ذكريات عروبية

يثير الحديث عن العروبة عادةًَ شجوناً وأحاسيساً متفاوته، فلا يخلو الأمر من اختلاف وجهات النظر وتعدد في المواقف السياسية إزائها. فهناك عدد كبير ـ أعتقد أنه يمثل الأغلبيةـ يؤمن بشكل أو بآخر بصيغة للقومية العربية مصحوبة بدرجات مختلفة بين التفاؤل والتشاؤم حول مستقبلها. ولكن هناك أيضاً من له اعتراضات على هذا المفهوم ولايرى من ورائه نفعاً كبيراً. وهكذا تتعدد الآراء والمواقف المذهبية إزاء هذا المفهوم. وليس غرضي من هذا المقال أن أكتب رأياً سياسياً أو أتخذ موقفاً فلسفياً من هذه القضية. ولكني أود أن أشارك القارئ بعضاً من تجربتي الشخصية في هذا الصدد والتي أعتقد أنها تشابه تجارب العديدين من أبناء جيلي.

وأبدأ بالإشارة إلى أنني أكتب هذا المقال من إحدى القرى السياحية على البحر الميت بالأردن، بمناسبة انعقاد الاجتماع السنوي للمؤسسات المالية العربية والتي أشارك فيها. فعند وصولي إلى مطار عمّان، ومنه في الطريق إلى البحر الميت، سألني السائق عما إذا كنت قد زرت عمّان من قبل أم أن هذه هي الزيارة الأولى؟ وذكرت له، إنها ليست المرة الأولى فقد تعددت زيارتي لعمان بل أنني قد عشت فيها لما يقرب من ثلاث سنوات، عندما كنت أعمل في الأمم المتحدة. وهنا اكتشفت أنني أمضيت ما يقرب من نصف عمري المهني في دول عربية مختلفة. فبعد أن عدت من البعثة وعينت مدرساً في جامعة الإسكندرية أمضيت بها ثلاث سنوات قبل أن تتم إعارتي إلى جامعة الكويت عند بداية إنشائها، حيث عملت مدرساً ثم أستاذ مساعداً بها وذلك قبل أن أعود من جديد لجامعتي في الإسكندرية. وبعدها بسنوات قليلة أُنشئ الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي فعدت معاراً للعمل به ثم ببنك الكويت الصناعي ثم رجعت إلى مصر لتولي مسئولية إنشاء البنك المصري لتنمية الصادرات حيث أمضيت به ما يزيد قليلا على عشر سنوات، وذلك قبل أن يتم اختياري للعمل في الأمم المتحدة وكيلاً للأمين العام وأميناً تنفيذياً للجنة الاقتصادية لغرب آسيا (الأسكوا)، حيث كان مقرها في عمان ثم انتقل المقر إلى بيروت. وبعد انتهاء خدمتي في الأمم المتحدة قبلت العمل مستشاراً لصندوق النقد العربي بأبوظبي. وهكذا أمضيت ما يقرب من ربع قرن في العمل في الكويت والأردن ولبنان والإمارات، ومثلها تقريباً في القاهرة الإسكندرية.

ولذلك فإن موضوع العروبة بالنسبة لي ـ كما بالنسبة للعديدين من أبناء جيلي ـ ليس مجرد شعار سياسي أو مبدأ مذهبي، وإنما هي حياة حافلة بالذكريات والإنجازات والإحباطات. وهي في جميع الأحوال ذكريات عزيزة على نفسي، بل هي جزء منها. ولا يختلف هذا الأمر بالنسبة لأسرتي، فاثنين من أولادي الثلاثة ولدا في الكويت، وثلاثتهم أمضوا فترة هامة من حياتهم المدرسية في الكويت. ولعلي أضيف أنني عندما ذهبت إلى الكويت في منتصف السبعينات، كانت الكويت ـ وقتها ـ تعيش أزهى فتراتها، وقد تجمع فيها زمرة من أفضل العقول العربية من مصر كما من سورية ولبنان والعراق وفلسطين وغيرها. وأذكر أنني تعرفت في الكويت على عدد هائل من الشخصيات المصرية التي أعتز بها. فقد عاصرت في هذه الفترة بعضاً من زملائي، إبراهيم شحاتة ونور فراج، وكذا جلال أمين وسمير تناغو وهشام صادق، ومن الصحفيين فهمي هويدي ومحمود السعدني ومصطفى نبيل ومن أساتذتي والجيل السابق سعيد النجار وزكريا نصر وحسن كيرة وكمال أبو المجد ويحيى الجمل. كما كانت فرصة لكي أتعرف عن قرب بالمرحومين زكي نجيب محمود و أحمد بهاء الدين. والقائمة طويلة.

وكانت معظم المؤسسات التي عملت بها خارج مصر مؤسسات دولية إقليمية أو عالمية. فقد ذهبت إلى الكويت في منتصف السبعينات للعمل في الصندوق العربي للإنماء عند بداية إنشائه، وهو مؤسسة عربية تضم جميع الدول العربية، حيث كانت الآمال واسعة وعريضة حول إنشاء نظام اقتصادي عربي في أثر حرب أكتوبر وثورة النفط الأولى. وقد توافرت وقتها الأموال للمنطقة العربية، مما ساعد على انطلاق تطلعاتنا لإرساء الأساس لاقتصاد عربي متقدم وحديث. أذكر أنني كننت مسئولاً في الصندوق العربي عن متابعة السودان والصومال وموريتانيا. ومن الطريف والمحزن معاً أن نقارن بين أحلامنا آنذاك، وبين حاضرنا الآن.

وقد كان الاعتقاد في ذلك الوقت أن المنطقة العربية تتمتع أيضاً بمصادر كثيرة للثروة الطبيعية ولا يحتاج الأمر إزائها إلا إلى الأموال لاستثمارها، وها هي قد توافرت الأموال بعد ثورة النفط. وبذلك كانت الآمال معقودة في ذلك الوقت على وفرة الأراضي الزراعية في السودان (قيل يومها أن مائتي مليون فدان في السودان تنتظر الاستثمار)، فأنشئت “الهيئة العربية للاستثمار الزراعي” لكي تجعل من السودان سلة الخبز للوطن العربي. وكانت موريتانيا تتمتع بمناجم واسعة للحديد وثروة سميكة هائلة، أما الصومال فرغم أنه كان فقيراً، فقد كان ـ على الأقل ـ بلداً مستقراً وهادئاً. وعندما أنظر الآن إلى أحوال السودان وموريتانيا والصومال وما أصابها من عدم استقرار وأزمات، أشعر كم كانت سذاجتنا كبيرة حين تصورنا أن مجرد توافر الأموال كاف لتحويل هذه البلدان إلى أراضي يانعة ومزدهرة. فالسودان يعاني الآن من مشاكل في الجنوب كما في الغرب، وموريتانيا في انقلابات متتابعة، وليس من الأكيد أن الصومال مازال قائماً كدولة. ويا له من فارق شاسع بين آمال وطموحات الأمس وبين حقائق اليوم.

وجاءت المحطة الثانية للعمل في المؤسسات الدولية عندما انتقلت للعمل في الأمم المتحد مسئولاً عن اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا، وهي تضم جميع الدول العربية في المشرق العربي، وأخيراً مستشاراً لصندوق النقد العربي الذي يضم بدوره جميع الدول العربية.  وفي كل هذه الأماكن عملت جنباً إلى جنب مع زملاء من معظم الدول العربية. وكان هناك دائماً مصريون ولكن كان هناك أيضاً سودانيون وسوريون ولبنانيون وخليجيون وعراقيون وفلسطينيون ومغاربة وتوانسة وهكذا. وبين أولئك وهؤلاء، كانت هناك عناصر ممتازة، وعناصر أقل امتيازاً، ولكني لم أشعر قط باختلافات واضحة تميز بينهم. هناك قليل من الاختلافات في اللهجة، ولكن الإنصاف يقتضي القول بأن اللهجة المصرية كانت غالبة.

وتحتاج قضية اللغة العربية إلى وقفة. فرغم كل ما يقال عن تدهور الأوضاع العربية الحالية في مختلف المجالات، فإن التقارب في اللهجات العربية قد ازداد بشكل واضح خلال الخمسين سنة الأخيرة. فعلى عكس الأوربيين والذين تكلموا باللاتينية مع الدولة الرومانية، فإن هذه اللغة تحللت مع الزمن إلى لغات مستقلة: فرنسية، إيطالية، برتغالية، اسبانية. أما العربية، ورغم ما عرفته من تمايز في اللهجات خلال القرون الماضية، فقد حققت خلال الخمسين عاماً الماضية تقارباً حقيقياً وملحوظاً، ليس فقط فيما بين الطبقة المثقفة، وإنما على المستوى الشعبي. وإذا كانت اللغة العربية الدارجة تتقارب يوماً بعد يوم، فإن الجميع يعترف بأن الفضل في ذلك يرجع إلى ما لعبته السينما والأغاني المصرية من دور في هذا التقارب. ولكن هناك دوراً أكثر أهمية وهو دور المدرسين المصريين الذين انتشروا في معظم أرجاء الوطن العربي في الخمسينات والستينات والسبعينات. وبالأمس، وحيث دعيت إلى عشاء بمناسبة اجتماعات المؤسسات المالية العربية، جلست على مائدة تضم مجموعة من اليمنيين والمصريين، وتناول الحديث اتجاه اللهجات العربية إلى التقارب. وأكد الإخوة اليمنيون أن الفضل في هذا التقارب يرجع إلى الدور الذي لعبه المدرسون المصريون، بل ذكرني أحدهم بأن فضل مصر على “اليمن الحديث” لايمكن التغاضي عنه، وأن أحد رؤساء الوزراء اليمنيين، قد عبر عن ذلك بالقول بأنه إذا كان صحيحاً أن “مصر هبة النيل”، فإن “اليمن الحديث هو هبة مصر”. وبطبيعة الأحوال، فإن ما فعلة المدرسون المصريون في اليمن بتوسيع انتشار اللهجة المصرية إنما هو رد الجميل. فالعربية دخلت مصر على يد القبائل اليمنية، ومن هنا فإن لهجة مصر هي في الأصل لهجة يمنية. فهي بضاعة نردها لأهلها.

ورغم كل ما يقال عن سوء معاملة المصريين في بعض الدول العربية، فإنني لم ألحظ شيئاً من ذلك خلال تجربتي الشخصية، بل لعل العكس هو الصحيح.ولعلي أذكر بهذه المناسبة بعض ذكرياتي الشخصية عما يكنه الكثيرون من العرب لمصر. فأذكر أنني كلفت، عندما كنت أعمل في الأمم المتحدة، بتسليم رسالة من الأمين العام للأمم المتحدة (بطرس غالي) إلى أمير البحرين، في ذلك الوقت، لحثة على دعم اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا، التي كنت مسئولاً عن إدارتها، وإذا بالأمير (الراحل) بعد أن استفسر عن جنسيتي، يكيل المديح لمصر وفضلها على الأمة العربية. وسألني أخوه ـ وكان وما يزال رئيساً للوزراء ـ عن “آخر نكتة في مصر”. وعندما عرف أنني من أصول “صعيدية”، قال ضاحكاً: “ولكن لابد أنك تخضع للعلاج!”، فأجبته “للأسف، لايوجد علاج لهذه الآفة”. وأذكر أيضاً كيف أن المرحوم رفيق الحريري كان يقول لي “أنه لا صلاح للأمة العربية دون نهضة مصر”. وعندما كنت أتناول العشاء على مائدة المرحوم إلياس هراوي، رئيس جمهورية لبنان، أبدى استياؤه الشديد نظراً لأن مسلسل “أم كلثوم”، وكان يعرض على شاشات التلفزيون في تلك الآونة، قد تجاهل صلة أم كلثوم بلبنان، البلد الذي كانت تحبه وتعشقه وتزوره، قائلاً: كيف تنسون هذا، “أم كلثوم لنا جميعاً وليست لكم وحدكم”.

قد تكون العروبة فكرة أو نظرية أو مذهب سياسي، ولكنها بالنسبة لي، كما للكثيرين غيري، هي تجربة حياة بتفاصيل عديدة وصغيرة وحميمة لي ولأسرتي، فهي نصف عمري الناضج. حقاً، قد يكون النصف الثاني من القرن العشرين هو عصر النكبات للأمة العربية، ولكنه كان أيضاً الأوفر حظاً في تلاقي ملايين العرب مع بعضهم البعض في حياة حميمة في مختلف البلدان العربية في مكاتب العمل أو محل الإقامة أو معاهد الدراسة أو اللقاءات المهنية. وأعتقد أنه ـ ربماـ لم يلتق العرب ببعضهم البعض على هذا المستوى العريض والمتنوع من مختلف البلدان كما يحدث الآن، ليس فقط في إطار المعيشة المشتركة في نفس البلد، بل أيضاً في مباشرة أنشطتهم المهنية. فهناك لقاءات متعددة للمهندسين العرب كما للأطباء العرب أو الاقتصاديين العرب، وهلم جرا. وكم من مرة ألتقي في طائرة أو في بلد أجنبي بشاب من الجزائر أو سوريا أو اليمن أو العراق ليقول لي أنه درس على كتبي في الاقتصاد.

قد تختلف مصر مع قطر أو مع سورية أو تتوتر العلاقات بين سورية ولبنان أو حتى تحتل العراق أراضي الكويت، ولكن يظل العرب في مجموعهم يضحكون لأفلام عادم إمام ودريد لحام أو يستمتعون بأشعار نزار قباني وأحمد فؤاد نجم ويصفقون لحصول نجيب محفوظ وأحمد زويل على جائزة نوبل بل وحتى لفوز مصر بكأس أفريقيا، تماماً كما يحزنون عندما يرون ما وصل إليه الوضع السياسي العربي. العروبة أكبر وأعمق وغالباً أبقي مما يطفو على السطح من خلافات سياسية هنا وهناك. فالحكام زائلون والشعوب وحدها الباقية.

والله أعلم.

الأهرام : 21 يونيو 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *