دروس في الديمقراطية

لاشك أنه من قبيل الادعاء أن يتقدم شخص متشحاً برداء الحكمة لإعطاء دروس للآخرين عن الديمقراطية. ولكن من أنت لكي تعلمنا الديمقراطية؟ هل لك تجربة أفضل منا؟

والحقيقة أنني لا أدعي شيئاً من هذا، ولكن الذي أوحى لي العنوان كتاب حديث صدر في الولايات المتحدة الأمريكية، لأحد أساتذة الفلاسفة Paul Woodruff بول وودروف. وقد رأى المؤلف أن الديمقراطية في أمريكا – ورغم عمقها – كثيراً ما تنحرف عن المبادئ الديمقراطية الحقيقية. فأصدر كتاباً بعنوان “الديمقراطية الأولى” First Democracy بهدف إعطاء دروس لأبناء بلده عن حقيقة الديمقراطية، كما أرستها الديمقراطية الأولى في أثينا. وقد رأيت أنه قد يكون من المفيد أن ألخص للقراء خلاصة ما جاء في هذا الكتاب عن الديمقراطية. وإذا كانت الولايات المتحدة ورغم تجربتها الطويلة والعميقة بالممارسة الديمقراطية في حاجة إلى من يذكرها بأهم مبادئ الديمقراطية، فقد لا يكون من العبث تماماً الإفادة من هذه الدروس في مصر.

ويبدأ الكاتب حديثه بمحاولة تخليص مفهوم الديمقراطية من عدد من الشوائب لبعض المفاهيم الخاطئة لمظاهر تؤخذ على أنها جوهر الديمقراطية في حين أنها ليست كذلك، فهي نوع من المفاهيم الشائعة أو حتى الخادعة. وقد أشار إلى ثلاث من الأخطاء الشائعة ألخصها تحت عنوان “خدعوك فقالوا!”،

أولاً: خدعوك فقالوا: إن الديمقراطية هي الانتخابات. وهذا غير صحيح. حقاً الانتخابات هي أحد مظاهر الديمقراطية، ولكنها ليست جوهرها. فكما توجد الانتخابات في النظم الديمقراطية، فإنها توجد كذلك – وأحياناً بدرجة أكبر – في نظم الاستبداد، وهي في كثير من الأحوال، بدلاً من أن ترفع صوت الشعب فإنها تستخدم لكي تفرض رأي الحاكم (المستبد).

ثانياً: خدعوك فقالوا: إن الديمقراطية هي حكم الأغلبية. وهذا أيضاً غير صحيح. فإذا كانت الديمقراطية تحترم إرادة الأغلبية، فإنها ترفض كل أشكال الاستبداد، بما في ذلك استبداد الأغلبية. وكثيراً ما كان استبداد أو دكتاتورية الأغلبية هو أقسى أنواع الاستبداد. وقـد عرفـت فرنسا في مرحلة الإرهاب الثوري نوعاً من استبداد الأغلبية (الغوغاء)، وكان إرهاباً أكثر منه ديمقراطية.

ثالثاً: خدعوك فقالوا: إن الديمقراطية هي التمثيل النيابي. وهنا علينا أن نتذكر أن الديمقراطية هي في أصلها هي حكم الشعب لنفسه. وبذلك فإن الديمقراطية الأصلية هي الديمقراطية المباشرة التي يباشر فيها الشعب مباشرة حقوقه السياسية في اتخاذ القرارات السياسية. وإذا كانت الاعتبارات العملية تقتضي الالتجاء إلى التمثيل النيابي، فينبغي أن يعبر هذا التمثيل عن جميع الطبقات ولا يتحول إلى سيطرة المال والثروة على أصوات الناخبين. وقد ولدت الديمقراطية في أثينا كرد فعل لتخوف أبناء أثينا – نتيجة تجاربهم السابقة – من سيطرة أصحاب الثورة على المقدرات السياسية ولو عن طريق الانتخابات. ولذلك فسوف نجد أن ديمقراطية أثينا لا تعتمد فقط على “الانتخابات” وإنما تستخدم أيضاً “القرعة” في بعض المناصب لإعطاء الفرصة للجميع. فالقرعة لا تخضع لأهواء المال والجاه.

وبعد استبعاد هذه المفاهيم الخاطئة والمصاحبة للديمقراطية، يؤكد مؤلف الكتاب على نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الديمقراطية هي في نهاية الأمر تنظيم بشرى لا يخلو من النواقص والقصور. فالاعتقاد بأن الديمقراطية نظام مثالي كامل، هو اعتقاد خاطئ وضار.فللديمقراطية أخطاؤها. ولكن أخطاء الديمقراطية أقل بكثير من أخطاء أو خطايا النظم السياسية الأخرى وخاصة الاستبداد. الديمقراطية أفضل من غيرها ولكنها ليست نهاية الكمال. فالكمال لله وحده.

وقد بدأت الديمقراطية عند الإغريق في أثينا على أساس فرضين متكاملين؛ الفرض الأول هو أن لدى جميع الأفراد قدراً كافياً من المعرفة وحسن التقدير وبما يسمح لهم بادراه شئونهم العامة. والفرض الثاني هو أنه لا يوجد أحد يتمتع بمعرفة خارقة تضعه فوق البشر لكي يستأثر وحده، دون الآخرين، بإدارة شئون المجتمع. فبقدر ما تثق الديمقراطية في حكمة الجماعة بقدر ما تتشكك في مقولة القائد الملهم أو السوبرمان.

ويتضح مما تقدم أن للديمقراطية هدفين، أحدهما إيجابي والآخر سلبي. الهدف الإيجابي هو العمل على إشراك جميع المواطنين في الشأن العام، في حين أن الهدف السلبي هو منع قيام الاستبداد. وكل من الهدفين لازم لتحقيق مفهوم الديمقراطية واستمرارها. وعلينا أن نتذكر أن الديمقراطية لم تنشأ في أثينا من فراغ، وإنما جاءت بعد تجربة طويلة ومريرة من حكم الاستبداد في أثينا. ولذلك فقد هدفت الديمقراطية الإغريقية إلى تعميق مشاركة المواطنين في أمور حياتهم العامة بقدر ما هدفت إلى منع قيام الاستبداد في المستقبل.

وإذا كانت هذه هي أهداف الديمقراطية الإغريقية، فما هي أدواتها أو آلياتها. عدد الكاتب عدة أدوات متكاملة، نختصرها في ضرورة وجود نظام قانوني مستقل وبعيد عن المؤثرات الخارجية. وقد كان أبناء أثينا على تخوف كبير من احتمالات التأثير على نزاهة القضاة ومن هنا لجأوا إلى بعض الممارسات الغريبة. فالقضاة – أو المحلفون – يختارون بالقرعة في اليوم السابق للمحاكمة منعاً لاحتمالات التأثير عليهم أو رشوتهم، وكان عددهم كبيراً لمنع الرشوة. ويقال أن عدد القضاة الذين حاكموا سقراط كان 501 محلفاً، مما يصعب معه رشوة هذا العدد الكبير. وإلى جانب القضاء المستقل كان الحكم المباشر عن طريق الجمعية العامة لجميع المواطنين. وكانوا يجتمعون في ساحة عامة. وتتكون هذه الجمعية من أول ستة آلاف يصلون إلى هذه الساحة العامة. وللجميع حق الكلام والتصويت. وإذا كانت الديمقراطية المباشرة هي الأساس إلا أن النظام الإغريقي كان يضع قيوداً على سلطة الأغلبية، من ضرورة احترام القانون، فضلاً عن ضرورة مراعاة عدد من الإجراءات اللازمة لتعديل القوانين. وأحد الأساليب المستخدمة في اختيار المسئولين هي القرعة لإعطاء فرصة كبيرة لشريحة واسعة من المواطنين. فكانت أثينا تتكون من عشر قبائل لكل منها عدد محدد من الممثلين يختارون بالقرعة. وكان هناك أيضاً الانتخاب لتولي المسئوليات الكبرى. وأخيراً كانت هناك مساءلة للمسئول عند انتهاء مسئوليته حيث يقدم حساباً عن أمواله ويتم مناقشته فيما جاء فيها.

وإذا كانت هذه هي أهداف الديمقراطية وآلياتها في أثينا، فإن كاتبنا يؤكد أن نجاح تجربة الديمقراطية يتطلب توافر عدد من العناصر الاجتماعية، أهمها التجانس، وسيادة دولة القانون، وغلبة الحوار، وانتشار التعليم. وليس هنا مجال التفصيل في كل هذه العناصر نظراً لضيق المساحة، ويكفي أن نتعرض لواحد أو اثنين منهما.

أما ما أطلق عليه المؤلف لفظ “التجانس” فهو ما يمثّل في ظروفنا الحالية “الوحدة الوطنية”. فبدون هذا التجانس أو الوحدة الوطنية لا قيام للديمقراطية. فهذه الوحدة الوطنية هي ما يجعل الديمقراطية قوية ويضع البلد في سلام مع نفسه. والتجانس بهذا المعنى لا يعني الاتفاق الكامل بل أنه يتسع لاختلاف وجهات النظر. فالأمر هنا أشبه بالتجانس الموسيقي، وهو يستخدم في هذا الصدد نفس التعبير “الهارموني” الذي ترجمته “بالتجانس”. فقد تتعدد النغمات ولكنها تنغمس في لحن متجانس. ولعل ما نراه في العراق حالياً ما يؤكد أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات ودستور. فإذا أفتقد التجانس أو تفتت الوحدة الوطنية بين طوائف وشعب تحولت الديمقراطية إلى ما يشبه الحرب الأهلية. ومن المفيد التأكيد على أنه لا يتعارض مع التجانس قبول الاختلاف والمعارضة بل أنه هذا الاختلاف والتعدد في الرؤى يقوي مفهوم التجانس ويدعمه. وأما الأمر الآخر والذي لابد من توافره في أية ديمقراطية فهو دولة القانون، فلا أحد فوق القانون، كما لا يسن القانون من أجل فرد. القانون للجميع، ولا أحد يعلو عليه. وينبغي أن ندرك هنا أن القانون ليس مجرد أحكام موضوعية بل أن به شكليات، من ضرورة احترام المواعيد أو اتباع إجراءات محددة وربما التقدم إلى هيئات خاصة وهكذا. وهذه الشكلية ليست مجرد أثر من آثار الماضي وطقوسه، فهي كثيراً ما تكون لازمة لحماية الحقوق والحريات. فإذا كان القانون لا يسمح بالتفتيش أو القبص إلا باتباع إجراءات شكلية معينة، فليس الأمر مجرد طقوس، بل هي شكليات تحقق جوهر حماية الحريات. كذلك فإن القانون لابد وأن يصدر وفقاً للإجراءات السليمة في النظم الديمقراطية وأن يحترم المبادئ الأساسية للعدل. وهكذا فمفهوم دولة القانون وترسيخه في ضمير المجتمع هو أحد أهم ركائز الديمقراطية. وبهذه المناسبة لعله من المناسب أن نتذكر أن رجل البوليس في إنجلترا، وحتى وقت غير بعيد، لم يكن يحمل سلاحاً. فسلاحه هو أنه يتحدث باسم القانون. وهذا في ذاته أقوى سلاح. فيكفي أن يأمر “باسم القانون”، حتى ينصاع له المجرم، ولو كان سفاحاً خطيراً. ولا يمكن أن ننهي هذه الإشارة دون التعرض إلى مفهوم المساواة، وهي أيضاً جزء من معنى دولة القانون. فالكل سواء أمام القانون. وهناك مساواة إنسانية بين جميع البشر، ليس لأحد ميزه أو سلطة على أحد خارج إطار القانون.

هذه بعض الدروس التي رأى الأستاذ وودروف أن الشعب الأمريكي في حاجة إلى تذكرها وهو يباشر ديمقراطيته، ولعلنا ونحن نتحدث هذه الأيام كثيراً عن الديمقراطية في حاجة أيضاً إلى تذكر بعض خصائص هذه الديمقراطية. ومن أهم ما أثاره الكاتب في دروسه عن الديمقراطية هو أن الديمقراطية ليست مجرد دعوة إلى الحرية، وإنما هي أيضاً وبنفس القوة حصانة ضد عودة الاستبداد. فقد لا تكون الديمقراطية بكل هذه المزايا التي ينسبها لها أصحابها، ولكنها بالقطع أفضل من الاستبداد الذي هو أسوأ الأشياء. فمنع الاستبداد قيمة تعادل العمل من أجل الحرية.   والله أعلم

الأهرام: 18 فبراير 2007

www.hazembeblawi.com

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *