاهيم القانونية السائدة؛ من نظم للملكية وللحقوق بشكل عام، ومدى احترام التعهدات والالتزامات، وكفاءة وعدالة النظام القضائي، ووضوح حدود

الحقوق والسلطات، ومدى حرية العمل، ووضوح النظام الضريبي وعدالته، ومدى سهولة أو تعقيد الإجراءات الإدارية. وهكذا أصبح “النظام القانوني” وكفاءته في صلب النظام الاقتصادي. ولم يكن غريباً أن يحصد منظرو المدرسة المؤسسية جوائز نوبل في الاقتصاد خلال ربع القرن المنصرم من أمثال دوجلاس نورث، وجاري بيكر، وجيمس بوكنان، ورولاند كوس، وجورج ستيجلر وغيرهم. وكان دوجلاس نورث قد أشار إلى أهمية ظهور وتطور “المفاهيم القانونية”، في تحقيق التقدم الاقتصادي. فظهور مفهوم “الملكية”، مثلاً، كان عند نورث هو أحد العوامل الأساسية التي ساعدت على قيام أول وأهم ثورة اقتصادية عندما اكتشف الإنسان الزراعة. وكان اكتشاف الزراعة – قبل حوالي عشرة آلاف سنة – هو نقطة تحول رئيسية في مسيرة التاريخ البشري، انتقل فيها الإنسان من مجرد عالة على الطبيعة إلى نوع من الحياة المستقرة ومعها ظهرت الحضارات الكبرى. وقد كان ظهور مفهوم “الملكية” أحد أهم عناصر قيامها. فالملكية هي تصور قانوني، يعني الاعتراف بسلطة قانونية لصاحبها على الشيء والانتفاع به. وفكرة “الحق القانوني” تجاوز معنى الحيازة الفعلية أو السيطرة المادية على الشيء. فالحق هو اعتراف من المجتمع بأنه لشخص، دون غيره، الحق الشرعي في التصرف والانتفاع بالشيء. ومع ظهور هذا المفهوم انتقلت البشرية من مرحلة التعامل مع مظاهر القوة المادية إلى مرحلة التعامل مع الحقوق القانونية. فمع الاعتراف بحقوق الملكية، أصبح من الممكن أن يقوم المزارع بأعمال إصلاح الأرض وتسويتها وبذر البذور والقيام بالحرث والري إلى أن يظهر المحصول في النهاية. وهو في كل هذا مطمئن إلى حقوقه القانونية، وأن الآخرين لن يعتدوا عليها. وهكذا كان ظهور مفهوم الملكية ضرورياً لقيام الثورة الاقتصادية الأولى مع الزراعة. وبالمثل فإن قيام الثورة الاقتصادية الثانية مع الصناعة لم يكن متصوراً دون ظهور مفاهيم قانونية جديدة، مثل مفهوم “الشركة” و”الذمة المالية”، و”الأوراق المالية” و”الأوراق التجارية”. فإذا لم يقم مفهوم “الشخص الاعتباري” وخاصة مفهوم “الشركة”، فإنه لا يمكن تصور قيام الصناعة. فمع مفهوم “الشركة”، أصبح من الممكن تجميع رؤوس أموال ضخمة من مساهمين – قد يكونوا بالمئات أو الآلاف – وتنحصر مسؤولية كل منهم في حدود حصته في الشركة ولا تنصرف إلى بقية أمواله وأملاكه. وهكذا أمكن تكوين كيانات عملاقة برؤوس أموال ضخمة يجاوز عمرها أعمار المساهمين فيها، وفي نفس الوقت تتحدد مسؤولية كل مساهم بقدر مساهمته في الشركة. وقل مثل ذلك بالنسبة لظهور مفهوم الأوراق التجارية التي تتداول في الأسواق مما ساعد على ازدهار التجارة العالمية وبالتالي التقدم الاقتصادي. وهكذا نجد أن القانون بمفاهيمه المختلفة ومدى استقراره ووضوحه كان عنصراً رئيسياً في التقدم الاقتصادي.

وفي ضوء كل ما تقدم فقد ثارت في نفسي – بمناسبة ما يجري حالياً من أحداث على الساحة السياسية مع التعديل الدستوري الأخير – بعض الخواطر القانونية التي أود أن أشارك فيها القارئ. فقد أثار تعديل المادة 76 من الدستور العديد من المناقشات القانونية رفع الأمر في بعضها إلى القضاء. وأود أن أركز في هذه الخواطر على أمرين فقط، الأول هو ما يتعلق بدستورية تعديل المادة 76 نفسها، والثاني يتعلق برفض الانصياع – في أول الأمر – إلى ما صدر من أحكام قضائية من جانب اللجنة العليا للرقابة على الانتخابات.

فأما عن المادة 76 فقد جاء تعديلها بالانتقال من نظام اختيار رئيس الجمهورية بالاستفتاء على اسم مرشح وحيد إلى اختياره بطريق الاقتراع العام الحر المباشر معبراً عن مطلب شعبي عميق، ولذلك استقبلته الجماهير بتأييد كبير. ومع ذلك فقد جاءت صياغة التعديل بما وضعته من قيود وضوابط مخيبة للعديد من المراقبين، وذهب البعض إلى الطعن في سلامة هذه الصياغة وعدم دستوريتها. وعندما عرض الأمر على القضاء أصدر حكمه في بعض هذه الدعاوى بقبول الطعن في أول درجة، ثمّ ألغى هذا الحكم عند الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية العليا. وبصرف النظر عن ظروف هذه الدعاوى، فإن التساؤل يثور عما إذا كان من الممكن الطعن بعدم دستورية مواد في الدستور نفسه؟ أليس هذا تناقضاً في ذاته؟ الدستور هو القانون الأعلى للبلاد، فكيف يكون الدستور نفسه غير دستوري؟ هل هذا ممكن؟ هذا هو السؤال الأول.

من الناحية الشكلية يصعب قبول فكرة عدم دستورية بعض مواد الدستور. فإذا كان الدستور هو القانون الأعلى للبلاد، أي المعيار الذي يقاس عليه مدى سلامة القواعد القانونية الأخرى الأدنى درجة، فإنه من هذه الناحية يبدو غير مقبول القول بعدم دستورية أية مادة من مواد الدستور. ولكن الاقتصار على هذه الناحية الشكلية لا يكفي، فهناك اعتبارات أخرى تقتضي النفاد إلى ما وراء هذه الشكلية. هناك من ناحية، ما يمكن أن نطلق عليه المبادئ الدستورية العامة والتي استقرت في ضمير المجتمعات لاحترام حقوق وحريات الأفراد. فتذهب كثير من الدول إلى أن هذه المبادئ الأساسية هي أعلى درجة من الدستور ولا يمكن لأية دولة محتضرة أن تخرج عليها ولو اعتماداً على نصوص دستورية. فليس من المتصور مثلاً أن تبقى دولة حديثة نظام الرق والعبودية، ولو بنص من الدستور، لأن ذلك يتنافى مع المبادئ العامة المستقرة في الضمير العام. ولكن حتى بصرف النظر عن المبادئ العامة، فإن الفن القانوني قد طور مفاهيم قانونية هامة في مختلف فروع القانون، وليس من المستبعد استخدامها في المجال الدستوري. ومن أهم هذه المفاهيم فكرة التعسف أو الانحراف في استخدام السلطة أو الحق. فمفهوم “التعسف” يقوم على أن الحقوق أو السلطات المعترف بها قانوناً للأفراد أو الهيئات ليست حقوقاً أو سلطات مطلقة لأصاحبها، وإنما هي نوع من الوظيفة الاجتماعية التي تقررت لهم وعلى أساس ألا يؤدي استخدامها إلى المساس أو الإضرار الشديد بالمصلحة العامة أو بحقوق الأفراد الآخرين. ففي هذه الحالة يصبح استخدام الحق أو السلطة متعسفاً وغير مشروع رغم أن صاحبها لم يخرج عن حدود الحق أو السلطة. فمفهوم “التعسف” أو الانحراف يعترف بأنه لا يوجد خروج أو انتهاك لحدود الحق أو السلطة وإنما هناك فقط إسراف أو مبالغة أو تعنت في هذا الاستخدام مما يخرج استعمال الحق أو السلطة عن الغرض المنشود من ورائهما وبما يضر بمصالح الآخرين، وهنا يجب إيقاف هذا التعسف. وقد اعترف القانون المدني بهذا المبدأ في المادة الخامسة منه. فمن حق القاضي أن يمنع أي فرد من التعسف في استعمال حقه – رغم أنه لم يخرج في استخدامه عن حدود هذا الحق – وذلك إذا كان استخدامه متعسفاً ويسبب أضراراً جسيمة للغير. وجاء القانون الإداري وهو ينظم سلطات الإدارة ويضع الشروط والضوابط اللازمة لإصدار القرارات الإدارية، وفي هذه الحدود يكون للإدارة “سلطة تقديرية”، وهي تتصرف عندئذ في حدود سلطتها الإدارية المشروعة. ومع ذلك فقد استقر القضاء الإداري على أنه رغم أن الإدارة لها سلطة تقديرية، إلا أن هذه السلطة غير مطلقة ويجوز إلغاء قراراتها إذا كان هناك تعسفاً وانحرافاً في استخدام هذه السلطة، وذلك رغم عدم خروجها على حدود السلطة المقررة لها قانوناً.

وإذا كان هناك اتفاق عام على قبول مفهوم التعسف في استعمال الحق أو السلطة في القانون المدني وفي القانون الإداري، فقد طرح المرحوم السنهوري باشا التساؤل عما إذا كان من الممكن تطبيق نفس المفهوم على انحراف السلطة التشريعية نفسها عند استخدام سلطتها التشريعية حتى في أحوال عدم الخروج الصريح على نصوص الدستور. فقد يكون من حق السلطة التشريعية “تنظيم” ممارسة الحقوق والحريات. ولكن “التنظيم” لا يعني “المنع” ولو فعلياً. فهل نكون هنا بصدد “تعسف” في استخدام السلطة التشريعية؟ لقد ظل تساؤل الدكتور السنهوري مطروحاً دون إجابة. ونود اليوم أن نعيد طرح التساؤل نفسه بالنسبة للمشرع الدستوري. فهل يمكن تطبيق مفهوم “التعسف” على التعديل الدستوري نفسه؟ المسألة مطلوبة وتتطلب اجتهاداً. هذا عن الخاطر الأول.

أما الخاطر الثاني، فإنني أحمد الله أن غيرت اللجنة العليا للرقابة رأيها الأول بعدم التقييد بحكم محكمة القضاء الإداري، فإن ذلك كان يمكن أن يمثّل تراجعاً كبيراً عن مفهوم دولة القانون نفسه، والعودة إلى المفهوم البدائي “للعدالة الخاصة”، حيث يقوم كل فرد أو هيئة بتفسير ما يعتقد أنه التفسير الصحيح للقانون. الدولة الحديثة تحتكر تطبيق العدالة وبالتالي تفسير وتطبيق القانون في المنازعات عن طريق القضاء، وليس هناك من طريق للتظلم إلا باتباع إجراءات التظلم القضائي بالطعن أمام الدرجات الأعلى. فليس لأحد أن يقرر لنفسه ما يعتقد أنه “العدالة” أو أنه التطبيق الصحيح للقانون. هذه وظيفة القضاء وحده. والقول بغير ذلك يعني الفوضى وانهيار دولة القانون. ومن لطف الله أن تراجعت اللجنة عن هذا الاتجاه الخطر. ومصدر الخطورة هو أن رئيس اللجنة هو نفسه رئيس المحكمة الدستورية العليا للبلاد المفرض فيها حماية الشرعية ودولة القانون.   والله أعلم

 الاهرام: 18.9.2005                                                                         

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *