دكتور إسماعيل صبري عبدالله

حضرات السيدات والسادة

نجتمع اليوم للاحتفال بعلمين من أعلام الاقتصاد في مصر والوطن العربي، الأستاذ الدكتور إسماعيل صبري عبدالله والأستاذ الدكتور محمد محمود الإمام. وننتهز هذه المناسبة لنتقدم لهما بأطيب التمنيات بموفور الصحة والعافية والشكر على ما قدماه لوطنهما – ولنا بوجه خاص أبناء المهنة – من إشعاع علمي وريادة فكرية.

وقد طلب مني أن أتحدث اليوم عن أستاذي الدكتور إسماعيل صبري عبدالله، وهي مهمة صعبة بقدر مما هي محببة إلى النفس. أما أنها صعبة، فيرجع ذلك إلى أن إسماعيل صبري عبدالله إنسان متعدد الجوانب والإسهامات بحيث يصعب الإحاطة بها في جلسة واحدة ومن متحدث واحد. فهو أستاذ مرموق للاقتصاد، ولكنه أيضاً مناضل سياسي من أجل مثل عليا آمن بها ودفع في سبيلها ثمناً غالياً، وهو إلى جانب هذا مفكر من مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، فهو محب للغة العربية وغيور عليها، وهو من أنصار البيئة المدافعين عن حمايتها، وهو أيضاً أشياء أخرى لا أعرفها. وأما أنها مهمة محببة فيرجع ذلك إلى أسباب شخصية، فإسماعيل صبري ليس مجرد أستاذ للاقتصاد أو رجل سياسة أو فكر، وإنما – وهذا هو الهام بالنسبة لي – هو أستاذي ومعلمي، وهو أيضاً مرشدي ولم يبخل علي بالنصيحة والتوجيه خلال فترة حياتي العملية. وقد لا تكون فترة تلمذتي على يد إسماعيل صبري طويلة – مجرد عام دراسي واحد – ولكنها تركت في نفسي أثراً عميقاً حتى أنني أعتبره أحد أهم أساتذتي. وكنت ألجأ إليه طالباً المشورة والنصيحة، وكان لآرائه تأثير كبير على توجهاتي المهنية. ولازلت أذكر حين تخرجت من الجامعة وفي مطلع حياتي العملية وأثناء حيرتي في الاختيار بين العمل في مجلس الدولة وبين قبول العمل معيداً في الجامعة. وكان إسماعيل صبري قد أفرج عنه للتو من الاعتقال، فرأيت أن أذهب إليه مهنئاً، وطالباً مشورته في هذه الحيرة. وجاءت كلماته التي ما تزال ترن في أذني “المهم هي البعثة إلى الخارج”، وكانت هذه النصيحة هي من أهم المحطات في حياتي العملية، فمع البعثة عرفت مولداً ثانياً وذلك بالالتقاء مع ثقافة جديدة فتحت أمامي آفاقاً متعددة. ولذلك فإن علاقتي بالأستاذ الدكتور إسماعيل صبري عبدالله لا تقاس بطول الزمن وإنما بعمق التأثير. ورغم كل هذا فإنني أشعر – مع سعادتي بالمهمة – برهبة، وهي رهبة الشخص الذي لم يتخلص بعد من موقف التلميذ أمام أستاذه، يضاعف ذلك شعور التلميذ المقصر الذي لم يستذكر كل المقرر معتمداً على معرفته بأجزاء منه. إن ما أعرفه عن إسماعيل صبري هو جانب من جوانب متعددة في حياته المهنية والسياسية، وأخشى أن أغمطه حقه فيما أتحدث به بإغفالي أموراً أكثر أهمية ولكني أجهلها. ولذلك فإنني، بقدر تشرفي بالقيام بهذه المهمة، بقدر ما أشعر من وجل في عدم إعطاء الرجل حقه. ولكني أنوي أن أكون صادقاً وأميناً وأتحدث عما أعرفه تاركاً للآخرين استكمال الجوانب التي قد تفوت علي.

تخرج إسماعيل صبري عبدالله من كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول – القاهرة حالياً – وكان أول دفعته وشاركه فيها شمس الدين الوكيل. وشاء حظي أن أقترب من الاثنين في مناسبات مختلفة. فإسماعيل صبري درس لي الاقتصاد – كما سوف أذكر – عندما كنت في السنة الثانية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وبعدها بحوالي عشر سنوات التقيت بشمس الوكيل عندما اخترت في بعثة لكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية وحيث كان يعمل أستاذاً مساعداً للقانون المدني بها. وقابلته في باريس حيث كنت أدرس الدكتوراه. ورغم فارق السن والمقام، فقد أزال الكلفة بسرعة مدهشة، ووجدت نفسي كما لو كنت أتحدث مع صديق قديم. وأذكر أننا تناولنا العشاء في أحد مطاعم مون مارتر، وإذ بي أكتشف أن وراء هذا العالم القانوني الفذ، رجل حياة محب لها ومقبل عليها. وقد يختلف إسماعيل صبري عن شمس الوكيل في أشياء كثيرة أهمها في التوجهات السياسية. فإسماعيل صبري ليس فقط يساري الفكر ولكنه من أقطاب حركة اليسار المنظم في مصر، أما شمس الوكيل فقد كان أقرب إلى اليمين، جاء من أسرة وفدية معروفة وظل على توجهاته الليبرالية. وإسماعيل صبري الذي بدأ – فيما يبدو – وفدياً لكي يصبح ماركسياً بعد ذلك، ما لبث أن التقى بزميل دراسته من جديد بعد ثلاثة عقود، في حكومة جديدة. فقد شاءت الظروف أن يجتمعا من جديد في وزارة عزيز صدقي؛ إسماعيل صبري وزيراً للتخطيط وشمس الوكيل وزيراً للتعليم العالي. وكان الاثنان يتميزان بذكاء حاد وأستاذية شامخة. فكان شمس الوكيل أحد أبرز أساتذة القانون المدني وله شعبية هائلة بين الطلبة في كلية حقوق الإسكندرية، في نفس الوقت الذي كان إسماعيل صبري أستاذ اقتصاد لامع يتمتع بشعبية ليس فقط بين طلابه في الجامعة ولكن أيضاً في أوساط الشباب اليساري. وقد كانا – فيما يبدو – فرسى رهان طوال سنوات الدراسة.

رأيت إسماعيل صبري لأول مرة في مدرجات كلية الحقوق بجامعة القاهرة في خريف 1954، وكان قد انتقل إلى جامعة القاهرة حديثاً من جامعة الإسكندرية. وكنا طلاب السنة الثانية ننتظر الأستاذ الجديد القادم من جامعة الإسكندرية. وتأخر في الحضور بعد بدء الدراسة أسبوعاً أو أسبوعين – لأنه كما قيل لنا – كان يقضي إجازته في باريس، ولذلك فقد وزعت محاضراته على زملائه من الأساتذة الآخرين. وفي أحد هذه الدروس كان المحاضر البديل هو الشيخ محمد أبو زهرة أستاذ الشريعة بالكلية – وهو أحد معالم كلية الحقوق – وكان قد بدأ بالكاد في إبداء ملاحظاته – وهي تكرر في بداية كل محاضرة – بأن تأتي البنات للجلوس في الصفوف الأمامية بعيداً – نسبياً – عن الطلاب. وفي هذه اللحظة دخل من الباب الأمامي للمدرج شاب أنيق – اعتقدنا أنه طالب – وتقدم إلى المنصة حيث استقبله الشيخ أبو زهرة بلقاء حار وترحيب كبير. وتوجه إلينا – عبر الميكروفون – قائلاً هذا أستاذكم الدكتور إسماعيل صبري عبدالله ، وترك له مكانه. ما هذا؟ هل هذا هو الأستاذ الجديد؟ إنه يبدو صغيراً، ربما لا يزيد عمره عن معظم الجالسين في المدرجة بأكثر من سنتين أو ثلاثة. وكانت العادة في التدريس في كليات الحقوق، في ذلك الوقت، هي ارتداء الروب الجامعي، الذي كان يعطي للأستاذ مهابة ووقار. ورغم أن إسماعيل صبري قد حرص بعد ذلك على ارتداء الروب الجامعي، إلا أن الدرس الأول قد حضره – ربما بسبب الاستعجال – بدون روب، وأيضاً بدون إنذار. وتساءلت في نفسي هل يستطيع هذا الشاب أن يضبط النظام في المدرج، وفيه أكثر من ألف طالب. وما هي إلا دقائق إلا وكان إسماعيل صبري يبلغنا بأنه سوف يدرس لنا مقرر الاقتصاد لهذا العام، وهو مقرر يتضمن النقود والبنوك في الفصل الأول والعلاقات الاقتصادية الدولية في الفصل الثاني. وبدأ يحدثنا عن ظاهرة النقود وفكرة التبادل. والمدرج في صمت هائل وإنصات كامل. فهذا الشاب الصغير الأنيق ، مشوق أيضاً ويتحدث بلغة بليغة، ولا يخلو من روح السخرية والفكاهة – عند اللزوم – مع سيطرة كاملة على المدرج. وكانت أعداد طلبة كلية الحقوق كبيرة – بمقاييس ذلك الوقت – ولذلك قسمت الدراسة في السنة الثانية بين المدرج (أ)، ويقوم بتدريس الاقتصاد فيه إسماعيل صبري عبدالله، والمدرج (ب) ويقوم بتدريس الاقتصاد فيه لبيب شقير. وانقسم الطلبة في تشجيع أساتذتهم وتعصبهم لهم، كما هو الحال بالنسبة للأندية (الأهلي والزمالك)، فطلبة المدرج (أ) يعتقدون أن إسماعيل صبري هو – بالقطع – أفضل أستاذ اقتصاد عرفته كليات الحقوق، في حين يؤكد طلبة المدرج (ب) بأن لبيب شقير ليس له مثيل. وفي نهاية الفصل الأول حصلت على أعلى تقدير في الاقتصاد عند إسماعيل صبري كما حصلت فوزية عبدالستار على أعلى تقدير في الاقتصاد عند لبيب شقير. ودعاني إسماعيل صبري إلى غرفة أساتذة الاقتصاد، وأهداني كتابه في “دروس في الاقتصاد السياسي” الذي أصدره في جامعة الإسكندرية قبل مجيئه إلى القاهرة. وقد قرأت كتاب “دروس في الاقتصاد” مرتين، الأولى عند إهدائه لي، والثانية بعد ذلك بحوالي عشرين سنة عندما كنت أعد لكتابي “أصول الاقتصاد السياسي”. ولست في حاجة إلى التأكيد هنا إلى أن لا أحد يستطيع أن يقدر مزايا أو عيوب أي كتاب مثل قراءة من يكون منهمكاً في إعداد دراسة في نفس الموضوع. ومن هنا تقديري لهذه “الدروس”، فقد وجدت – حين قراءتي الثانية للكتاب في صدد إعدادي لكتاب في نفس الموضوع – ودون مبالغة، أن “دروس” إسماعيل صبري هي من أحسن ما كتب في مبادئ الاقتصاد بالعربية. وهو ليس مجرد كتاب جامعي بل أنه يضع الاقتصاد في إطاره التاريخي من ناحية، وفي علاقته بالفكر العلمي من ناحية أخرى. ومن سوء الحظ أن هذا الكتاب وأمثاله لم يعاد طبعها.

وما دمت قد تحدثت عن إسماعيل صبري مدرس الاقتصاد الذي التقيته لأول مرة عند دراستي في كلية الحقوق، فإنني أود أن أنتهز هذه المناسبة لأضع إسماعيل صبري ضمن مجموعة أساتذة الاقتصاد في كليات الحقوق. وإذا كنت سأقتصر على أساتذة الاقتصاد في كليات الحقوق فليس ذلك تعصباً مني لكلية الحقوق أو تجاهلاً لغيرهم – وكثير منهم أهل علم وفضل – بل لأني أجهل الكثير مما قدموه. فالحقيقة أن كليات التجارة وكذا كليات الزراعة، قدمت أسماء كثيرة لامعة في الدراسات الاقتصادية، ولكن معرفتي بالكثير منها غير كاملة أو وافية، ولذلك فإنني أعتذر عن عدم التعرض لهم.

ورثت كليات الحقوق في مصر تراثاً علمياً هاماً من التجربة الفرنسية: فالنظام القانوني المصري الحديث، ومنذ إصدار القانوني المدني المختلط ثم القانون المدني في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، قد استلهم الفكر القانوني اللاتيني وخاصة الفرنسي. ولذلك لم يكن غريباً أن تؤسس كلية الحقوق المصرية على النموذج الفرنسي. وفي هذا النموذج كانت دراسة الاقتصاد تعتبر جزءاً من دراسات كليات الحقوق. وكان هذا هو شأن كلية الحقوق في الجامعة المصرية. ومن هنا نشأ جيل من أساتذة الاقتصاد في كليات الحقوق المصرية. وبطبيعة الأحوال ليس الغرض هنا هو استعراض كافة أساتذة الاقتصاد في كليات الحقوق المصرية وإنما فقط التوقف على المحطات الرئيسية. ولعل المحطة الأولى – رغم إرهاصات كثيرة سابقة – إنما ترتبط باسم عبد الحكيم الرفاعي. فعبد الحكيم الرفاعي يمثل جيل الآباء لمدرسة الاقتصاد في كليات الحقوق المصرية. وإذا كانت مدرسة الاقتصاد المصرية لم تصل إلى ما وصلت إليه مدرسة القانون المصرية من نضج وهوية – رغم ما يبدو من مظاهر الوهن في هذه المدرسة الأخيرة في السنوات الماضية – فإننا نستطيع – مع التسامح بين مستوى نضج المدرستين القانونية والاقتصادية – أن نقارن بين دور السنهوري باشا في القانون ودور عبد الحكيم الرفاعي في الاقتصاد. وتظل – مع ذلك – الدراسات الاقتصادية في مصر أقل نضجاً من الدراسات القانونية. وقد وضع عبد الحكيم الرفاعي أسس تدريس الاقتصاد في كليات الحقوق وساعد على استقرار المصطلحات والتعابير الاقتصادية. وبعد عبد الحكيم الرفاعي استمر على الدرب عدد من الأساتذة المروقين مثل زكي عبد العال، ثم حلمي مراد وحسين خلاف من الرواد إلى أن ظهر جيل الوسط الذي استكمل تعليمه بعد الحرب العالمية الثانية.

وهنا نستطيع أن نرصد أسماء سعيد النجار وزكي شافعي ومحمد غزلان وفوزي منصور الذين حصلوا على درجاتهم العلمية من الجامعات الإنجلو- أمريكية، وفؤاد مرسي وإسماعيل صبري عبدالله ولبيب شقير ورفعت المحجوب من الجامعات الفرنسية. هؤلاء يمثلون الجيل الوسط بعد جيل الرواد. وهذا الجيل الوسيط كان بشكل عام أكثر انشغالاً بالحياة العامة والطموح للعمل السياسي، وبعضهم دفع ثمناً عالياً – مثل إسماعيل صبري – لهذا الانشغال والطموح. بدأ هذا الجيل نشاطه الجامعي عملاً مع بداية الثورة والتي قضت على الطبقة السياسية السابقة، فوجد هذا الجيل نفسه في مركز القيادة الفكرية إزاء نظام سياسي جديد يبحث عن هويته. وفي نفس الوقت بدأت مسؤوليات الاستقلال الوطني تفرض اختيارات جديدة حول السياسات الاقتصادية المناسبة وبرز على السطح الصراع العربي/الإسرائيلي مع تطلعات القومية العربية في ظل عالم منقسم في حرب باردة وأيديولوجيات متعارضة. فأما عن الأساتذة من خريجي الجامعات الأنجلو- الأمريكية (سعيد النجار وزكي شافعي) فقد بدوا أكثر تحفظاً حول العمل السياسي وأكثر انكفاء على العمل الأكاديمي ولكن هذا الانعزال عن الحياة السياسية كان أظهر ما يكون في حالة غزلان، هذا القديس الذي آثر العزلة مكتفياً بالتدريس ورعاية أسرته الكبيرة. وكان فوزي منصور قد شذ عن ذلك الاختيار لخريجي الجامعات الأنجلو- الأمريكية وانخرط في الأحزاب اليسارية مما أدى إلى فصله من الجامعة في وقت مبكر. ومع ذلك فإن هذا الابتعاد عن العمل العام والسياسي لم يكن سوى مظهراً خارجياً، حيث تبين، فيما بعد، أن سعيد النجار – مثلاً – كان مهموماً بالعمل العام بشكل كبير وخاصة في سنواته الأخيرة. وأما عن أساتذة الاقتصاد من الجامعات الفرنسية فقد كانوا أكثر ضجيجاً. وكان رفعت المحجوب – وهو وفدي قديم – شديد النقد لحكومة الثورة في بدايتها لاعتدائها على الدستور والحريات، ثم اقترب بسرعة من أوساط الحكم وخاصة من كمال الدين حسين وزير التربية والتعليم في ذلك الوقت. أما لبيب شقير فقد كان أكثر حرصاً، فلم يبالغ في انتقاداته للثورة في بدايتها كما لم يندفع إلى أحضانها، وإن كان أقرب إلى النقد من التأييد. ولكنه فاجأ الجميع عندما اختير نائباً لوزير الاقتصاد ثم وزيراً وهو بعد أستاذ مساعد مما خلق نموذجاً Paradigm مازال مستمراً حتى الآن في أوساط مدرسي وأساتذة الجامعات. فأمل كل منهم هو أن يصبح وزيراً كما فعل لبيب شقير وإلا فإنه فاشل، وبالتالي أصبح الاقتراب من مراكز السلطة جزءاً أساسياً من مهام الأستاذ في هذه الفترة. وأما إسماعيل صبري وكذا فؤاد مرسي فقد بدا أنهما بعيدان عن هذا الملعب السياسي، وإذا بهما يلعبان – في الحقيقة – في ملعب آخر. وهو العمل الحزبي السري، حيث كانا على رأس التنظيم الشيوعي المصري. وكان أن فصلا من الجامعة وعرفا الاعتقال والسجن وغير قليل من التعذيب أيضاً.

وفي هذه المجموعة من الجيل الوسيط لأساتذة الاقتصاد من كليات الحقوق يمكن أن نشير إلى تباين في الفكر الاقتصادي بين تيارين أساسيين، تيار ليبرالي ويمثله إلى حد بعيد سعيد النجار ويمكن أن يضم أيضاً زكي شافعي، وتيار يساري يمثله بشكل كبير إسماعيل صبري عبدالله ويشاركه فيه فؤاد مرسي. وكان سعيد النجار معارضاً دائماً للسلطة وغالباً على يمينها، في حين كان إسماعيل صبري معارضاً أيضاً بشكل عام ودائماً على يسارها. ومع ذلك فقد كان كل من سعيد النجار وإسماعيل صبري – رغم اختلافهما السياسي – متشابهان في أمور كثيرة. فكل منهما اقتصادي حتى النخاع، لا يخلو حديث أي منهما في أي حديث سياسي من الإشارة إلى قواعد الحساب الاقتصادي والتحليل النظري. كان سعيد النجار كلاسيكياً يؤمن بالحرية والسوق. وكان إسماعيل صبري ماركسياً يؤمن بالعدالة والتخطيط. ومع ذلك فسوف يكون من الإجحاف إنكار إحساس سعيد النجار بالعدالة، وظهر ذلك في كتاباته وخاصة في الأعوام الأخيرة حيث كان إصراره على أن الليبرالية الجديدة تضع العدالة والقضية الاجتماعية في صدد اهتماماتها. وبالمثل، فإن إسماعيل صبري، وقد ظل وفياً لاشتراكيته، فإنه كان دائماً مدافعاً عن الديمقراطية والمشاركة السياسية. ولذلك فإن ما يجمع بين الاثنين أكثر بكثير مما يفرقهما. وقد شغلتني هذه المقارنة وقتاً غير قليل كما أقلقني – على المستوى الشخصي – لفترة غير قصيرة. فقد كنت قريباً من سعيد النجار أراه نموذجاً للمفكر الأمين، كما أنني تلميذ لإسماعيل صبري أراه معلمي وأستاذي. فكيف التوفيق بين الأمرين؟ للرجلين أمانة في البحث، ومتانة في الخلق، وصلابة في الرأي. وهما يدافعان عن نفس القضية من زاويتين مختلفتين، وإن كانتا متكاملتين. ولذلك فقد انتهيت إلى أنه لا تعارض بين الأمرين، فللجمال أوجه متعددة، وكلها جميلة – يجمعها معنى الجمال. فإنني أحب الشقراوات كما أهيم بالخمريات، ولكل منهما مذاق. والله أعلم.

أعود إلى إسماعيل صبري. فهو – كما قلت – ليس مجرد اقتصادي يكتب لطلاب الاقتصاد، وإنما هو كاتب ملتزم بقضية، والاقتصاد عنده وسيلة للارتقاء بالمجتمع، ومن هنا تعددت كتابات إسماعيل صبري في القضايا العامة. يتناولها من منطلق الاقتصادي ولكنه لا يقنع بقواعد الحساب الاقتصادي في المنفعة والتكلفة – رغم أنه لا يتجاهلها – ولكنه يدرك بحسه الماركسي ضرورة إدراك الوقائع في منظورها التاريخي. والتاريخ ليس مجرد سرد للوقائع أو الأحداث إنما هو خوض في قوى الإنتاج وطبيعة العلاقات الاجتماعية والموروث الثقافي والبيئي وربط بين أحداث الداخل والخارج.

وإسماعيل صبري كاتب غزير الإنتاج، يكتب بالعربية والإنجليزية والفرنسية، وينشر كتباً ومقالات علمية، ولكنه يعد أيضاً أوراقاً ومذكرات لمؤتمرات واجتماعات دولية ولأنشطة حزبية، وهو كاتب في الصحف والمجلات كما أنه متحدث دائم في كثير من الندوات وورش العمل. وقد اطلعت على سيرته الذاتية فوجدت بها إشارة إلى أكثر من ستين كتاباً أو دراسة أو ورقة. ولست أدعي أنني قرأتها كلها ولا حتى أغلبيتها، ولكني أزعم أنني قرأت الكثير منها بما يكفي لإعطاء لمحة – قاصرة حقاً – عن بعض إسهاماته الفكرية.

بعد أن أثبت قدراته العلمية في رسالة متميزة للدكتوراه تم نشرها في فرنسا، أعد كتاباً لا يقل امتيازاً في “الاقتصاد السياسي” على ما سبق أن أشرت، اتجه إسماعيل صبري في كتاباته إلى التعرض إلى القضايا الحية التي تواجه الاقتصاد المصري أو العربي. وهو هنا يكتب كمفكر ملتزم يجاوز حدود الاقتصاد الضيقة، فتختلط في كتاباته الخلفية الاقتصادية بالبعد التاريخي والثقافي في موقف سياسي ملتزم بمبادئه التي آمن بها. فهو يكتب عن “القطاع العام”، وعن “النظام الاقتصادي العالمي الجديد” وعن “التنمية العربية” و”وحدة الأمة العربية” وعن “مصر التي نريدها” وعن “قضايا أساسية في السياسة الاقتصادية”. أما الدراسات فهي تتراوح بين “أزمة العملات القوية ومشكلة السيولة” و”المرأة العربية والتنمية”، و”استراتيجية التصنيع في البلاد العربية” و”العرب بين التنمية القطرية والتنمية القومية” و”الديمقراطية داخل الأحزاب وفيما بينها” و”استراتيجية التكنولوجيا” و”نظرات في تجربة تخطيط التنمية في الوطن العربي”، و”الأبعاد والحقيقة لمشكلة السكان في مصر” و”بعض الأفكار حول العلاقات مع السوق الأوروبية الموحدة” و”أفكار حول التعليم الأساسي والقرن الحادي والعشرون” و”التنمية المطردة”… والقائمة طويلة، وأطول منها مقالاته في مجلات الطليعة وفي مصر المعاصرة وغيرها من المجلات. ويصعب في الوقت المحدود أن أتوقف عند كل هذه الكتابات، ولذلك سوف أختار عدد قليل منها للتعليق، وليس فقط لأنني على معرفة بها بل لأنها تركت في نفسي تأثيراً قوياً وبعضها قرأته منذ سنوات طويلة خلت.

وأبدأ بمقال عن “أزمة العملات القوية ومشكلة السيولة”، وقد نشر هذا المقال عام 1965 في مطبوعات البنك المركزي. وقد كان هذا المقال هو الأساس في فهمي لطبيعة النظام النقدي الدولي، والدور الذي يقوم به الدولار الأمريكي باعتباره عملة الاحتياط العالمي مما يعطي للولايات المتحدة دوراً شبيهاً بدور البنك المركزي العالمي وبالتالي القدرة على التمتع بما يعرف بحقوق الإقطاعي Seigneurage Rights بأن يحقق كسباً أو ريعاً لمجرد قيامه بهذا الدور. وقد أفردت في كتابي “نظرية التجارة الدولية” 1968 فصلاً للسيولة الدولية اعتمدت فيه اعتماداً أساسياً على هذا المقال الهام. ومنذ شهور قليلة – وبمناسبة رأس السنة – دعتنا الدكتورة هبة حندوسة إلى حفل عشاء – أيضاً بمناسبة بلوغ الدكتور إسماعيل صبري عبدالله الثمانين. وفي هذا اللقاء أبلغني الدكتور إسماعيل صبري أنه أعجب بمقالي في الأهرام عن “الدولرة”. ولم يرد على خاطري آنذاك أن أذكر له أن هذا دين قديم أدين به له. والآن وأنا أعد لهذه المحاضرة تذكرت مقال الدكتور إسماعيل سابق الإشارة إليه، وأنه كان في الحقيقة الأساس – في عقلي الباطن – لمقالي عن “الدولرة”، بعد أربعين عاماً من مقال إسماعيل صبري عن “أزمة العملات القوية”. ولعله هو نفسه لم يلاحظ أن “دولرتي” في بداية الألفية الثالثة إنما هي نبت لمقاله عن “العملات القوية” في الستينات من القرن الماضي. أو لعله أدرك ذلك – ربما بعقله الباطن أيضاً – وأراد أن يختبر ذاكرتي. والآن أقولها عالياً، شكراً يا دكتور إسماعيل، فقد كان مقالك عن “أزمة العملات القوية” هو الأساس في فهمي للنظام النقدي الدولي.

لا أعتقد أن الوقت سيسمح لي باستعراض والتعليق على كل ما كتبه إسماعيل صبري في تنوعه وتعدده، ولكنه اقتصر على ملاحظة أو اثنتين. الملاحظة الأولى هي أن إسماعيل صبري في كتاباته عن التنمية كان دائماً شديد الاقتناع بضرورة التنمية القومية على المستوى العربي، وكتاباه عن الاقتصاد العربي تؤكد عمق شعوره بالبعد العربي في مصر لأسباب تاريخية عميقة فضلاً عن أهميتها الاستراتيجية. والملاحظة الثانية هي أن إسماعيل صبري قد أدرك بحاسته الصادقة أن الاقتصاد أكبر بكثير من الكميات الاقتصادية التي يتحدث عنها الاقتصاديون؛ من استثمار وادخار، أو سياسة نقدية أو مالية عامة أو واردات وصادرات. وأما أن يضع إسماعيل صبري تحليلاته في الإطار التاريخي الأوسع لتطور النظم الاقتصادية وأوضاع قوى الإنتاج وتناقض المصالح، فهذا أمر متوقع من مفكر ماركسي. ولكن إسماعيل صبري لم يكتف بذلك بل وضع مستقبل الأجيال إن لم يكن مستقبل الكوكب الذي نعيش فيه في بؤرة اهتمامه. فكان من القلائل الذين أولو أهمية كبرى لقضايا البيئة. وليس غريباً أن يهتم إسماعيل صبري بالبيئة. فالحديث عن البيئة هو حديث عن حقوق الأجيال المستقبلة، فالعالم وموارده أمانة في أيدينا أمام هذه الأجيال القادمة. وليس غريباً على أستاذ التخطيط المهموم بقضايا المستقبل أن تكون البيئة في صلب اهتماماته. ولكنه اهتم أيضاً بقضايا المرأة وقضايا الطفل والتنمية البشرية، كما كان للتعليم والسكان والتكنولوجيا مكانها البارز في اهتماماته. وأخيراً سوف يكون تقصيراً بالغاً مني إذا لم أشير إلى اهتمام إسماعيل صبري بالقضايا الدولية، الموقف من الاستعمار، إسرائيل فضلا عن القضايا النظرية لكل من الاشتراكية والرأسمالية والديمقراطية.

ذكرت أن إسماعيل صبري ظل مؤمناً بالاشتراكية وبالتالي بأهمية التخطيط. فماذا قدم في هذا المجال. لم يكتف بأن يدير معهد التخطيط لفترة هي من أزهى فتراته، ولا أن يتولى وزارة التخطيط، بل أنه – وبعد أن تحرر من أعباء الوظيفة العامة – انطلق لإدارة مشروعين لتخطيط المستقبل العربي والمصري، فأدار – بالاشتراك مع الدكتور إبراهيم سعد الدين – مشروعاً للمستقبلات العربية البديلة (1981-1986) لحساب جامعة الأمم المتحدة، وهو يدير حالياً مع كل من الدكتور إبراهيم سعد الدين والدكتور إبراهيم العيسوي، مشروعاً بحثياً “مصر 2020” وقد صدر بصددها عدة دراسات في مختلف المجالات. وما أحب أن أنوه إليه هنا هو نظرته العميقة لمفهوم المستقبل. فإذا كان إسماعيل صبري كصاحب رسالة مؤمناً بالتخطيط فلابد وأن ينشغل بالمستقبل. والمستقبل عنده ليس أمراً حتمياً مقرراً بل هو تفاعل بين الحاضر وسياساته وبين هذا المستقبل. المستقبل ليس عملية ميكانيكية أو حسابية وإنما هو خيار وإرادة، ومن هنا أهمية لفظ “المستقبلات”، فنحن لسنا أمام مستقبل أو سيناريو واحد بقدر ما نحن أمام مستقبلات متعددة بقدر ما لدينا من خيال وعزيمة.

لقد تحدثت عن جانب واحد من حياة إسماعيل صبري، وذلك ما ظهر في شكل كتب أو مقالات أو حوارات. وأهملت جانباً آخراً، وهو دوره السياسي لأنني لم أعرفه بشكل كاف. ولا أشك في أن زملائه وإخوانه في العمل السياسي أقدر مني على إعطائه ما يستحق من اعتراف في هذا المجال. ولكن أذكر فقط واقعة ذكرها لي الصديق محمد سيد أحمد عن إسماعيل صبري. لقد ذكر لي بعض قصص التعذيب في الاعتقال، وأن إسماعيل صبري كان يتحمل ذلك في صمت وصبر وكبرياء. وأنه سأله مرة، متساءلاً، ماذا سنفعل مع نظام عبد الناصر بعد الخروج من الاعتقال بعد أن رأينا ما رأيناه؟ فكان جواب إسماعيل صبري، بأننا سوف نؤيده بالقطع لأنه يأخذ مواقف وطنية صلبة في مواجهة قوى الاستعمار الخارجية. هذا هو إسماعيل صبري. أمام المبادئ والقضايا الكبرى تتلاشى المصالح والحسابات الشخصية. فالوطن وهمومه أكبر من أية من مكافأة أو عقوبة ينالها فرد.

بقي أن أقول كلمة ونحن نتحدث هذه الأيام عن الحرية والديمقراطية. إسماعيل صبري والجيل الذي ينتمي إليه ليس نبتاً منعزلاً بل هو ابن الجيل الذي ولد فيه. لقد ولد إسماعيل صبري في منتصف العشرينات بعد ثورة 1919 ومع إرهاصات العهد الليبرالي. وفي هذا الوقت لم يصدر الدستور فقط وتجرى الانتخابات، بل هو أيضاً الوقت الذي سمح بحرية الكلمة، فكانت كتابات طه حسين وعلي عبد الرازق. وعندما دخل إسماعيل صبري الجامعة في بداية الأربعينات كانت مصر مسرحاً لمختلف التيارات السياسية والاجتماعية. فلم يكن غريباً أن يظهر من أبناء مصر في هذا الجيل – على اختلاف توجهاتهما – إسماعيل صبري اليساري وسعيد النجار الليبرالي. وكلاهما وطني أصيل وصادق ومخلص. ومن أسف فإن الحرية السياسية والتي عرفتها مصر – متقطعة وناقصة ولكنها موجودة – تراجعت أو تلاشت منذ الخمسينات. ولم تستطع مصر أن تحقق كل ما تصبو إليه من أبناء لها مثل إسماعيل صبري وغيره كثيرون. وكان للسلطة حسابات وأفعال تحتار معها العقول، فعندما مالت مصر منذ نهاية الخمسينات إلى الأخذ بالأفكار الاشتراكية فيما أطلق عليه حينذاك “الاشتراكية العربية”، فإنها وضعت إسماعيل صبري الاشتراكي في السجن والمعتقلات، وعندما بدأت السلطة تعد العدة لتدير ظهرها لهذه الاشتراكية فيما أطق عليه “الانفتاح” في بداية السبعينات، فإنها أدخلته هذه المرة إلى الوزارة ولكنها أيضاً الوزارة التي بدأت حرب التحرير في أكتوبر 1973. وكم في مصر من مضحكات مبكيات.

وفقكم الله، ومتع أستاذنا الدكتور إسماعيل صبري وزميله الدكتور محمد محمود الإمام بالصحة والعافية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *