صديق العمر

استأذن القارئ بإشراكه معي في أمر شخصي، وهو فقد صديق العمر إبراهيم شحاتة.. بل لعل الأمر ليس شخصياً تماماً، فإبراهيم شحاتة شخصية عامة مرموقة، تولى أعلى المراكز الدولية – نائب رئيس البنك الدولي – فضلاً عن أنه – وبصرف النظر عن أية وظائف عامة – كان أحد أرقى رجال القانون الدولي في العالم وكانت له إسهامات كبيرة في مجالات العلاقات الاقتصادية الدولية. لقد كان – على سبيل المثال – الأب الروحي لنظام ضمان الاستثمار الدولي عندما ولد هذا النظام على يديه عندما وضع نظام “المؤسسة العربية لضمان الاستثمار” ومن بعدها نظام “الوكالة الدولية لضمان الاستثمار” إحدى مؤسسات مجموعة البنك الدولي.. والقائمة طويلة.

ولكن ما أود الحديث عنه هو أمر آخر .. أمر شخصي .. إبراهيم شحاتة صديق العمر وزميل الدراسة. لقد تعرفت عليه منذ حوالي خمسين عاماً في مدرجات كلية الحقوق في جامعة القاهرة. كنا في السنة الثانية، وكان طلبة السنة الثانية – وكان عددهم يزيد على الألف طالب – منقسمين إلى فريقين. وكنا إبراهيم وأنا في نفس الفرقة. وكنت أجلس في الصف الثاني، وكان يجلس في الصفوف الخلفية. وكنا الوحيدين في هذه الفرقة اللذين حصلاً على تقدير “جيد جداً في السنة الأولى” وجاء إلي معرفاً بنفسه. ومن هذا اليوم ارتبطنا بصداقة طوال سنوات الدراسة وفي الحياة العلمية. وتخرجنا سنة 1957 وكان ترتيبه الأول، وكنت الثاني، ثمّ عملنا معاً في مجلس الدولة، وبعدها بثلاث سنوات أرسلنا لبعثات في الخارج. أرسل إبراهيم إلى هارفارد في الولايات المتحدة للحصول على الدكتوراه في القانون الدولي، وأرسلت إلى باريس في فرنسا في بعثة للاقتصاد. ولم تنقطع المراسلات بيننا، ولم تخل أيضاً من ادعاءات للمراهقين. وكان سعيداً وفخوراً بإمكانيات الدراسة في الولايات المتحدة، وذكر لي في أحد خطاباته أن مكتبة الكونجرس تحفل بأكبر عدد من الكتب بين مكتبات العالم، ولم أجد مفراً – على سبيل المعايرة – وأن أذكر له أن “المكتبة الوطنية” في باريس هي أقدم مكتبات العالم الحديث وأنها تحفل بأهم المخطوطات المكتوبة، كما لو كان الأمر منافسة بين البلدين. وأنهى دراسته في هارفارد بحصوله على الدكتوراه في القانون الدولي، ويذكر الدكتور خليل نجيـم أحـد أصـدقاء إبراهيم شحاتة الذي حضر مناقشة الرسالة أن الأستاذ جريزولد GRISWOLD عميد الكلية ذكر في نهاية المناقشة، أن هذه الرسالة، هي أفضل ما رأى في حياته العملية في هارفارد. وبعدها عاد إلى مصر، وكذا أنا في نفس الوقت تقريباً في أوائل 1965، حيث عين مدرساً للقانون في جامعة عين شمس، وعينت مدرساً للاقتصاد في جامعة الإسكندرية. وكلفنا سوياً بإعداد دراسة لمجلس الوحدة الاقتصادية عن انضمام لبنان إلى اتفاقية السوق العربية المشتركة، وقدمنا الجزء الأكبر من نتائج هذه الدراسة إلى الدكتور بطرس غالي – وكان يرأس تحرير الأهرام الاقتصادي – فنشرها كملحق للأهرام الاقتصادي، بعنوان “التعاون الاقتصادي العربي” في نوفمبر من هذا العام. وكان هذا أول عمل مشترك لنا بعد العودة من البعثة. وقد لقى هذا الكتيب نجاحاً كبيراً في مختلف الأوساط الاقتصادية حيث كان من أوائل ما كتب عن التعاون الاقتصادي العربي، بعد الكتاب القيم الذي نشره المرحوم الدكتور لبيب شقير قبل ذلك بأعوام. وبعدها انتقل الدكتور إبراهيم شحاتة للعمل في الصندوق الكويتي، وبعدها بسنوات انتقلت للعمل في جامعة الكويت ثم في الصندوق العربي في الكويت. وهكذا استمرت زمالتنا في الكويت. واستمر اهتمامه بالاقتصاد العربي، وكتب حوله الكثير، ونفس الشيء معي. وبعد ما يقرب من عشرين عاماً منحت “مؤسسة التقدم العلمي” في الكويت جائزة الاقتصاد على مستوى العالم العربي مناصفة لنا سوياً، إبراهيم وأنا، عام 1983. وعندما تسلمت الجائزة ألقيت محاضرة – بهذه المناسبة – باسمينا في جامعة الكويت.

وإذا كان إبراهيم شحاتة طالباً متفوقاً طوال الدراسة، وعالماً مرموقاً في ميدان تخصصه بعد ذلك، فقد كان أيضاً أشياء أخرى كثيرة. وكان يكتب الزجل وهو طالب، كما كتب عدداً من الأغاني. وكان محباً للجمال أينما كان، وله أسلوب عذب، ونظرة ساحرة. وكتب مرة “مذكرات إنسان تافه” وهي أقرب إلى السيرة الذاتية تتضمن نظرة نقدية ساخرة وفلسفية للحياة. وكان قد تعرف على السيدة الفاضلة سامية فريد – وكانت الطالبة المثالية في الجامعة الأمريكية – ثمّ تزوجها وكون أسرة سعيدة. وكانت صحبتهما – وخاصة في الكويت – من الذكريات العطرة التي خففت من جفاف الغربة. وكما كان يجمعنا في منزلهما – في الكويت – نخبة من الأصدقاء أذكر منهم أحمد بهاء الدين، وسعيد النجار، وجلال أمين، ونور الدين فراج، وسمير تناغو، وإسماعيل غانم وغيرهم كثيرون. وكانت تمتد بنا المناقشة ساعات وساعات.. وهي كلها تدور حول مصر ومستقبلها. ومع نجاحه المستمر وإقباله على الحياة فقد سيطرت عليه دائماً فكرة الموت، وكتب أكثر من مرة وصيته، وكان آخرها ما نشره بعنوان “وصيتي لبلادي”. كان إبراهيم شحاتة – وقد عاش معظم حياته خارج مصر – مهموماً بمصر وتقدمها.

لقد كان إبراهيم شحاتة إنساناً نادراً، وصديقاً عزيزاً متعدد المواهب، شديد الانضباط غزير الأفكار، وكان في نفس الوقت مرحاً بسيطاً. وقد أصابه المرض اللعين منذ أكثر من عشر سنوات، وعرف ذلك، وازداد صلابة وعزيمة، وانكب على العمل وأخرج عدداً من الكتب بالإنجليزية عن البنك الدولي. لقد قاوم الموت بضراوة وربما قهره سنوات، ولكن كانت الكلمة النهائية له. وفاضت روحه الطيبة منذ أيام في واشنطن، ولكن ذكراه العطرة ستظل حية. أعان الله أسرته في محنتهم وألهمهم الصبر. وإن لله وإنا وإليه راجعون.

الأهرام: 3 يونيو 2001

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *