رمضان كريم

رمضان كريم، أعاده الله علينا جميعاً بالخير واليمن. رأيت وأنا في بداية الشهر الكريم أن أكتب عن أشياء تسر الخاطر وتسعد النفس بعد أن زادت جرعة الأحداث والأخبار السيئة. فمن حولنا صور القتل والتدمير لا تتوقف: في فلسطين وفي العراق، وحتى في سيناء، حتى كاد المرء يكره أن ينظر إلى التلفاز أو يقرأ الجرائد من كثرة المصائب.

وبحثت وفتشت عن خبر واحد مفرح، فلم أفلح. ولم يقلّل هذا الفشل من عزمي، فقد كنت مصراً على أن أكتب اليوم عن شيء أكثر إيجابية. وبعد البحث والتفكير وجدت خبراً لا بأس به، صحيح أنه لا يتعلق بنا مباشرة، وإنما بدولة أخرى صديقة وشقيقة، وهي إندونيسيا. ولكن لا بأس، فهذه أيضاً دولة إسلامية. وقد نال الدول العربية والإسلامية من الأخبار السيئة الكثير هذه السنوات، حتى رأى الصديق العزيز الدكتور جلال أمين أن يخصص كتاباً بعنوان “عصر التشهير بالعرب والمسلمين”. فالعرب والمسلمون هم رمز الإرهاب، وهم أيضاً أمم التعصب لا يعرفون التسامح وهم أخيراً غير صالحين للحرية والديمقراطية. فهذه الأخيرة اختراع “غربي” لا يصلح لهؤلاء الشرقيون. فالاستبداد طبيعة شرقية أصيلة. هكذا نسمع كل يوم!

ولذلك فأن تأتينا أخبار طيبة عن دولة إسلامية فهو بالشيء الجميل في هذا الزمن الثقيل. صحيح أن دولة أخرى إسلامية – تركيا – تعاني الأمرين – ومنذ أكثر من أربعين عاماً لمحاولة الدخول إلى “العائلة الأوروبية”، ولكن دخول الجنة يبدو أسهل. لقد فعلت تركيا كل شيء ولم يبق لها إلا “عمل عجين الفلاحة”، وما تزال تصر، ولكن هيهات! ولكن دعنا نعود إلى الخبر السعيد، فهذا أفضل.

إندونيسيا بلد إسلامي، مكتظ بالسكان جاوز عدد سكانها المائتي مليون، فهي والحال كذلك أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان. أما الخبر السعيد فهو أن هذه الدولة الإسلامية قد عرفت انتخابات لاختيار رئيس جديد للجمهورية، وأجريت الانتخابات فيها بين عدد من المرشحين (ستة مرشحين) وجاءت النتيجة باختيار رئيس جديد للجمهورية. وقد تمت الانتخابات في سلام. حقاً أن رئيسة الجمهورية الحالية (وهي ابنة الرئيس الأسبق سوكارنو)، رفضت أن ترسل له تهنئة بالفوز بالانتخابات كما يبدو أنها قررت ألا تحضر احتفالات تنصيبه. ولكن لا بأس، هذا أمر يمكن التجاوز عنه. ولكن السعيد في هذا الخبر، هو أن دولة إسلامية كبرى يمكن أن تجري فيها انتخابات حره دون أن يهدد ذلك استقراراً أو يوقع محظوراً. وإذا أضفنا إلى ذلك أن إندونيسيا ليست بالقطع جنة هادئة تنعم بالهدوء والطمأنينة بل أنها تتكون من أكثر من ألف جزيرة. وهي تضم إلى جانب الأغلبية الإسلامية أقليات متعددة، وبعضها دخل مع الحكومة المركزية في حروب أهلية طويلة – آخرها – الحرب في “تيمور الشرقية” والتي أدت إلى تدخل عسكري من الأمم المتحدة وانتهت باستقلال هذا الجزء وانفصاله عن الدولة الأم. وليست تيمور الشرقية هي النزاع الوحيد في إندونيسيا، فهناك مطالبات متعددة لأقليات تسعى كل منها للانفصال والاستقلال. وفضلاً عن ذلك فإندونيسيا ليست بعيدة عن حوادث الإرهاب. فمنذ أقل من سنتين عرفت عملاً إرهابياً شنيعاً راح ضحيته مئات القتلى والجرحى في جزيرة بالي، وتبين أن وراءها شبكات إرهابية متعددة. والجماعات الإسلامية – وهي متعددة في إندونيسيا – ليست كلها معتدلة بل بعضها متهم بأنشطة مناوئة للسلطات وليس دائماً بالأساليب المشروعة. وهناك محاكم يقدم لها عشرات المتهمين بالإرهاب.

وفضلاً عن هذا وذاك، فإن إندونيسيا ليس لها تقاليد ديمقراطية عريقة، فهي ليست إنجلترا وورائها الماجنا كارتا منذ عام 1215، ولا هي فرنسا وورائها الثورة الفرنسية 1789 وإعلان حقوق الإنسان والمواطن، كما أنها ليست الولايات المتحدة الأمريكية وورائها ثورة الاستقلال 1776 وأول إعلان لحقوق الإنسان. استقلت إندونيسيا بعد الحرب العالمية الثانية بعد كفاح شعبي قاده سوكارنو الذي أقام – وفقاً للسائد في عصره – حكماً فردياً حتى أزاحه سوهارتو – في انقلاب عسكري – وظل يحكم البلاد حكماً دكتاتورياً عسكرياً لأكثر من ثلاثين عاماً، هو حكم جمع بين الاستبداد والفساد مما أزكم الأنوف، حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية – حليفة إندونيسيا في ذلك الوقت – ساعدت في الضغط على إسقاط النظام بعد أن جاوزت انحرافاته حدود المقبول.

ليس صحيحاً أن الديمقراطية والحرية “شيء” غربي لا يصلح لدولنا في الشرق. فالنزوع إلى الحرية والتطلع إلى الديمقراطية والمساواة وحكم القانون هو نزوع إنساني لا يفرق بين شرق أو غرب أو بين شمال وجنوب. النزوع إلى الحرية تماماً كالرغبة في المعرفة هما حاجات إنسانية أصيلة. حقاً لقد ظهرت “الديمقراطية” في شكلها السياسي والتنظيمي في الغرب، ولكن ذلك لا يجعلها شيئاً “غربياً”. فالكتابة “مثلاً بدأت عندنا في الشرق” فهل نقول أن الغرب غير مؤهل لها لأنها لم تنشأ عنده. وماذا عن الأديان؟ لقد جاءت كلها من الشرق. فهل نحرم الغرب منها. ونحن ألا نستخدم التليفون والسيارة والطائرة والمدفع، وكلها صنعت في الغرب؟ الحرية للجميع، ولا وطن لها. ولا تصدقوا غير ذلك.

أليس جميلاً بعد كل هذا، أن تسمع أن إندونيسيا – من عمق الشرق – وبكل مشاكلها السكانية والطائفية قد احتفظت بديمقراطيتها وأجرت انتخابات سليمة. فلا زال في الحياة أشياء جميلة. وكل عام وأنتم بخير. والله أعلم.

 الاهرام: 24.10.2004

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *