زيدان.. كارت احمر

ربما لن يعلق بأذهان المشاهدين لمباراة نهائي كرة القدم لمونديال هذا العام (2006) سوى منظر الحكم الأرجنتيني وهو يبرز الكارت الأحمر لزين الدين زيدان كابتن الفريق الفرنسي ومن ثمّ إخراجه من الملعب. وبعدها بلحظات أعادت كاميرا التلفزيون المشهد السابق لهذه الواقعة عندما بدا تحرش اللاعب الإيطالي بزيدان، وانصراف الأخير عنه عدة خطوات قبل أن يستدير ويندفع بقوة “لينطحه” برأسه ويلقيه أرضاً. فماذا حدث لزيدان؟ هل استفزه اللاعب بعبارة مهينة أم ماذا؟ لا أحد يعرف. ولكن تظل الصور العالقة في الأذهان، هي إبراز الكارت الأحمر، وخروج أشهر لاعب كرة قدم في العالم – على الأقل في أوروبا – في آخر مباراة له، والتي كانت تُعد لكي تكون تكريماً لهذا اللاعب – الجزائري الأصل – والذي كسب قلوب الفرنسيين بلا استثناء. فماذا حدث؟ وكيف نفسره؟

يمكن أن نستخلص من هذا الحدث أمرين عن النفس البشرية، وهما بعد على طرفي نقيض، أحدهما يعكس رقياً ونضجاً في النفس البشرية، والثاني ينطوي على بدائية وطيش بها. أما الحدثان، فهما من ناحية تصرف الحكم وقدرته على تطبيق القانون على المخالف أياً كان، ومن ناحية ثانية رد الفعل المتهور والمندفع من اللاعب المشهور غير عابئ بما قد يترتب عليه من أضرار تصيبه هو بالدرجة الأولى. ولنتناول كلاّ من الأمرين ببعض التفصيل.

زيدان ليس مجرد لاعب كبير أو مشهور، بل هو معبود الجماهير في فرنسا، وربما أيضاً في دول أخرى. فقد كان المايسترو الذي حقق لفرنسا الحصول على كأس العالم في 1998 حيث سجل هدفين في المباراة النهائية في ذلك الوقت. وفي هذه الدورة التي يشترك فيها زيدان لآخر مرة قبل اعتزاله، فقد أثبت مرة أخرى استحقاقه لحب جماهيره حيث كان صانع الألعاب التي أدت إلى فوز الفريق الفرنسي على الفريق البرازيلي المرشح للفوز. وهكذا تعلقت الجماهير بهذا البطل الذي ارتبطت به الآمال في تحقيق فوز مماثل لما تحقق قبل ثمانية أعوام. وأدى قراره بالاعتزال بعد المباراة إلى إضافة شحنة جديدة من العواطف تعبيراً عن وفاء جماهيره في لحظة انسحابه من ساحات الملاعب.

وفي وقت تفتعل فيه الحياة السياسية في فرنسا باختلافات شديدة في أحزاب اليمين كما في أحزاب اليسار. فحزب شيراك منقسم على نفسه بالنسبة للمرشح القادم للرآسة بين مؤيدين لرئيس الوزراء ومن يؤيدون وزير الداخلية، واليسار بدوره غير متفق على المرشحة الصاعدة للحزب الاشتراكي في مواجهة القيادات التقليدية. وفي هذا الجو العام المختلط والمضطرب، كاد أن يصبح زيدان هو نقطة التوافق الوحيدة التي تجمع الشعب الفرنسي، إلى درجة أن اقترح البعض إطلاق اسم زيدان على أهم شوارع باريس – الشانزليزيه.

وفي هذا الجو المتأجج بالعواطف الجياشة وحيث يحتل الفرنسيون – القادمون من بلادهم – نصف مقاعد الاستاد في برلين، يرتكب هذا “البطل” مخالفة لقواعد اللعبة. فماذا يفعل الحكم؟ هل يتأثر بشعبية المخالف أم يطبق القانون بصرف النظر عن هذه الشعبية؟ هذا اختبار حقيقي لمفهوم “دولة القانون”. ألا يعني هذا المفهوم أن يخضع الجميع للقانون، يستوي في ذلك الأمير أو الحقير، فالكل أمام القانون سواء. ولم يتردد الحكم، وكان قراره بتوقيع الجزاء، مؤكداً سلطة القانون. ولا يقتصر الأمر على الحكم الذي تجاوز مشاعر المتفرجين والمشاهدين، وإنما يتعلق أيضاً بسلوك هؤلاء الحاضرين في الاستاد. لاشك أنها صدمة لهم، ولكن تصرفهم جاء حضارياً وراقياً. نعم نحن نحب زيدان، ولكن القانون قانون. ورغم الصدمة، فإننا لم نر زجاجات المياه الغازية أو الحجارة تلقى على الحكم أو على الملاعب. وإنما هناك انصياع كامل لحكم القانون. ولعل أرقى ما وصلت إليه البشرية هي قدرتها على ضبط النفس والسيطرة على العواطف والغرائز. وهكذا نخلص بالملاحظة الأولى، وهي تعكس ما وصلت إليه الشعوب الأوروبية من رقي عندما أعلت كلمة القانون فوق كل اعتبار. فلا حصانة لأحد أمام القانون، والجميع متساوون أمامه.

ولكن ماذا عن تصرف زيدان نفسه؟ وهو اللاعب المخضرم الذي خبر المباريات الدولية وعرف أسرارها ولعب في أكثر من دولة أوروبية، ولابد أنه على دراية كاملة بقوانين اللعبة. فماذا حدث له؟ ومتى، في يوم عرسه، يوم اعتزاله وربما يوم حصوله على الكأس، حيث وقعت الحادثة قبل نهاية المباراة وحين كانت فرصة الفريق الفرنسي للفوز مازالت قائمة؟ فكيف يمكن أن يفسر ما حدث؟ أغلب الظن أنه استفز، وربما سمع عبارة تتضمن إهانة أو بذاءة. وإذا أضفنا إلى ذلك أنه كان لابد واقعاً تحت ضغط عصبي شديد. هذه هي المباراة النهائية، والفوز قريب، ولكنه غير أكيد. وهي يوم اعتزاله، وبالتالي لحظة مشحونة بالعواطف المتضاربة. ولعله سمع في هذه اللحظة كلمة نابية أو إهانة مقصودة. فلم يملك السيطرة على نفسه واندفع، وربما بفعل الغريزة أو العاطفة، ولكن بالقطع بعيداً عن التفكير الهادئ أو المنطقي. وإذا كان تصرف زيدان ينطوي على نوع من الطيش والتهور، فإن سلوك اللاعب الإيطالي، ربما يكون أشد خبثا، فيبدو أنه بدأ العدوان بألفاظ نابية، ولكن كاميرا الفيديو لم تسجلها فهرب من الجزاء.

هكذا نرى في هذه الواقعة مشهدان مختلفان تماماً للسلوك والنفس البشرية. فهناك من جانب مظهر عقلاني ناضج من الحكم والجماهير في السيطرة على عواطفها والانصياع لحكم القانون. وفي نفس الوقت نجد تصرف زيدان يعبر عن اندفاع غير محسوب، وغالباً له ما يبرره في ظل الضغوط العصبية التي يتعرض لها، وربما كرد فعل لإهانة تعرض لها فثارت نفسه ولم يستطع أن يكبح عقالها. فكيف يمكن التوفيق بين الأمرين؟ الحقيقة أن العقل البشري يجمع بين الأمرين. فالجميع – وليس زيدان وحده – يجمع بين الطيش والاندفاع، وبين الرشادة والحساب وتقدير العواقب. هناك غرائز وهناك عقل. وللمسألة جذور بيولوجية في عقل الإنسان وتطور المخ.

فيرى الكثيرون من علماء التطور والمختصين في علوم النيورولوجي أن مخ الإنسان – مقارنة بباقي الكائنات – أكبر حجماً نسبة إلى جسمه، مما سمح للإنسان بإمكانيات هائلة في التفكير والتخطيط والتنبؤ فضلاً عن العديد من العواطف النبيلة والراقية. فالإنسان هو أرقى الحيوانات وأكثرها تطوراً. فمخ الإنسان يختلف عن مخ أي كائن آخر ليس فقط بحجمه الأكبر وإنما بتركيباته المعقدة وبما يمكنه من القيام بأعمال ووظائف خاصة ومميزة به. ومع ذلك فإن هذا المخ البشري – مع ما هو عليه من نمو وتطور كبيرين – فإنه ما زال يحمل بذور النشأة الأولى. فالجزء الأقدم والأدنى هو ما يطلق عليه أحياناً “بمخ الزواحف” reptilian brain، وهو ينظّم الوظائف الأساسية للحياة من تنفس ودورة دموية وهضم، وترتبط به بعض مظاهر السلوك اللازمة لضمان الحياة والبقاء مثل الغضب والعدوانية والدفاع عن النفس أو الرغبة الجنسية لحفظ النوع. وفي هذا الجزء يكاد يشترك مخ الإنسان مع معظم الحيوانات الأخرى. ويقع هذا الجزء في أسفل المخ فوق النخاع. والجزء الثاني – وهو التالي في التطور – وهو ما يطلق عليه أحياناً “بالمخ الطرفي” Limbic brain وهو ينظّم أهم العواطف البشرية في علاقته مع الآخرين مثل الحب والحزن والغيرة، فهنا يجاوز الأمر مجرد الرغبة في البقاء وحفظ النوع إلى ضبط بعض العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، فهو يمثّل مستودع أهم الغرائز البشرية. وأخيراً يأتي التطور الأخير والذي ينفرد به الإنسان ويميزه ويطلق عليه “المخ المنطقي” rational brain وهو المتعلق بالتفكير المنطقي والتفكير المجرد وما يرتبط به من قدرات لاكتساب اللغات والحساب وفك ألغاز الطبيعة وحسن التقدير والخيال. فهذا هو الجزء الإنساني البحت من المخ والذي لا يشاركه فيه أحد من الكائنات. ولذلك فإنه عندما يقول الكثيرون من الفلاسفة القدماء، بأن الإنسان ينطوي على غرائز حيوانية إلى جانب ما يتمتع به من خصائص إنسانية تبرز في العقل والتفكير السليم، فإنما يترجم هذا القول حقيقة بيولوجية لمخ الإنسان. فالتطور الذي عرفه مخ الإنسان بالوصول إلى الدرجات العليا في التفكير المنطقي أو العواطف النبيلة لم يلغ الجذور الحيوانية للمخ كمستودع للغرائز الأنانية والتي يشارك بها العديد من المملكة الحيوانية. ولذلك فالقول بأن “الإنسان حيوان عاقل” إنما هو تعبير دقيق عن حالة الإنسان. فالإنسان يتميز عن الحيوان بالعقل والعواطف النبيلة ولكنه لا يتخلى تماماً عن حيوانيته في النوازع والغرائز الأنانية الضيقة. ففي كل منا حيوان كامن تحت غطاء من العقلانية والرشادة. وتتحقق درجة رقي الإنسان بمدى قدرته على السيطرة على غرائزه ونوازعه الأنانية والحيوانية. والعقل لا يلغي أو ينهي هذه الغرائز البدائية وإنما يهذبها ويضبطها ويصقلها. ومن هنا فقد جاء اللفظ العربي “للعقل” وصفاً دقيقاً لرقي مخ الإنسان. “فالعقل” لغة هو القيد، وتميز الإنسان عن الحيوان هو في قدرته على تقييد غرائزه وعواطفه الأنانية باستخدام قدراته الفكرية والمنطقية. العقل هو قيد على الغرائز البدائية للإنسان.

وإذا كان كل من زيدان والحكم الأرجنتيني قد أبرزا خلال هذه اللحظة المثيرة جوانب متعارضة من النفس البشرية، فإن كل فرد بل وكل مجتمع يجمع بين هاتين الصفتين؛ غرائز بدائية وأنانية، وتفكير عقلي وعواطف نبيلة. ونجاح الفرد – وكذا المجتمع – هو رهن بالنجاح في تغليب القوى العقلية والقيم الإنسانية النبيلة على الغرائز البدائية والنوازع الأنانية.

وهكذا نرى أن الكارت الأحمر في المباراة الأخيرة لمونديال كرة القدم قد كشف بصورة معبرة عن طبيعة العقل البشري وتناقضاته؛ غرائز بدائية من ناحية، ورجاحة عقل من ناحية أخرى. فإذا كان زيدان – في لحظة ضعف – قد ترك زمام الأمور لغرائزه الفطرية والبدائية، فإن الحكم – وكذا الجمهور – قد أعادا الأمر لنصابه بإعمال العقل وتطبيق حكم القانون. وإقامة دولة القانون هو البنية الأساسية لإقامة المجتمع الإنساني الراقي. فالقانون يهذب الغرائز. والجميع سواء أمام القانون، يستوي في ذلك الرئيس والخفير.   والله أعلم

الاهرام23 يوليو2006

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *