رحيل فارس من جيل مظلوم

علمت بوفاة لطفي الخولي وأنا خارج البلاد في مهمة للأمم المتحدة في جنيف‏.‏ والحنين إلي الوطن وأبنائه يزداد مع الاغتراب‏.‏ وقد وقع الخبر علي كصدمة‏,‏ فمنذ أيام قليلة كنت أراه علي شاشة التليفزيون في حديث مع عماد أديب حول مستقبل منطقتنا‏.‏ وكان مليئا بالحياة والأمل‏.‏ ولا حول ولا قوة إلا بالله‏!‏
معرفتي بلطفي الخولي ليست قديمة ولا عميقة‏,‏ ولكن كانت هناك مودة وتقدير متبادلين‏.‏ ولست أفضل من يتحدث عن لطفي الخولي‏,‏ فهناك العديد من أصدقائه وزملائه الذين يمكنهم الحديث عن مناقبه وربما أيضا بعض مثالبه‏,‏ فقد كانت حياته مليئة بالأحداث والمواقف‏,‏ غنية بالمشاعر والأحاسيس‏.‏ وفي جميع اللقاءات التي عرفت فيها لطفي الخولي كنت أشعر معه بتدفق الأحاسيس وعمق الحيوية وحب الحياة‏.‏ كان لطفي الخولي ماركسيا‏,‏ ولكن من نوع مختلف‏,‏ فكثيرا ما كانت له مواقف ربما أزعجت العديد من زملائه الماركسيين‏.‏ ولعله كان متمردا أكثر مما كان ماركسيا‏,‏ وكثيرا ما تمرد علي الماركسية نفسها‏.‏ ومع تمرد ه فلم يكن دائما بعيدا عن السلطة‏.‏ بل كانت له دائما معها علاقة ملتبسة فهو منها وليس معها‏.‏ تولي مسئولية مجلة الطليعة مع عبدالناصر‏,‏ وأطلق مع السادات ـقبل أن ينقلب عليهـ فكرة المدرسة الساداتية لتفسير بعض خطواته التي انغلقت في ذلك الوقت علي معظم اليساريين‏,‏ ومع مبارك لم يكن بعيدا عن مصدر القرار‏.‏
وليس غرضي هنا التعرض لحياة لطفي الخولي‏,‏ وهي مسيرة مليئة بالأحداث والدروس‏,‏ ولكن أود أن أشير إلي لطفي الخولي باعتباره واحدا من جيل أدي لمصر خدمات عظام‏,‏ ولم ينل معظم أبناء هذا الجيل ما يستحقونه‏.‏ وها نحن نفقد الواحد بعد الآخر من هذا الجيل المظلوم‏.‏ بالأمس فقدنا علي الراعي‏,‏ واليوم لطفي الخول‏.‏ هذا الجيل الذي تفتح علي الحياة العامة قبل نهاية الحرب العالمية الثانية في وقت كانت تفتعل في مصر والعالم مختلف التيارات لبناء عالم ما بعد الحرب‏.‏
وقد تميز هذا الجيل بالانفتاح علي العالم ومذاهبه‏,‏ ولم يكن منغلقا علي نفسه وتجربته المحدودة‏.‏ ورأينا بينهم من ذهب في اتجاهات يسارية أو ماركسية‏,‏ ومن ذهب إلي اتجاهات ليبرالية‏,‏ وكانت الوطنية عند الجميع أمرا مقدسا فوق كل اعتبار‏.‏ هذا الجيل الذي شرب من فكر النهضة في مصر من رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين والعقاد وانفتح علي الفكر العالمي في ثقة واطمئنان‏.‏ وشاءت الظروف أن يقوم فرد من أبناء هذا الجيل ـجمال عبدالناصرـ بثورته مع الجيش حاملا بعض أحلام هذا الجيل وتطلعاته‏.‏ وبقدر ما كانت ثورة عبدالناصر تجميدا وتكريسا لتطلعات هذا الجيل‏,‏ بقدر ما حرمت أبناء ذلك الجيل من الإسهام الفعال والمشاركة الجادة في أحداث البلد‏.‏ فقد ظلت شخصية الزعيم مسيطرة‏.‏ ولم يعد لأحد من أبناء هذا الجيل إلا العمل وراء الظل بالقدر الذي يتاح له‏.‏ وقد استطاع لطفي الخولي أن ينفذ ـبقدرـ ويضع بصمته علي الفكر السياسي‏.‏ وكثيرا ما كانت مواقفه محل جدل ونقاش‏,‏ ولكنه كان دائما صلبا وكثيرا ما كان مقنعا‏.‏ رحم الله الفقيد‏,‏ وألهم عائلته الصبر‏,‏ فقد رحل واحد آخر من جيل حرم من الكثير مما كان يمكن أن يقدمه‏.‏ وغفر الله له ولنا‏.‏

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *