ظاهرة البرادعي

 

 عاد الدكتور محمد البرادعي إلى أرض الوطن بعد رحلة طويلة من العمل الدبلوماسي انتهاءً بترؤسه لإحدى أهم الوكالات الدولية المتخصصة ـ وكالة الطاقة الذرية ـ واستقبل من جموع عريضة من المواطنين استقبالاً حافلاً. فماذا يحدث في مصر؟

 

لايمكن أن يكون الأمر مجرد شخص ـ مهما بلغت قيمته ـ هو التفسير الكامل أو الكافي، بل لابد وأن يكون وراء الظاهر شيئاً “جماعياً”، فهو أقرب إلى الظاهرة الشعبية منها إلى الاحتفال بشخص.

 

لاشك أن الدكتور البرادعي شخص متميز حقق نجاحاً كبيراً بتوليه مركزاً دولياً مرموقاً في لحظة تاريخية حرجة، حبس فيها العالم أنفاسه عندما بدأت عواصف الحرب تتجمع حول العراق بالادعاء بأن هذا البلد العربي يختزن أسلحة للدمار الشامل وبما يهدد استقرار منطقة الشرق الأوسط وربما السلم العالمي أيضاً. وفي هذا الظرف الدقيق سلك الدكتور البرادعي سلوكاً منضبطاً وحازماً بعدم توريط المجتمع الدولي في حرب جديدة باسم الشرعية الدولية بتقديم “أدلة” على حيازة العراق لهذه الأسلحة، حيث ظلت “الوكالة” غير قاطعة في التأكيد على وجود مثل هذه الأسلحة. وبالطبع لم يكن الأمر سهلاً ولم يتطلب فقط نزاهة في الرأي وإنما احتاج، وبنفس القدر، إلى كثير من الحصافة والحكمة بعدم إثارة الدول الكبرى وإضعاف مكانة الوكالة. فكان موقفه منصفاً للعراق بقدر ما كان غير مثير لحنق الولايات المتحدة ومن سار في ركابها. فهو لم يتسرع في اتهام العراق، وفي نفس الوقت لم يورط “الوكالة” في أزمة مع القوى العظمى. ومن هنا لم يكن أمام الولايات المتحدة ـ ومن ورائها انجلترا ـ إلا إعلان الحرب على العراق بقرار منفرد دون ترخيص من الأمم المتحدة. وهي الحرب التي وصفها الرئيس الأمريكي اللاحق ـ أوباما ـ بأنها حرب “اختيار” لم تكن ضرورية، وأقامت الحكومة البريطانية اللاحقة جلسات “استماع” لتوني بلير للتحقيق في سلامة قراره بالمشاركة في حرب العراق. وقد تحقق كل هذا ـ إلى حد كبير ـ نتيجة لمواقف الدكتور البرادعي الصلبة دون انفعال أو صخب، ولم يكن موقفه من إيران أقل صلابة أو أدنى حكمة.

 

كل هذا صحيح ويستحق عليه الدكتور البرادعي التقدير والاحترام، ولكن هذا لايكفي لتفسير “ظاهرة” البرادعي وخروج المظاهرات للاحتفاء بعودته أو إثارة التحركات الجماهيرية لتأييده ودعمه لدخول الحلبة السياسية. فليس من السهل الاعتقاد أن هذه “الحيوية” المفاجئة في الحياة السياسية إنما ترجع إلى رغبة الناس في الاحتفال بعودة البرادعي لمواقفه في وكالة الطاقة الذرية. لابد أن وراء ذلك “شيء” دفين في قلوب الناس يحتاج أن يعبر عن نفسه في العلن، وقد وجد في عودة الدكتور البرادعي وشخصه ما يساعده على التعبير عن هذا “الشيء”. فلم يكن خروج الآلاف لاستقباله أو انطلاق مئات المواقع الالكترونية للترحيب به ـ لم يكن كل هذا مجرد رغبة في تكريم موظف دولي مرموق أدى عمله بنزاهة وشرف، بل كان ـ في الأغلب ـ تعبيراً عن أزمة عميقة في نفوس الناس.

 

ظاهرة البرادعي” إذن، ليست ظاهرة لشخص أو فرد بقدر ما هي ظاهرة جماعية لقطاعات واسعة من الشعب المصري تحن إلى “التغيير”. وجاء البرادعي ليحرك ويفجر هذه الرغبة في الاستقرار والتغيير معاً. فالمجتمعات لاتستطيع العيش، ومن باب أولى لاتزدهر، في جو من الاضطراب والقلق وعدم اليقين، بل هي تحتاج إلى وضوح الرؤية، ومن ثم الحاجة للاستقرار. ولكن على الجانب الآخر، فإن نفس الجماعات تمل من الرتابة وعدم التجديد، وبوجه خاص من الجمود الذي يولد الكآبة والخمول. وهذه هي الرغبة في التغيير. وكنت قد أصدرت منذ سنوات طويلة كتاباً بعنوان “التغيير من أجل الاستقرار”، مذكراً بأن التغيير ليس مناقضاًَ للاستقرار، بل قد يكون من أهم مقوماته. فالاستقرار لايعني الجمود بل معناه التلاؤم بين الظروف والأوضاع والنظم والقواعد. ونظراً لأن هذه الظروف وتلك الأوضاع في تغير مستمر، فكذا ينبغي أن تكون النظم والقواعد بل والأشخاص.

 

الاستقرار يتطلب توازناً متسمراً بين ظروف الحياة المتغيرة، وبين القواعد والنظم والمؤسسات وبالتالي متابعة هذه التغيرات. فالتغيير أمر لازم ومكمل للاستقرار. الاستقرار مطلوب للحياة، ولكن الحياة متغيرة بطبيعتها، وبالتالي فالجمود هو عدو الاستقرار. والمشكلة الاجتماعية في مصر ترجع إلى استمرار في الأوضاع هو أقرب إلى الجمود، وذلك بنفس السياسات ونفس الوجوه ونفس الخطاب ونفس الأساليب، مما جعل المشهد العام باهتاً ومملاً بلا إثارة ولاتجديد ولاابتكار. ولكن مشكلة المجتمع المصري تبدو أعمق ليس فقط نتيجة مشهد ممل استمر لأكثر من ربع قرن دون أي تغيير يذكر، ولكن، وهذا هو الأخطر، هو ما صاحبه تدهور في العديد من مظاهر الحياة اليومية للمواطن العادي. فالمشكلة لم تعد في جمود الأوضاع بل أيضاً في تدهورها.

 

لن أتحدث هنا عن الديمقراطية أو الحريات أو قوانين الطوارئ والمستمرة دون انقطاع ـ تقريباً ـ منذ بداية الحرب العالمية الثانية، فهذه كلها أمور تتعلق بالحرية والحقوق الدستورية، وهي ليست بالضرورة من أولويات رجل الشارع العادي. هذا الأخير يُعنى بلقمة العيش وحياته اليومية، ولذلك فهو لاينسى طوابير الخبز أو البوتاجاز، كما تهمه مشاكل تعليم أولاده وصحتهم، وظروف المواصلات والإسكان. وهو يجد في كل هذا مشقة متزايدة كل يوم. فالتعليم يزداد تدهوراً مع ظهور انقسام في المنظومة التعليمية بين تعليم حكومي عام متدن لجمهور الشعب، وتعليم خاص مكلف لايصل إليه إلا المحظوظون من ذوي الدخول العالية. وبذلك فقدت الطبقة الوسطى أهم سلاح تمتعت به مصر الحديثة، وهو الاندماج الاجتماعي من خلال التعليم. فالتعليم – وخاصة التعليم الحكومي – كان دائماً السبيل للارتقاء الاجتماعي أمام الفقراء والطبقة المتوسطة. وكانت هذه الوسيلة للاندماج الاجتماعي متاحة للجميع – بشكل عام من خلال المدارس الحكومية ـ لقاعدة عريضة من السكان، والآن أصبح التعليم أحد أسباب اتساع الفروق الاجتماعية. فالغالبية من أبناء الفقراء والطبقة المتوسطة تذهب إلى المدارس الحكومية، والقلة تتعلم في المدارس الأجنبية والخاصة ثم تنتقل إلى الجامعات الخاصة حيث تتاح أمامها فرص العمل في المؤسسات الحديثة. لقد أصبح النظام التعليمي القائم عنصراً للانفصام الاجتماعي بعد أن كان عاملاً للاندماج. ولم يكن مصير الصحة العامة أفضل حالاً، فالمستشفيات الحكومية لم تعد قادرة على مواجهة طلبات الجماهير، وتزايدت تكاليف العيادات والمستشفيات الخاصة، بل وأصبحت الأوبئة الجديدة أمراضاً متوطنة في مصر. أما المواصلات والتي كانت متاحة بأسعار رخيصة ومعقولة، فهي لم تعد كذلك فضلاً عن الازدحام الذي جعل الحياة اليومية رحلة عذاب. وإذا نظرنا إلى الإسكان العشوائي، والذي بدأ على حياء في السبعينات بعد تهجير بعض سكان مدن القناة في أثر حرب 1967، قد أصبح أحدى سمات المدن الكبرى، بل أن العديد من الأحياء الراقية القديمة قد تحولت إلى ما يشبه أحياناً الإسكان العشوائي. وفي مقابل هذا التدهور بدأت تتراكم القصور والفيلات في المناطق المسورة بعيداً عن أعين المتطفلين. وأما النظافة فقط أصبحت من تراث الماضي وذلك عندما كانت الطرق ترش بالمياه يومياً، والآن أصبحت معظم الأحياء السكنية تضم أكواماً من الزبالة والقذارة. وأما الأسعار فتحدث ولاحرج. وإذا كان رئيس الوزراء يباهي بأن معدل التضخم انخفض إلى 13% بعد أن كان 20%، فأين هي الأجور التي تتزايد بمعدل 20% سنوياً لمواجهة أعباء التضخم؟ ورغم ما نسمع من ارتفاع الأجور لعدد من المحظوظين، فإن بطالة الخريجين ما تزال على ما هي عليه. وحتى تزداد الصورة قسوة ومرارة، فإن أحاديث الفساد لكبار المسئولين تزكم الأنوف. فهذا فساد في وزارة الزراعة وآخر في وزارة الإسكان وثالث في المحليات ورابع وخامس. وعندما يحاكم بعض المسئولين عن جرائم ترتب عليها ضحايا بالعشرات وأحياناً أكثر وخسائر وأموال بالملايين، فإن عدداً غير قليل منهم يتمكن من الهرب من المنافذ الرسمية ليستقر في لندن أو باريس. وماذا عن مظاهر الفتنة الطائفية وتزايد مظاهرها في الفترة الأخيرة؟

 

لكل ذلك، لم يكن غريباً أن تترسب في نفوس الجماهير رغبة عارمة في “التغيير”. وهي رغبة مكبوتة تتطلب شرارة لانطلاقها. وقد جاءت عودة الدكتور البرادعي كعود الثقاب إلى جوار برميل من البارود، فانطلقت الشرارة الأولى، وقد لاتكون الأخيرة. سوف يكون من الخطأ أو السذاجة الوقوف عند شخص الدكتور البرادعي الذي جاء في اللحظة المناسبة لتفجير الطاقة الشعبية المكبوتة للتغيير. المشكلة ليست في البرادعي، فهو ليس أكثر من تعبير عن ظاهرة اجتماعية تسعى إلى “التغيير” بعد أن ملت من الجمود واستاءت من أشكال الفساد والجهل والإهمال.

 

عندما قامت ثورة 1919، كان الشعب يعاني من الاحتلال الأجنبي والاستغلال في فترة الحرب العالمية الأولى، وكان يتطلع للخلاص من هذه الأوضاع. ولم يكن سعد زغلول إلا واحداً من كبار السياسيين المعروفين. كان سعد وزيراً في حكومة بطرس غالي التي وافقت على تجديد امتياز شركة قناة السويس على غير الرغبة الجماهيرية. واغتيل بطرس غالي ثمناً لذلك. ولم يعرف عن سعد باشا معارضته لتلك الاتفاقية بل أنه دافع عنها. ولكن عندما اعتقل الحاكم البريطاني سعد باشا بعد مطالبته بالاستقلال، وجدت الجماهير في سعد من يعبر عن آمالها، فخرجت إلى الشارع. فسعد لم يكن أكثر من الشرارة التي فجرت برميل البارود المخزون.

 

لقد ظهرت بعض الكتابات ـ خاصة في الصحافة القومية ـ تتناول الدكتور البرادعي ـ من طرف خفي ـ بالتهوين من شأنه حيناً، أو التشكيك في برامجه وأفكاره حيناً آخر، كما لو كان البرادعي ـ في نظرهم ـ هو المشكلة.

 

البرادعي يستجيب لحاجة جماهيرية. فالبرادعي ليس هو القضية ، القضية هي الرغبة العميقة لدى قطاع عريض من الشعب في “التغيير”. المشكلة ليست الدكتور البرادعي وآرائه السياسية أو برنامجه الانتخابي، وإنما هي رغبة الناس في التغيير. لقد نجح البرادعي في تفجير هذه الطاقة الكامنة لأنه عبر عن حاجة عميقة في نفوس المصريين، وهو فضلاً عن ذلك رجل نظيف سجله مشرف. وقد ينجح البرادعي وقد لاينجح، ولكن القضية ستظل قائمة ما لم يحدث “التغيير”. الدكتور البرادعي ليس أكثر من عود الثقاب إلى جوار برميل من البارود. وقد تتم السيطرة على عود الثقاب، ولكن طالما أن برميل البارود موجود، فإن خطر الاشتعال سيظل قائماً. والله أعلم.

الشروق: 01 مارس 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *