عادت الشنطة

بمناسبة حلول الصيف واقتراب موسم الإجازات وما يتطلبه ذلك من استرخاء بدني وعقلي، رأيت أن أكتب هذا الأسبوع عن موضوع خفيف. فقد نشرت في هذا المكان منذ عدة شهور قصة حادث شخصي وقع لي تحت عنوان “حادث تافه، ولكن بغيظ” وذلك بسبب ما تعرضت له من سرقة حقيبة مستندات أثناء تجولي في مطار باريس وأنا عائد إلى القاهرة. وكنت قد ترددت كثيراً في الكتابة عن قصة شخصية لا تهم القارئ في كثير أو قليل. وقد رأيت أن أشارك القارئ في إحساسي بالغيظ آنذاك. فقد شعرت وقتها بالعجز التام – ربما كما هو حال معظم القادة العرب الآن إزاء المشكلة الفلسطينية – فلم أجد مناصاً من الكلام والفضفضة. ووجدت في مقال الأهرام فرصة للتنفيس عن هذا الغيظ. وكنت قد ترددت كثيراً قبل إرسال المقال إلى الأهرام لنشره.  وكان رأى زوجتي جازماً، وهو أن الموضوع شخصي لا يهم أحداً وبالتالي لا محل لنشره، وأنه طالما أنني تعودت الكتابة في قضايا اقتصادية وسياسية جادة، فلا محل لشغل القارئ بحادث فردي تافه. وبعد أن استمعت جيداً إلى رأيها، أرسلت مع ذلك المقال للأهرام، وعدّلت العنوان إلى “حادث تافه” كما قالت، واعتبرت أن هذا التعديل في العنوان استجابة كافية لرأيها، وإرضاء لضميري أرسلت مع المقال كلمة شخصية للمحرر بأنه إذا وجد المقال شخصياً بأكثر مما ينبغي فلا ينشره. وكان أن رأى نشره! ولدهشتي فقد أحدث نشر المقال صدى طيباً. فوجدت تعاطفاً كبيراً من عدد من القراء الذين يبدو أنهم أكثر اهتماماً بقضايا الحياة اليومية منهم بالقضايا العامة الكبرى.

والآن أعود إلى نفس القصة، لأنها – كما في الروايات – انتهت نهاية سعيدة. الحادثة لمن لا يتذكر تتلخص في أن حقيبة الوثائق التي أحملها سرقت – في لحظة – وأنا أقوم بإجراءات السفر في مطار شارل ديجول. وشعرت بحزن شديد لأنها تتضمن أوراقاً ومستندات هامة. وقدمت بلاغاً إلى البوليس، وعدت إلى القاهرة وأنا يائس من إمكان استرجاعها. وكان مكتب البوليس في مطار شارل ديجول قد أعطاني رقم تليفون للاتصال به لعّل وعسى، وهو مكتب المفقودات. وبعد عودتي بيومين اتصلت بالتليفون ولا مجيب. وداومت الاتصال لعدة أيام أخرى حتى وجدت أخيراً إجابة بأن الحقيبة قد وجدت، وأنها حقيبة سوداء وبها أوراق باسمي، ويمكن أن أذهب لاستلامها أو أرسل توكيلاً – بالفاكس – باسم أي فرد لاستلامها نيابة عنى. ولم أصدق. هل صحيح أنها وجدت، وكيف؟ وسألت الموظف عن بعض الأوراق المهمة، فذكر أن بها أشياء كثيرة وبها مفاتيح وكتب، ولكنه لا يستطيع أن يعطيني التفاصيل. فأرسلت إلى أحد أقرباء زوجتي المقيم خارج باريس برجاء الذهاب لاستلام الحقيبة كما أرسلت فاكس بإسمه إلى مكتب المفقودات. وقد كان، وذهب إلى قسم المفقودات واستلم الحقيبة، وأرسل لي محتوياتها.

ولست هنا في مجال الإشارة إلى مدى السعادة والسرور باسترجاع هذه المفقودات، وبعضها بالغ الأهمية بالنسبة لي رغم أنها غير ذات قيمة للسارق. ولكن الأهم من ذلك هو العودة إلى سلوك السارق.  فهو في نهاية الأمر سارق محترم يستحق التقدير، وأود – لو عرفت مكانه – أن أرسل له رسالة تحية وتقدير. ما أعجبني فيه هو “المهنية” في ممارسته مهنته بالسرقة، وقدر لا بأس به من المسئولية الاجتماعية. إما أنه سارق خارج عن القانون يسعى إلى اغتصاب حقوق الآخرين، فهذا أمر لا شك فيه. ولكنه من ناحية أخرى يحصر حدود مخاطره في حدود عقلانية. فهو يسعى لتحقيق مصلحته – بطريق غير مشروع حقاً – ولكنه يدرك أيضاً أنه ليس على عداء مع الضحية، إنه يريد مصلحته الشخصية وليس إيذاء الضحية. ومن هنا فقد اقتصر على أخذ ما يعود عليه بالفائدة، أما الأشياء الأخرى فقد حرص على إبقائها سليمة قابلة للاسترجاع. فهو غالباً ألقى الحقيبة في مكان يساعد على العثور عليها، وليس ببعيد أن يكون هناك اتفاق ضمني – ربما اتفاق جنتلمان – بين هؤلاء اللصوص وبين البوليس. فهم يسرقون الحقائب ويأخذون ما بها من أشياء ذات قيمة مادية مع الوعد بإرجاع الأشياء الأخرى ربما ذات القيمة المعنوية الأكثر أهمية للضحية. ولذلك لا استبعد أن تلقى الحقائب في مكان معروف للبوليس حتى يمكن استرجاعها.  ومن هنا أستطيع أن أفهم كيف أن ضابط البوليس – عند تقديمي البلاغ – كان هادئاً وأعطاني رقم تليفون الأشياء المفقودة، لأن هذه عملية عادية ومستقرة وذات تقاليد معروفة، ولعلي أذكر هنا إلى أن ضمن الأشياء المسروقة سلسلة مفاتيح من الذهب، فماذا فعل السارق، أخرج المفاتيح، وأخذ السلسلة الذهبية – طبعاً – ولكنه حرص على وضع المفاتيح في الحقيبة، فهي لا تهمه، ولكنها قد تكون عظيمة الأهمية بالنسبة للضحية. منتهى التفهم بل والتعاطف!  فشكراً له ألف شكر.

كيف يمكن تفسير ذلك؟ هناك قدر من العقلانية، وقدر لا بأس به من المسئولية الاجتماعية.  عقلانية، قطعاً. فقد حدد لنفسه هدفاً، هو الإثراء على حساب الغير، والوسيلة هي السرقة في المطار، ولكنه ليس عدواً للسياحة أو المسافرين. وقد استخدم الوسيلة بالقدر المناسب لتحقيق الهدف المطلوب دون تجاوز وهذا هو جوهر العقلانية. فالعقلانية Rationality لا شأن لها بالحكم على الهدف، مقبول أو غير مقبول، إنما تتعرض لمدى الاتساق والانسجام بين الأهداف والوسائل، وبحيث تحقق الوسائل المستخدمة الأهداف الموضوعية دون زيادة أو نقص. أما اختيار الأهداف فهو أمر يخضع كثيراً للأهواء والعواطف والقيم الأخلاقية السائدة. ولذلك يمكن أن يقال بأن أهدافه غير مشروعة، ولكنه منطقي تماماً في استخدام الوسائل المحققة لهذه الأهداف. وإما أن عنده قدر من المسئولية الاجتماعية، فهو أنه في سعيه لتحقيق مصلحته الشخصية – ولو بطريق غير مشـروع – فإنه لم يتناسى التفكير في الآخرين، ومدى سعادتهم وشقائهم. فهو حقاً يفضل مصلحته الشخصية – رغم عدم مشروعيتها – ولكنه لا يريد إيذاء الآخرين دون مصلحة مقابلة له. إنه ليس عدواً للمجتمع أو الآخرين، ولكنه انتهازي، فهو لص ظريف واجتماعي. أما أنه لص، فهذا صحيح، ولكن كل المجتمعات تعرف اللصوص. المشكلة هي أن بعضهم أكثر من مجرد لصوص، إنهم أعداء للمجتمع، إنهم لا يسعون فقط إلى الكسب غير المشروع، ولكنهم في سعيهم لتحقيق مصالحهم غير المشروعة يهدمون المعبد أيضاً على الآخرين، وربما على أنفسهم كذلك.

ويذكرني هذا بما يجري من حديث عن الفساد. فالفساد نوع من السرقة، بل هو أسوأ من السرقة، لانه خيانة للأمانة. فالفساد يقع من مسئول تضع فيه ثقتك وتأتمنه على المصلحة العامة فإذا به يُسخّر هذه المصلحة لكسبه الخاص ويخون الأمانة. أما اللص فأنت غالباً لا تعرفه ولم تضع فيه أية ثقة ولم تخوله أمانة، فهو غريب يطمع في مالك، ولذلك فإن جريمته لا تتضمن هذا العنصر الشخصي من الخيانـة. أيا ما كـان الأمر فقد قيل بأن الفـساد موجود في معظـم المجتمعـات – بدرجات متفاوتة – ولكنه في المجتمعات المتخلفة أكثر خطراً، ليس فقط لأن هذه المجتمعات أكثر فقراً وبالتالي أكثر حاجة لكل قرش، وإنما الأدهى من ذلك هو أن هذا الفساد كثيراً ما يكون مدمراً لموارد هذه المجتمعات ولمستقبلها أيضاً. فهو لا يقتصر على تحقيق مصلحة شخصية للفاسد، وإنما يلحق أضراراً غير مبررة للمجتمع. فقد ورد في الأنباء مؤخراً خبر عن انهيار سد في سوريا أقيم منذ عدة سنوات، وقيل – والله أعلم – أن سبب هذا الانهيار هو الفساد، بالسرقة في مواد البناء والإخلال بالمواصفات الفنية المطلوبة تحقيقاً للكسب. فإذا كان هذا صحيحاً، فإن هذا ليس مجرد فساد عادي بل أنه أيضاً عمل عدائي للمجتمع، لأنه لم يقتصر على تحقيق مصلحة للمشاركين فيه برفع التكاليف، ولكنه يتضمن أضراراً للمجتمع بإهدار كل الموارد بغية الحصول على حفنة من المال. وقد عرفت مصر بذلك في بنايات وعمارات تُقام ثم تنهار أو كباري تتصدع بعد أعوام من إنشائها. هذه ليست سرقة فقط بل هي أشبه بجريمة ضد الإنسان والمجتمع. بل هناك ما هو أخطر، مثل عدد من المشروعات الضخمة التي تقام في عدد من بلداننا النامية لغير فائدة سوى أن هناك عمولات في الأفق. فالمجتمع لا يفقد فقط هذه العمولات، ولكـن – وهو الأخطر – أنه يبدء موارده في مشروعات لا طائل من ورائها. إن المشكلة في العديد من الدول النامية لا ترجع فقط إلى وجو فساد – عمولات غالباً – مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف إقامة المشروعات، وإنما لأن هذه المشروعات غير مفيدة بالمرة. فالفساد هنا يخلق مشروعات وهمية ولا يقتصر على الإفادة مما هو قائم. فقد تكون العمولة مليوناً أو مليونين، ولكنه ما يخسره المجتمع هو إقامة مشروعات غير مطلوبة وغير اقتصادية بمئات الملايين نظراً لأن عدداً من عديمي الإحساس يمكن أن يجمعوا عدة آلاف أو مئات الآلاف من الجنيهات أو الدولارات. نسمع عن قضايا فساد في كثير من الدول، ولكن قلما سمعنا عن مشروعات وهمية أو دون جدوى لمجرد إرضاء عدد قليل من الفاسدين.

فحتى الجرائم تتأثر بالوسط الحضاري، كلهم مجرمون، ولكن بعضهم أكثر تحضراً من البعض الأخر. حقاً، أن السرقة دائماً مرذولة والأفضل أن تختفي كلياً من الكون ولكن إذا لا بد منها، فالأفضل لك أن تكون ضحية للسرقة في بلد متحضر فعندئذ هناك احتمالات أكبر لعودة الشنطة والمستندات وكذا الأمر مع الفساد فهو بالغ السوء في كل مكان، ولكنه أكثر بشاعة عندما يجتمع الجشع مع التخلف الحضاري.

 الاهرام 7 اغسطس 2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *