عام يُقبل .. وعام يُدبر

 


 هذا هو مقالي الأول في هذا العام الجديد (2002) أعاده الله على الجميع بالخير.  يمر عام ويأتي عام جديد، هكذاسنة الحياة تتوالى الأحداث وتتعدل أو تنقلب الأوضاع، ويمضي الزمن دورته غير عابئ بما تركته هذه الأوضاع أو تلك الأحداث من شروخ عميقة في النفوس أو تغيرات كبيرة في الآمال والتطلعات.

 

وقد كان عام 2001 عاماً ثقيلاً حفل بأحداث جسام هزت العالم ومنطقتنا العربية بوجه خاص، وما تزال أصداؤها تترد حولنا.  وليس في نيتي أن أقدم سرداً لأهم أحداث العام أو تقييماً لها، ولكن – شأني مثل الكثيرين – لم أستطع أن أمنع نفسي من التأمل فيما آل إليه حال العالم الآن ونحن نستقبل عام 2002، وحالنا – قبل عام بالتمام والكمال – ونحن نتطلع إلى عام 2001.  إن ما يفصل بين الإثنين يبدو شاسعاً واسعاً، وكأنما ينتمي كلٍ منهما إلى عصر مختلف في توقعاته ومعتقداته وسلوكه.  ولا يقتصر الأمر على رجال السياسة ومؤسسات الحكم، بل أن الفرد العادي قد أصابه تغيير كبير في حياته الخاصة، في عمله، وفي علاقته بجيرانه، بنظرته إلى مستقبله ومستقبل أولاده، وخصوصاً في علاقته مع “الغير”، حيث إكتشف فجأة أنه ورغم كل المحاولات العاقلة للتأكيد على وحدة الجنس البشري وتقارب أبنائه وبصرف النظر عن كل دعاوى العولمة وتنميط البشر فالظاهر أن هناك “نحن” كما أن هناك “هم”، وأن الهوة تزداد بين الإثنين.  وكل ذلك حدث فجأة وبدون مقدمات، أو بالأحرى دون مقدمات واضحة ظاهرة، فالحقيقة أنه كانت توجد هناك تحت السطح مؤشرات خافتة تسعى إلى تأكيد الخلاف بل وأحياناً تدعو إلى العداء بين المجتمعات على أُسس عقائدية أو ثقافية أو عنصرية.  ولكن هذه المؤشرات الخافتة وما وراءها من قوى لم تكن تصمد أمام قوى الإقتصاد والتكنولوجيا بنزعتها العالمية التي تكتسح الحدود وتقفز على قيود الطبيعة والجغرافيا بل وربما التاريخ نفسه في مسيرة مضطردة – قوية حيناً ومتردده أحياناً – لخلق إقتصاد عالمي مترابط، أكثر كفاءة، وإن كان أقل رحمه، عالم حديثه العقل ورائده المصلحة أينما وجدت.  وإذا بنا نرتد فجأة إلى عالم شبه بدائي بروابطه القبيلية والعصبية، عماده الدم أو العرق أحياناً والعقيدة أحياناً أُخرى.  وكل هذا حدث بين يوم وليلة.  وكأنما العالم قد هرم فجأة وشاخ.  أمسى طفلاً يحلم بمستقبل واسع، فإذا به يصبح هرماً ينوء بحمل ذكريات ماضية أليمة، وهكذا دب اليأس والخوف من المستقبل وحل محل الأمل والتفاؤل.

 

بدأ عام 2001 مملاً بل وسخيفاً وقد إنجذبت الأنظار إلى تمثيلية هزلية لإنتخابات رئيس جديد للولايات المتحدة يكسب أصوات المندوبين ويخسر أصوات الناخبين، يحقق أغلبية عند عد الأصوات ميكانيكياً ويخسرها إذا عدت يدوياً.  وتدخلت الحرفية القانونية في قضايات ومنازعات أمام المحاكم سواء في الولايات أو على المستوى الفيدرالي لتحديد الفائز.  وأنظار العالم تتجه إلى هذه العملية كتقليعة جديدة مع ما لأمريكا من تاريخ طويل في تصدير مختلف التقليعات، والجميع يبتسم في بلاهة وبعض الخبث.  ويفرح العرب بأستقرار الرئيس الجديد في البيت الأبيض، فهو من عائلة إشتهر رائدها – بوش الأب – بأنه صديق للعرب وممثل مصالح البترول.  والعرب ما يزالون يعتقدون في أهمية صلة الدم وغلبة العلاقات الشخصية.  وكانت الصدمة الأولى هي أن الرئيس الجديد لا يولي إهتماماً أصلاً للعلاقات الدولية وأن الشرق الأوسط كله لا يحتل لديه أية أولوية وأنه – في نظره – أولى بالإنتظار على الرف مع ملفات أُخرى.  ومع خيبة الأمل التي صاحبت هذه الإدارة الجديدة للحكومة الأمريكية مع إهمالها لقضية الشرق الأوسط، فإن الإقتصاد الأمريكي والذي عرف نمواً مضطرداً لأكثر من ثمانية أعوام – حكم الرئيس كلينتون – بدأت تظهر عليه أعراض الوهن، فتدهورت معظم مؤشرات الإقتصاد الأمريكي مما خلق الإنطباع بأن الإقتصاد العالمي سوف يدخل مرحلة من الركود.

 

وإستمرت الأيام في سلسلة باهتة من الأحداث حتى كان الحادي عشر من سبتمبر وتفجير برجي مركز التجارة الدولي في نيويورك والبنتاجون في واشنطن.  ولم تكن الصدمة فقط مفاجأة ومباغتة، بل أن القدر قد أعطاها – فضلاً عن هول الحدث – إخراجاً سينمائياً فذاً بأن عرضت الأحداث حية على شاشات تلفزيونات العالم وقت وقوعها.  وكأن الهدوء  الطويل في أوضاع العالم خلال عام 2001، والسياق الممل للأحداث السابقة، إنما هو تمهيد للزلزال العنيف الذي كان يُخبئُه القدر، وتعظيم للأثر النفسي على المشاهدين، فهو الهدوء الذي يسبق العاصفة.  وبين الساعة التاسعة والعاشرة صباحاً بتوقيت شرق أمريكايوم 11 سبتمبر 2001 وبعد عام طويل من الرتابة والملل، إنفجر هذا البركان ليكتشف العالم ما كان خافياً تحت السطح من عواطف وأحقاد وغرائز مكبوتة.  ومن بعدها ظهرت مصطلحات جديدة وتغيرت العلاقات الدولية، وظهرت تحالفات جديدة، وإنفكت صداقات قديمة، وظهرت – وهذا هو الأخطر – عداوات جديدة، أخطرها الحديث عن خطر الإسلام.  ووجدت الدول العربية والإسلامية نفسها – فجأة – محل إتهام.  وتحول بوش – الرئيس الأمريكي – المحلي النظرة – إلى قائد عسكري يقود تحالفاً دولياً لمحاربة عدو جديد أطلق عليه إسم “الإرهاب”.  وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تدير أمور العالم ليس فقط عن طريق قوتها الإقتصادية أو نفوذها السياسي كما هو حالها منذ منتصف القرن العشرين – بعد الحرب العالمية الثانية – وبوجه خاص بعد أن إنفردت بزعامة العالم منذ عقد من الزمان بعد إنتهاء الحرب الباردة، وإنما أيضاً بقوة السلاح ومع التدخل الفعلي في مسرح العمليات العسكرية بقوات أمريكية.

 

وقد عرف التاريخ في مراحله المختلفة أشكالاً من السلام العالمي الذي فرضته القوة الغالبة في كل مرحلة من مراحله.  فقد فرض السلام الروماني Pax Romana على العالم القديم مع سيطرة روما على العالم القديم المعروف حينذاك حول البحر المتوسط واوروبا، كما عرف العالم السلام البريطاني Pax Britania والذي سيطرت فيه إنجلترا على أوضاع العالم منذ منتصف القرن الثامن عشر وخاصة بعد إنتصارها على نابليون في واترلو 1815 وحتى الحرب العالمية الأولى.  وها نحن نعيش الآن السلام الأمريكي Pax Americana.  وفي جميع هذه الأحوال لعبت القوة والتفوق العسكري دوراً رئيسياً في فرض السلام العالمي.  ولكن علينا أن نتذكر أن شكل هذه القوة العسكرية قد تغير في كل من هذه المراحل.  فالتفوق العسكري الروماني كان تفوقاً في القوة العسكرية البرية حيث كانت جيوش روما – وما وفرته من بنية أساسية من شبكات الطرق – تجتاح مختلف ميادين القتال بقواتها البرية.  أما إنجلترا – المحصورة في جزيرة وقليلة السكان نسبياً – فإنها سيطرت على العالم مـن خلال قواتهـا البحريـةحيث كانت تسود البحار والمحيطات.  وفي العصر الحاضر فإن سيادة الولايات المتحدة العسكرية إنما تستند إلى قواتها الجوية حيث تسيطر على السماوات والفضاء.  فلكل عصر قواته ومجال عملياته، والآن تتم السيطرة العسكرية من خلال السماء والمحطات الفضائية والأقمار الصناعية.  وإنتقال القوة العسكرية من البر إلى البحر إلى الجو، ليس مجرد تغيير في مسرح العمليات وإنما هو تغيير جوهري من نوع المواجهة يتضاءل فيه الدور الشخصي للجندي في ساحة القتال، لتحل محله الشبكات التنظيمية والقدرات التكنولوجية من إدارات العمليات في البنتاجون، إلى مراكزالبحوث وقلاع الصناعة، إلى شبكات الإتصالات، إلى أجهزة المخابرات، إلى محطات التلفزيون، إلى فروع البنوك.  إنها الحـرب الشاملـةوهي أيضاً الحرب عن بعد.  هي حرب بلا وجه للمحارب، أو قل أن له ألف وجه.

 

ولم يكن الجديد في هذه الحرب هو أساليبها فقط  بقدر ما كانت في طبيعة العدو.  فأمريكا – ومن ورائها التحالف الدولي – يعلن أنه لا يحارب أفغانستان، وإنما يحارب الإرهاب، في أفغانستان طبعاً، ولكن أيضاً في كل مكان.  ولأن الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان، فقد واجهت المدن الأفغانية – وكذلك القرى والجبال والكهوف – أحجاماً هائلة من القصف الجوي المكثف في نفس الوقت الذي كانت طائرات أخرى تلقي بالطعام – الساخن – وكذلك الهدايا لأبناء أفغانستان وذلك في مشهد لم نعرف له مثيل في الغرابة والتناقض.  تتساقط حمم النار من السماء وكذلك المن والسلوى، وتتخذ الأمم المتحدة قرارات بشن الحرب على أفغانستان وقرارات أُخرى بإرسال المعونات الإنسانية من الغذاء والبطاطين لمواجهة الشتاء.

 

وإذا كان العدو الجديد في هذه الحرب “الإرهاب” هو كائن هلامي غير محدد المعالم، وغير معرف مكانياً، فإن ذلك لم يمنع أن واجهت الدول العربية والإسلامية موقفاً بالغ الصعوبة.  فالمتهم الرئيسي لعمليات التفجير – بن لادن – سعودي ومسلم، وخاطفو الطائرات كلهم مسلمون من السعودية ومن مصر والمتهمون من شركائهم من دول عربية وإسلامية في الكويت والإمارات.  ولذلك فإن الربط بين الإرهاب والإسلام ليس أمر مستبعداً كلياً.  حقاً لقد حرص جميع المسئولين في مختلف البلدان على التأكيد بأن “الإرهاب” ليس هو الإسلام أو العروبة، وأن حربهم ليست ضد أي منهما.  ولكن إذا لم يكن هناك إتهام صريح، فهناك إشارات وإيماءات.  هناك قائمة من الدول المرشحة لتكون مسرحاً للعمليات بعد أفغانستان، وكلها دول عربية وإسلامية.  ومن هنا الموقف الصعب للدول العربية والإسلامية في تحديد مواقفها.  فهي تعلن أنها ضد الإرهاب، وأن الإسلام ينبذ الإرهاب فضلاً عن أن معظم هذه الدول نفسها كانت ضحية للإرهاب.  ومن هنا كانت مساندة هذه الدول للولايات المتحدة في أزمتها ووقوفها وراءها في حربها ضد الإرهاب.  ولكن هذه المساندة ليست مطلقة وكاملة، فهي تخشى أن يكون الهدف “المعلن” ستاراً لهدف آخر “مضمر”، وأن “الإرهاب” هوالتعبير الرمزي أو الكودي عن النظم العربية والإسلامية، وأن الشعوب بفطرتها ربما تلتقط بغريزتها “المضمر” وتتجاوز عن “المعلن”، فتشعر بأنها ربما تكون حرباً على الإسلام والعرب.  والنظم العربية والإسلامية حائرة بين الإستجابة للضغط الأمريكي والخوف من الشارع العربي والإسلامي.  فكانت مواقف هذه الدول مترددة وكثيراً ما كانت مبهمة وغير واضحة لم تُرض صانع القرار في أمريكا ولم تُسعِد الشارع المحلي.  وكان أكبر الضحايا هو “الإنتفاضة الفلسطينية”.  فقد إلتقط شارون الفرصة، وشبه أعمال الإنتفاضة بعمليات الإرهاب في عملية إعلامية بالغة الدهاء والشيطانية.  فأعمال الفدائيين أصبحت عمليات “عنف” وليست حركة “تحرير وطن”، ولم يلبث أن تحول “العنف” إلى “إرهاب”، وعرفات إلى “بن لادن”.

 

لقد تغيرت صورة العالم خلال الأربعة شهور الأخيرة من عام 2001 كما لم تتغيرمنذ سنوات طويلة.  شئ واحد لم يتغير.  لم يتغير شكل أمتنا العربية والإسلامية.  لم يتغير خطابها، لم يتغير إسلوبها أو مؤسساتها، فهي تبدو أكبر من التغيير، وكذا أهل الكهف.  والله أعلم.

 

الأهرام: 6.1.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *