رسوم المرور في قناة السويس

                         لم أكن أدري أن موضوع رسوم المرور في قناة السويس وأدائه بالدولار أو بالجنيه المصري يمثل مشكلة هامة بالنسبة لعدد من المواطنين المصريين. وفي حوار تليفزيوني مع الأستاذ عمرو أديب في برنامج “القاهرة اليوم”، طرح عليّ هذا السؤال، وأجبته بما أعتقد أنه المصلحة المصرية. ولكني فوجئت بعد ذلك بأن العديد من القراء الذين يعلقون على ما أكتبه من مقالات، يثيرون هذا الموضوع حتى لو كان موضوع المقالة بعيد الصلة عن هذا المجال تماماً. وهنا أدركت أن الموضوع أكثر أهمية مما بدا لي، وأن محاولتي للشرح في ذلك اللقاء التلفزيوني لم تكن كافية أو واضحة بشكل مناسب. لذلك رأيت أن أعيد عرض الموضوع في مقال مكتوب وبما يتيح فرصة أكبر للشرح والتفصيل.

والقضية ـ فيما يبدو ـ هي أن هناك عدداً من القراء الذين يرون أنه نظراً لأهمية استقرار سعر الجنيه المصري إزاء العملات الأجنبية فقد يكون من المناسب أن يتم تحصيل هذه رسوم المرور في قناة السويس بالجنيه المصري. والمنطق وراء هذه الفكرة هو أن إلزام السفن العابرة في القناة بدفع الرسوم بالجنيه المصري سوف يفرض عليهم شراء الجنيه المصري من الأسواق مقابل عملاتهم الأجنبية لتسديد هذه الرسوم، ويترتب على ذلك زيادة الطلب على الجنيه المصري وبذلك ترتفع قيمته في السوق أو على الأقل لا تنخفض بشكل مستمر. هذا هو جوهر الفكرة المطروحة. فهل هذه المقولة صحيحة؟ وهل يساعد تحصيل الرسوم بالجنيه المصري على تحسين أوضاع سعر الصرف للجنيه؟ هذا هو السؤال.

وكان ردي في الحوار التليفزيوني، وأُعيد ترديده هنا، بأن هذا غير صحيح، وأن الفكرة غير مفيدة بل قد تكون ضارة. كيف؟

يتوقف تحديد سعر الصرف للجنيه ـ أو أي عملة ـ على مجموع الطلب والعرض على العملة الأجنبية بالإضافة إلى توقعات المتعاملين للمستقبل. وعندما نتحدث عن الطلب والعرض للعملة الأجنبية فإننا نقصد بذلك الطلب الإجمالي والعرض الإجمالي للعملة الأجنبية. فقد يزيد العرض في مجال معين، ولكنه قد ينقص في مجال آخر، ومن ثم يظل العرض الإجمالي ـ مع ذلك ـ دون تغيير. ومثل هذا التغيير لا يكون مفيداً لأن ما يتحقق من كسب في مجال قد يلغيه ما يضيع من خسارة في جانب آخر. كذلك قد يزيد العرض ولكن الطلب قد يزيد في نفس الوقت، وبذلك لا تتأثر أسعار الصرف. ولذلك فإن العبرة في حالتنا هي، في نهاية الأمر، بحجم الدولارات (أو غيرها) المتاحة للاقتصاد المصري من العملات الأجنبية من جميع المصادر بالمقارنة بحجم الاحتياجات لهذه العملات في مختلف الاستخدامات. فإذا زادت الموارد المتاحة من العملات الأجنبية في مجموعها أو قلت احتياجات الاقتصاد القومي للعملات الأجنبية، فإن سعر الصرف يتحسن.فإذا زادت بعض الموارد من العملات الأجنبية في جانب في نفس الوقت الذي قلت فيه في جانب آخر مع عدم تغيير الوضع الإجمالي، فإن سعر الصرف لا يتأثر بهذا التغيير. فالعملية هنا لا تعدو أن تكون عمليه إعادة توزيع للموارد من هذه العملات وليس تغييراً في حجمها.

والسؤال هل فرض رسوم القناة بالجنيه المصري بدلاً من الدولار من شأنه أن يزيد من الموارد الإجمالية المتاحة للاقتصاد المصري من العملات الأجنبية أو يقلل من حاجاتنا إلى هذه العملات؟ هذا هو بيت القصيد.

عندما تدفع السفن الأجنبية العابرة رسوم المرور بالدولار فإنها تدفع هذه الدولارات للحكومة المصرية. أما إذا كانت الرسوم تدفع بالجنيه المصري، فإن أصحاب هذه السفن يضطرون إلى شراء الجنيه المصري من السوق المحلية حيث تقدم الدولارات للسماسرة والبنوك المحلية مقابل ما تحصل منهم من الجنيهات المصرية. وبذلك يزيد حجم الدولارات المتاحة للقطاع الخاص بنفس القدر الذي تنقص فيه إيرادات الدولة من العملة الأجنبية. وهكذا، تظل الحصيلة الإجمالية للدولارات المتاحة للاقتصاد المصري كما هي بلا زيادة أو نقصان. هناك زيادة في دخل السماسرة والبنوك وبيوت الصرافة من العملات الأجنبية، ولكن هناك نقصاً موازياً تماماً لموارد العملة الأجنبية الواردة للخزانة العامة ( أو هيئة قناة السويس). وبذلك فإن الوضع النهائي لا يتغير ويظل سعر الصرف على ما هو عليه، لأن العبرة بالوضع الإجمالي وليس بزيادة أحد المصادر إذا قابلها نقص آخر في مصادر أُخرى.

ولذلك فإنه لا يبدو لي أن هناك نفعاً أو كسباً من التحول من دفع الرسوم بالدولار إلى الدفع بالجنيه المصري. فيظل الوضع الإجمالي ، في الحالتين، على ما هو عليه، فلم تتغير أحجام الموارد الإجمالية المتاحة للاقتصاد القومي،  وإن تغير التوزيع بأن قلت حصيلة الدولار للحكومة في نفس الوقت الذي زادت فيه حصيلة السوق الخاصة من الدولارات والممثلة في السماسرة والصيارفة والبنوك. ولذلك فإن سعر الصرف لن يتغير لأن الوضع الإجمالي ظل على ما هو عليه، وبالتالي إذن لن تكون هناك  فائدة. ومع ذلك، على العكس، احتمال للضرر والخسارة نتيجة لإعادة توزيع موارد العملة الأجنبية لصالح القطاع الخاص وعلى حساب الحكومة. كيف؟

نعرف أن الحكومة المصرية لها احتياجات كبيرة للعملات الأجنبية. فهي تستورد القمح والعديد من المواد الضرورية والتموينية من الخارج فضلاً عن مشتريات السلاح واحتياجات الوزارات المختلفة. وإذا فقدت الحكومة هذه الموارد، فإنها ستضطر إلى شرائها من السوق من الصيارفة والسماسرة والبنوك، وهؤلاء سوف يبيعون للحكومة ما حصلوا من عملات أجنبية لدفع الرسوم للمرور في القناة، وإنما بسعر أعلى لتحقيق عمولة أو مكسب من وراء قيامهم بهذه العملية. وهكذا ترتفع تكلفة العملة الأجنبية على الحكومة، ويتحمل المواطن المصري هذه التكلفة، في حين يحصل على الكسب الشركات الخاصة للصيارفة والسماسرة والبنوك. فهل هناك مبرر لتحميل المواطن العادي تكلفة أعلى للعملات الأجنبية عندما تعيد الحكومة شرائها من الصيارفة، وذلك مقابل خدمة وهمية بإلزام الشركات الأجنبية المستخدمة القناة بشراء الجنيه المصري من السوق المحلي بدلاً من دفعها للحكومة؟ ربما تكون هناك مصلحة للصيارفة والبنوك، ولكن الاقتصاد في مجموعه لا يستفيد شيئاً.

وهناك مشكلة أكبر، وهي أن تحصيل الموارد من العملة الأجنبية للدولة مباشرة يضمن استخدامها لتمويل الاحتياجات المحلية من الواردات ويقلل من خطر تهريب الثروات إلى الخارج. فهناك نوع من استخدام العملات الأجنبية يضر بالاقتصاد الوطني خاصة في فترات الأزمات، وهو هروب رؤوس الأموال إلى الخارج. فكيف يتم تهريب الأموال للخارج؟ لا أحد يهرب الجنيه المصري إلى الخارج، وإنما يستخدم المهرب ثروته من الجنيه المصري لشراء الدولارات التي كان يمكن أن تتاح للاقتصاد وذلك لاستخدامها في تحويل ثروته إلى الخارج. وهناك مصادر لا يمكن ـ نظرياً على الأقل ـ استخدامها لتهريب رؤوس الأموال، وهي الأموال المملوكة للدولة (إلا في حالة فساد السياسيين كما بينت الأحداث الأخيرة). وهكذا فإن اعتماد دفع الرسوم بالجنيه المصري، وما يترتب عليه من زيادة حصة القطاع الخاص من العملات الأجنبية، يعني زيادة إمكانيات خروج رأس المال منها. فقد يجد القطاع الخاص من مصلحته أن يبيع ما يحصله من عملات أجنبية مقابل رسوم المرور في القناة للراغبين في تهريب ثرواتهم لأنهم يدفعون،  غالباً، أكثر. وهكذا فإن الانتقال إلى نظام دفع الرسوم بالجنيه المصري يعني زيادة فرص وإمكانيات تهريب رأس المال إلى الخارج. ولا استبعد أن تقوم بعض الشركات الأجنبية بإنشاء كيانات باسمها أو تعمل في خدمتها حيث تقوم بشراء الجنيه المصري من الراغبين في تحويل ثرواتهم للخارج ثم تقيد لحسابهم في الخارج بالدولار، وبذلك يستخدم جزء من حصيلة هذه الدولارات وذلك لتسهيل عمليات خروج رأس المال. وقد تتم العملية بعيداً تماماً عن الجهاز المصرفي المصري، وذلك بأن يتنازل المواطن الراغب في تهريب ثروته عن الجنيهات المصرية المطلوبة لدفع الرسوم، مقابل قيد المقابل لها بالعملات الأجنبية في حساباته مباشرة في الخارج. وهكذا يمثل هذا الأسلوب ثغرة جديدة لتسهيل عمليات خروج الثروة من البلاد.

ولا يقتصر الأمر على هذا الخطر، بل أن هناك مشاكل عملية في تنفيذ مثل هذا الاقتراح. فمن المعروف أن الجنيه المصري يعرف اتجاهاً عاماً نحو انخفاض قيمته تجاه العملات الأجنبية  ـ رغم بعض التذبذبات ـ ولذلك فإن تحديد سعر الرسم بالجنيه المصري يعني انخفاض القيمة الحقيقية لعوائد القناة مع مرور الزمن، وذلك ما لم تقم الهيئة بإعادة النظر في أسعار الرسوم بشكل مستمر مع كل انخفاض لقيمة الجنيه، الأمر الذي يمكن أن يسبب عدم استقرار رسوم القناة. ونظراً لأنه غالباً، ما يتراخى تعديل الرسوم مع انخفاض قيمة الجنيه، فإن ذلك يؤدي إلى تفويت مصالح على الاقتصاد المصري، بتحصيل رسوم مخفضة القيمة بالعملة الأجنبية وذلك قبل تعديل الأسعار لملاحقة انخفاض قيمة الجنيه.

وأخيراً، فإن كل دول العالم ـ ربما باستثناء الولايات المتحدة ـ تسعر صادراتها بالعملات الدولية، ورسوم القناة لا تعدو أن تكون، في نهاية الأمر، مقابل خدمات تصديرية يستهلكها المستورد الأجنبي لخدمات القناة. فلماذا لا يدفع المستهلك لهذه الخدمة التصديرية بالدولار؟ وهل يأتي لنا من يقول ولماذا لا نصدر البترول والغاز أيضاً بالجنيه المصري؟ وكل ذلك بناء على فرضية غير صحيحة بأن تسعير خدمات التصدير بالجنيه المصري يؤدي إلى رفع قيمته. الحقيقة أن ارتفاع قيمة الجنيه لن تتم إلا  بزيادة قدرة الاقتصاد المصري على كسب المزيد من العملات الأجنبية، وذلك  بزيادة الصادرات وغيرها من مصادر العملة الأجنبية. والحقيقة الأُخرى هي أن دفع رسوم المرور بالقناة بالجنيه ليس زيادة  في الموارد المتاحة للاقتصاد القومي من العملة الأجنبية، وإنما هو إنقاص فقط لحصة الدولة منها لمصلحة قطاع الصيرفة والبنوك. وهو ما يترتب عليه مخاطر جانبية أُخرى أشرنا إليها.

ولذلك، فإن الاقتراح بدفع الرسوم بالجنيه المصري لا يحقق الفائدة المدعى بها لأنه لن يزيد من الحصيلة الإجمالية للعملات الأجنبية، بل وقد تترتب عليه أضرار على الاقتصاد برفع تكلفة الدولار على الدولة لتمويل ما تستورده من مواد تموينية أو أساسية. وهو أيضاً أسلوب غير عملي قد يتطلب زيادة الرسوم بشكل مستمر لحماية لقيمة العائدات عند انخفاض قيمة الجنيه.  وأخيراً فإنه قد تسهل من عمليات هروب رؤوس الأموال إلى الخارج. فهو بذلك اقتراح غير مفيد وغير عملي ويمكن أن يكون ضاراً.  والله أعلم.

الشروق 14 مايو 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *