رائحة النقود

وافق مجلس الشعب المصري منذ فترة قصيرة على تشريع لمناهضة غسيل الأموال. والغرض من هذا القانون هو محاربة تهريب الأموال ذات المصادر غير المشروعة أو التي تتجه لإستخدامات غير مشروعة وكشف هويتها تمهيداً لمصادرتها, وهو أمر بدأ المجتمع الدولي في الإهتمام به منذ فترة غير بعيدة ثم أصبح بعد أحداث 11 سبتمبر هاجساً مسيطراً على الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، وبالتالي أصبح أحد أهم مشاغل السياسة الإقتصادية الدولية.

ويمكن من زاوية معينة أن يعتبر هذا التطور نقطة فاصلة في تاريخ النقود. فالنقود إكتشاف بشري بالغ الأهمية، ويمكن القول – بقدر من المبالغة – أن هذا الإكتشاف ربما، مع إكتشاف النار ثم الكتابة، هو أحد أهم ثلاثة إكتشافات بشرية. فإكتشاف النار أعاد الليل لسيطرة الإنسان، ووفر له الدفء، والأهم من ذلك فتح له باب تشكيل المواد فأصبح الإنسان وحده من دون الكائنات صانعاً. وأما الكتابة فقد سجلت الأحداث التاريخية وبالتالي وسعت رقعة المعرفة والمعلومات المتاحة له، وأصبح خيال وذاكرة الإنسان وتجربته مجالاً واسعاً يجاوز حياته القصيرة ويمتد إلى الأجيال السابقة والجماعات البعيدة. وهكذا بدأ الإنسان يضع قدميه على طريق التقدم بأن يضع تجربته الإنساينة المتاحة في خدمة حاضره ومستقبله. وأخيراً جاء إكتشاف النقود ففتح له باب الحساب الإقتصادي والمقارنة بين التكاليف والعوائد، والمقارنة بين منافع السلع المختلفة، وتقييم الحاضر والمستقبل. وبذلك أدخل فكرة التقدم والإزدهار الإقتصادي في ذهن الإنسان. وهكذا يمكن القول بأنه مع إكتشاف النار خرج الإنسان من سيطرة الطبيعة ليصبح سيدها يشكلها ويصنعها، ومع إكتشاف الكتابة إتسعت تجربة الفرد لتستوعب التجارب السابقة، وعرف الإنسان فكرة تراكم المعرفة وبالتالي بناء الحضارات، وأخيراً مع إكتشاف النقود أصبح سلوك الإنسان رشيداً فعرف المبادلات لإختيار أفضل ما هو متاح في الحاضر، وأهم من ذلك عرف الإستثمار والمقارنة بين الحاضر والمستقبل مما فتح أمامه باب التقدم.

والنقود ليست هي الثروة وإنما هي حق على هذه الثروة والوسيلة لتحقيقها. أما أن النقود ليست الثروة فيرجع إلى أن الثروة هي السلع والخدمات التي تشبع حاجات الإنسان، أما النقود فهي ليست أكثر من مجرد حق على هذه الثروة تمكن حائزها من الحصول على الثروة (السلع والخدمات) من السوق، فمن يملك النقود لا يستطيع بها – وحدها – أن يُشبع أية حاجة له أو لغيره – ما لم يكن من هؤلاء البخلاء الذين أشار إليهم فيكتور هيجو والذين يجدون لذة في مجرد عد نقودهم أو النظر إليها. ولكن النقود تعطي لصاحبها الحق في الحصول من خلال السوق على أية سلعة يريدها لإشباع حاجة له. فالنقود لا تشبع الحاجات مباشرة، ولكن فقط بشكل غير مباشر بعد إستبدالها بالسلع أو الخدمات. ومن هنا نقول أن النقود حق على الثروة تمكن صاحبها من الحصول على أي عنصر من الثروة. فالعلاقة بين النقود والثروة، كالعلاقة بين المنزل وسند الملكية لهذا المنزل. المنزل وحده جزء من الثروة لأنه يشبع الحاجة إلى السكن والموئل. أما سند الملكية فهو الذي يعطي الشخص الحق في التعامل في هذا المنزل، إما بإستخدامه لنفسة أو بمبادلته لشخص آخر بتحويل الملكية إليه.

وإذا لم تكن النقود هي الثروة ذاتها فإنها وسيلة تحقيق الثروة. فعن طريق النقود تزداد المبادلات ويتحقق بالتالي التخصص وتقسيم العمل مما يؤدي إلى زيادة الكفاءة وفتح الباب أمام الإكتشافات والمخترعات الفنية. كذلك فإن النقود تشجع على الإدخار والإستثمار بما توفره لكل من المدخر والمستثمر من وسيلة يحفظ بها حقوقه في المستقبل. والإدخار والإستثمار هما دعامة التقدم وزيادة ثروات الأمم. كل هذا معروف ولا جديد فيه. ولكن الجديد يأتي من أن مشكلة مناهضة غسيل الأموال تعيد إلى النقود صفة جديدة كانت قد تخلصت منها منذ بدايتها الأولى. وهي أن النقود لا شخصية ولا تاريخ لها. ولذلك كان يُقال بأن النقود لا رائحة لها. والجديد هو أن قوانين مناهضة غسيل الأموال تحاول أن تكشف عن رائحة النقود، وأن تعاقب النقود ذات الروائح الكريهة. فكيف؟

تذكر لنا كتب تاريخ النقود، أن هذه النقود قطعت رحلة طويلة تحولت فيها من مرحلة النقود السلعية إلى مرحلة النقود المعدنية إلى مرحلة النقود الورقية وأخيراً إلى مرحلة النقود الإئتمانية ثم الإلكترونية. ففي المرحلة الأولى قام بدور النقود سلعة ذات إنتشار واسع مثل الأغنام والماشية. وفي هذه الحالة كانت هذه السلع تجمع بين دورها كسلعة تستخدم في ذاتها  – اللبن أو اللحم – كما تستخدم أيضاً في المبادلات كنقود. وفي مرحلة ثانية وُجد أن إستخدام المعادن أفضل من السلع الأخرى لأنها لا تهلك فضلاً على أنها أكثر تجانساً، وقام الذهب والفضة بدور خاص في هذا الصدد. وفي مرحلة ثالثة ظهرت النقود الورقية – البنكنوت – كسندات تصدرها البنوك المركزية إعتماداً على الودائع من النقود الذهبية أو الفضية في أول الأمر، ثم إستقلالاً عن ذلك بعد تطور طويل. وأخيراً تحررت النقود حتى من طبيعتها المادية فلم تعد سلعة أو معدن أو حتى ورق إنما أصبحت مجرد قيود حسابية تظهر في البنوك والمؤسسات المالية بإسم دائن معين له حق التصرف فيها عن طريق الشيك أو الحوالات أو حتى بمجرد التوقيع على بطاقات الإئتمان. وفي كل هذا نجد أن تطور النقود هو نحو تجردها تدريجياً من أي مظهر مادي، إنتقالاً من السلعة أو المعدن الماديين إلى مجرد قيد محاسبي في حسابات البنوك. وهي أيضاً في تجردها المادي قد أصبحت متجانسة تجانساً كاملاً. فلا يوجد جنيه أفضل من جنيه آخر أو دولار أكثر فضلاً من دولار آخر. وفي هذا التجانس واللامادية تفتقد النقود إلى أي صلة بالماضي ولا تتغير قيمتها بحسب شخصية الحائز لها، فهي كلها متشابهة لا فرق بين وحدة نقدية أو أخرى. ومن هنا قيل بأن النقود لا رائحة لها. أما قوانين مناهضة غسيل الأموال فإنها تريد الغور في تاريخ كل وحدة نقدية ومعرفة ما إذا كانت نتيجة عمليات غير مشروعة أو تتجه إلى إستخدامات غير مشروعه. فالنقود لم تعد والحال كذلك متجانسة ومتشابهة، بل أصبح هناك نقود مشروعة ونقود غير مشروعة. وتسعى القوانين الجديدة إلى تعقب النقود غير المشروعة ومحاربتها ومصادرتها وعقاب أصحابها. وأصبح عمل قوانين مناهضة غسيل الأموال هو محاولة الكشف عن رائحة لهذه النقود. ومن هنا نقول أن ظاهرة محاربة غسيل الأموال تعتبر نقطة فاصلة من تاريخ التطور النقدي، فهذا التاريخ كان بشكل عام تاريخ لمزيد من التجريد في شكل وطبيعة النقود، تتجرد فيه من كل مظهر مادي كما تتجرد من كل إعتبار شخصي. وها هي النقود تعود مع ظاهرة محاربة غسيل الأموال إلى الربط بين إعتبارات الإقتصاد في تجرد النقود من إي إعتبار خارجها من ناحية، وبين الإعتبارات الأخلاقية في مشروعية مصدر هذه النقود أو مشروعية أغراض إستخدامها من ناحية أخرى. وبذلك لم تعد وحدات النقود متجانسة، بل أصبح بعضها حلالاً والبعض الآخر حرام بحسب المصدر أو الغاية. وهكذا تداخل الإقتصاد مع الأخلاق. ونلاحظ أن الأموال غير المشروعة والتي تحاربها قوانين غسيل الأموال نوعان، الأول مصدره غير مشروع من تجارة سلاح أو مخدرات أو فساد سياسي أو رقيق أبيض، وهذه هي الغالبية من الأموال غير المشروعة وقد كانت الترتيبات السابقة تتجه بشكل عام لمحاربتها. أما النوع الثاني فهو ما يسمى أموال الإرهاب، وهذه غالباً ما تأتي من مصادر مشروعة وإنما هدفها غير مشروع وهو تمويل الإرهاب. أما مصادره فهي تأتي عادة التبرعات وغالباً ما تتم بحسن نيه. فعدم المشروعية يلحق الهدف هنا وليس المصدر. وقد بدأ الإهتمام بها بشكل واضح بعد أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، أما قبل ذلك فقد كان جل الإهتمام بالنوع الأول ذي المصدر غير المشروع. وغني عن البيان أن هذا النوع الثاني أصعب في التقصي، لأنه متعلق بالنوايا، والنوايا في الصدور.

وإذا كانت قوانين مناهضة غسيل الأموال تمثل مرحلة جديدة في تطور تاريخ النقود بإعادة الربط بين الإقتصاد وبين المشروعية من ناحية، والقفز على تجرد النقود للبحث فيما ورائها أو أمامها من تاريخ أو مستقبل وعلاقتها مع مختلف عناصر المجتمعات من المجتمع من ناحية أخرى، فإنها تثير في نفس الوقت قضية أخرى متعلقة بتركز القوة أو توزعها.

كثر الحديث على أن مصادر القوة في العصر الحديث تتراوح بين ثلاثة مصادر، القوة العسكرية والقوة الأيدولوجية والقوة الإقتصادية. أما القوة العسكرية فهي تتعلق بمدى ما يتوافر لجماعة أو دولة من أدوات للدمار والقتل والتشريد. وقد نجح المجتمع الدولي منذ عدة قرون على الوصول إلى إتفاق بأن القوى العسكرية لا تتاح إلا إلى الدول حيث تصبح الجيوش حكراً على الحكومات وحدها دون غيرها من الجماعات. ويقوم النظام الدولي بتنظيم هذه العلاقات بين الدول. وقد أمكن من خلال القانون الدولي وعلاقات التوازن تحقيق درجات متفاوتة من السيطرة على مخاطر القوة العسكرية. أما القوة الأيدولوجية فهي تتعلق بما يتوافر لجماعة أو دولة من أدوات للتأثير المعنوي على سلوك الأفراد والجماعات. وقد لعبت الأديان دوراً هاماً في هذا الصدد من الماضي، ثم تراجع تأثيرها بعد الثورة الصناعية ليحل محلها الأيدولوجيات العلماينة من فاشية ونازية ورأسمالية وشيوعية. وكان آخر معاركها الحديثة خلال الحرب الثانية ضد الفاشية والنازية ثم مع الحرب الباردة في صراع الرأسمالية والشيوعية. وبعد إنتهاء الحرب الباردة ظهرت دعوات للحديث عن حروب أيدولوجية جديدة وخاصة ضد الإسلام. وأما القوة الإقتصادية فإنها تتعلق بما يتوافر لجماعة أو دولة من أدوات للتأثير الإقتصادي في حجم الإنتاج أو توزيعه أو التأثير في سلوك الأفراد بشراء خدماتهم. وقد لوحظ في هذه القوة الإقتصادية ضرورة التمييز بين مظاهر الإقتصاد العيني من مصانع وموارد أولية وبنيات أساسية ووسائل نقل واتصالات، وبين المظاهر المالية من نقود وأدوات مالية (أسهم وسندات). وعلى حين أن مظاهر الإقتصاد العيني تبدو ظاهرة ومعرفة في المكان والزمان يمكن رصدها ومتابعتها، فإن المظاهر المالية بطبيعتها سائلة وموزعة سريعة الحركة والسيولة والإنتقال والإختفاء. ومن هنا خطورتها. ومن هنا أيضاً شعور المجتمع الدولي بأن ظاهرة غسيل الأموال – وخاصة فيما يتعلق بأموال الإرهاب – تمثل ثغرة لأنها موزعة ومشتتة وشائعة لا تستقر على حال، وبالتالي تمثل خطراً على الإستقرار، ومن هنا الحملة المسعورة ضد هذه الظاهرة لوئدها قبل أن تخرج عن العقال. ومن نفس المنطق نفهم الهوس من خطر إنتشار أسلحة الدمار الشامل حيث يمكن أن تخرج عن سيطرة الحكومات لتقع في قبضة جماعات يصعب التعامل معها. وهو نفس الهوس الذي يضخم من الخطر الإسلامي، الذي يرى فيه قوة أيدولوجية يمكن أن تحرك الأفراد بعيداً عن سيطرة الحكومات. وهو أمر تزداد خطورته إذا إجتمع لها إمكان الحصول على أسلحة الدمار الشامل مع القدرة على إجتذاب الأموال وبالتالي إمكان إستخدامها القوة المالية. فالسيناريو الكابوس يرى في الجماعات الإسلامية المنتشرة على مختلف بقاع الأرض بؤراً يمكن أن تتجمع لها القوى العسكرية، مع إنتشار أسلحة الدمار الشامل، والقوى الإقتصادية مع سيولة الأموال، والقوى الأيدلوجية مع تأثيرها المعنوي. وهو كابوس مزعج تعمل أوساط عديدة على الترويج له.

لقد قام المجتمع الدولي منذ القرن السادس عشر على أساس الدولة الوطنية صاحبة السيادة والتي تتحكم في القوة العسكرية والقوة الإقتصادية والقوة الأيدلوجية داخل حدود أراضيها. ويواجه هذا المجتمع الدولي خطر تسرب القوى العسكرية والإقتصادية والأيدولوجيه إلى مراكز أخرى غير الدولة، ومعها يسقط النظام الدولي الذي إستمر لما يزيد على أربعة قرون. إن التكنولوجيا التي أدت إلى تركز القوى الإقتصادية والإيدولوجية والعسكرية في يد الدولة مع بداية الثورة الصناعية، تهدد الآن بتوزيع هذه القوى وإنتشارها خارج سيطرة الدولة مما قد يقوض من أساس النظام الدولي الذي عرفناه لقرون مضت. الأسلحة أصبحت في حوزة الجماعات والهيئات، والثروة تنتقل بين أيادي الشركات والجمعيات، والدعوات الأيدلوجية تقوم عليها هيئات دينية أو سياسية متعددة، وسيادة الدولة تبدو عاجزة أمام هذه التطورات. فيا له من عالم مغاير لما عرفه النظام الدولي للقرون الأربعة الماضية.

والله أعلم،،

 الاهرام: 16.6.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *