شمعة

الله أعلم:

شمعة

دكتور حازم الببلاوى

www.hazembeblawi.com

تلقيت منذ عدة شهور دعوة من صديقين فى الكويت، الدكتور حسن الإبراهيم والأخ أنور النورى. ونظراً لأننى عملت فى الكويت فى عدة فترات، حيث كانت الفترة الأولى فى نهاية الستينات وبداية السبعينات عندما أعرت لجامعة الكويت، حين كان الأستاذ أنور النورى ـ وقتها ـ أميناً عاماً للجامعة، كما قد عاد إليها آنذاك الدكتور حسن الإبراهيم بعد إتمام دراسته فى الخارج ليعمل أستاذاً للعلوم السياسية ثم عميداً لكلية الإقتصاد والسياسة، والتى كنت أعمل بها. وقد تعرفت على الإثنين فى وقتها. وقد تولى كل من الدكتور حسن الإبراهيم والأستاذ أنور النورى منصب وزير التربية والتعليم واحداً بعد الآخر. وفى فترة لاحقة عملت من جديد فى الصندوق العربى ثم مستشاراً لوزير المالية فى الكويت، ثم عين الأستاذ أنور النورى رئيساً لبنك الكويت الصناعى، فدعانى للعمل معه فى البنك مديراً للدائرة الإقتصادية. وكنت أرى فى كل منهما أحد عناصر التنوير فى الكويت. وكانت دعوتهما لى فى إتصالهما لى هى لقبول عضوية مجلس أمناء جمعية “شمعة”، وحضور الإجتماع القادم للمجلس فى بيروت. ولم أكن قد سمعت عن “شمعة” مسبقاً، ولكن إعزازاً للصداقة السابقة والإحترام والتقدير لشخصهما، فقد وافقت على قبول العضوية بعد أن عرفت أهدافها العامة.

ولكن ليس من رأى كمن سمع. فقد حضرت إجتماع مجلس الأمناء، وناقشنا خططه المستقبلية ونشاط الجمعية فى المنطقة وفى مصر. وإختيار إسم “شمعة” عنواناً للجمعية، بدا لى أول الامر يرجع إلى الرغبة فى إضاءة ولو “شمعة” فى الطريق المظلم الذى يحيط مشكلة “التربية والتعليم” فى وطننا العربى. ولكنى إكتشفت أن “شمعة” هى أيضاً إختصار للحروف الأولى لإسم الجمعية : “شبكة المعلومات العربية التربوية”. ففى العصر الحديث لثورة المعلومات والإتصالات، أصبح الوصول إلى الدراسات والأبحاث المنشورة فى مجال التربية والتعليم فى منطقتنا العربية هو أحد أهم وسائل الإرتقاء بهذا القطاع الأساسى والضرورى للتقدم الإقتصادى والإجتماعى. وهدف الجمعية الرئيسى هى تكوين “قاعدة معلومات إلكترونية” توثق الدراسات التربوية الصادرة فى البلدان العربية فى مجمل ميادين التربية، وذلك باللغات الثلاث: العربية والإنجليزية والفرنسية وإتاحتها مجاناً للباحثين والمهتمين بالدراسات التربوية. وتجمع “شمعة” المعلومات التربوية التى ترد فى الكتب أو المقالات أو التقارير أو الرسائل الجامعية فى الجامعات وكليات التربية ومراكز الأبحاث ودور النشر والدوريات…..”.

ولا يخفى على أحد أن أحد أهم وسائل التقدم العلمى، فى أى مجال، يتوقف إلى حد بعيد على مدى توافر بيانات عن الدراسات والأبحاث السابقة فى الموضوع فى مختلف الدول. فلا أحد يبدأ من الصفر، والتقدم هو بناء على التراكم المعرفى السابق. ولذلك فإن توفير “قاعدة بيانات” للدراسات والبحوث التربوية يمثل أحد الخدمات الرئيسية لدفع عجلة التقدم العلمى ومن ورائها التقدم البشرى فى هذا المجال. وقد أدركت معظم الدول أهمية وجود مثل هذه القواعد للبيانات وإتاحتها لجمهور الباحثين والدارسين. ويعتبر مركز معلومات المصادر التربوية، والذى يعرف ب ERIC فى أمريكا، أهم وأكبر قاعدة معلومات تربوية فى العالم. وقد عقدت “شمعة” إتفاقية تعاون مع ERIC بحيث توفر لشمعة من خلال علاقتها بهذه المؤسسة كافة الدراسات والأبحاث المنشورة عن المنطقة العربية.

ولكن “شمعة” توسع نشاطها لإدماج الدراسات والبحوث والتقارير الصادرة باللغة العربية فى مختلف الدول العربية أيضاً. وقد حققت الجمعية إنجازات هامة فى العديد من البلدان العربية، وخصوصاً مع دولة المغرب، وحيث يضم مجلس أمناء الجمعية الدكتورة عزيزة البنانى، مندوبة المغرب الدائمة لدى اليونسكو وعضو المجلس التنفيذى لهذه المنطمة الدولية. ورغم ما حققته “شمعة” من إنجاز خلال فترة حياتها القصيرة، فإن هناك إعتقاداً لدى أعضاء مجلس الأمناء، أن الثروة الحقيقية للدراسات والبحوث العربية فى هذا الميدان هى فى مصر، وهناك حاجة إلى التعاون بينها وبين الجامعات ومراكز البحوث المصرية للتنسيق فى إتاحة هذه البيانات للباحثين المصريين والعرب بشكل منهجى. ولذلك قرر المجلس إيفاد وفد لزيارة مصر ومقابلة المسئولين وخاصة رئيس جامعة عين شمس، الذى فهمت أن جامعته تضم ثروة هائلة من الدراسات والبحوث التربوية من الدارسين المصريين والعرب. كذلك ستتم دعوة مدير مكتبة الإسكندرية لإلقاء كلمة إفتتاحية فى مؤتمر شمعة القادم فى شهر نوفمبر ببيروت.

ورغم أننا نعيش هذه الفترة فى مرحلة من الإرتباك السياسى والإقتصادى والمجتمعى، فإننا فى حاجة إلى إضاءة شمعة لنرنو إلى مستقبل أفضل. وليس هناك من طريق أكثر ضماناً للتقدم والإستقرار غير طريق العلم. والخطوة الأولى فى العلم هى التربية والتعليم من خلال البحوث والدراسات والإفادة من التراكم المعرفى المتوافر فى هذا المجال.

وقد فتحت ثورة المعلومات والإتصالات الطريق من خلال قواعد البيانات لإتاحة خلاصة الفكر العالمى تحت نظر الباحثين. فنحن نعيش فى عصر لا يستطيع أحد أن ينفصل عما يجرى من حوله والإفادة من تجارب الآخرين ونجاحاتهم وإخفاقاتهم. ومن هنا فقد رأيت أن أكتب مقالى الدورى هذه المرة عن “شمعة”. ولكن هناك سبباً آخراً قد لا يقل أهمية، وهو أننا، فى إنغماسنا فى مشكلاتنا الآنية، وفى ظل الإرتباك العام السائد، بدأنا ـ أو البعض منا ـ ولأسباب وقتية عارضة، نكيل الإتهامات للعديد من دولنا وشعوبنا العربية، رغم أن إنتماءنا الحقيقى لا يمكن أن يتجاوز هذا الواقع. فالأمة العربية، وبإستثناء حالات منفردة، هى الصمام الحقيقى والسند الرئيسى لنجاحنا فى المستقبل. فهذا المستقبل هو مستقبل واحد للأمة العربية فى مجموعها، وبوجه خاص، فإن دور مصر وقيمته لن يتحققا إلا بالعمل العربى المشترك. وبالرغم من بعض الإستثناءات هنا وهناك، فإننى لم أذهب إلى أى بلد عربى وكل من قابلتهم من هذه البلدان، إلا ورأيتهم يضعون مصر فى حبات العيون. وأنا شخصياً أؤمن إيماناً راسخاً بأنه لا نجاح لمصر إلا فى إطار عربى. الخلافات العارضة تأتى وتذهب، ولكن تظل أمتنا العربية هى صمام الأمن والآمان. وعلينا أن نتصرف دائماً بمسؤلية، وخصوصاً فى لحظات الأزمة. وقد وجدت فى صحبتى “لشمعة” مع الإخوة من العديد من دول هذه المنطقة ما أكد ظنى. وفى إطار هذا الظلام المخيم على أوضاعنا المصرية، فإننا فى حاجة إلى مجرد “شمعة” والله أعلم.

 الاهرام 14 مايو 2013

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *