!

عدو عدوي صديقي…ليس دائماً

هناك انطباع شائع بأن كل ما يفيد عدوي أو خصمي هو خسارة لي، وعلى العكس فإن كل ما يضر به أو يؤذيه هو كسب لي. ومن هنا المقولة أن “عدو عدوي هو صديقي”.  وهذا ما يفسر كثيراً من التصرفات على المستويين الفردي والجماعي.

يكفي أن نستحضر من ذاكرتنا التاريخية الموقف الشعبي في مصر – وربما في العديد من الدول العربية– خلال الحرب العالمية الثانية. فقد قامت هذه الحرب أساساً بين إنجلترا وألمانيا، وكانت إنجلترا تحتل مصر وبالتالي كانت هناك خصومة سياسية بين إنجلترا والمصريين، كأي خصومة بين شعب يتطلع للتحرر من ربقة الاستعمار وسلطة أجنبية تفرض سيطرتها على هذا الشعب. ولذلك ما أن تقدم الفيلق الإفريقي لجيوش هتلر في شمال أفريقيا، حتى قامت المظاهرات في مصر تهتف “تقدم يا رومل”. وكان الشعور بين عدد كبير من المصريين – ليس كلهم – هو تمني انتصار دول المحور – ألمانيا وإيطاليا – على الحلفاء – إنجلترا وأمريكا. والسبب بسيط. أليست إنجلترا عدواً وخصماً؟ إذن فكل هزيمة لها هي انتصار لنا. “فعدو عدوي هو صديقي”، أليس كذلك؟

كلا ليس بالضرورة. ففي هذه الحالة مثلاً كانت ألمانيا النازية تقوم على أساس تفوق العرق الآري، وأن هذا الجنس الجرماني الأبيض يتميز بصفات وراثية تضعه فوق شعوب الأرض التي تتراوح في درجات انحطاطها أو تميزها. فالعنصر الآري في القمة، واليهود في القاع، ولكن ليس بعيداً عنهم الأجناس السامية الأخرى ومنهم العرب. ولذلك فإن تشجيعنا للنازي هو احتفاء بنظام يرى فينا ما يقرب من درجة الحيوان. حقاً لقد كان الألمان النازيون خصوماً للإنجليز، ولكنهم كانوا يعتقدون أيضاً أن هذه خصومة سياسية بين شعوب تنتمي إلى نفس العنصر البشري الراقي، أما نحن – وكذا اليهود – فإننا نأتي في أدنى مراتب السلم البشري. وهكذا فقد كان احتفاؤنا بانتصار الألمان النازيين هو احتفال بطرف يكن لنا أبشع مظاهر الاحتقار. وعندما دخل الألمان الأراضي الروسية من خلال أوكرانيا، استقبلتهم جموع غفيرة من الشعب الأوكراني بالترحيب اعتقاداً منهم بأن الألمان سوف يخلصونهم من السيطرة الروسية. ولكن الألمان كان لديهم أجندة مختلفة. فوفقاً لتصنيفهم للشعوب، كان الأوكرانيون يأتون في مراتب متخلفة، وأنهم – في نظر النازي – لا يصلحون إلا عبيداً للأرض لإنتاج القمح كي تستهلكه الشعوب الآرية الراقية. فكان أن عرف الأوكرانيون معاملة قاسية بالغة الإذلال، فتحولوا إلى مقاومة الاحتلال الألماني. أما إيطاليا – حليفة ألمانيا آنذاك – فقد كان يغلب عليها – مع موسيلني – هاجس استعادة مجد روما وإعادة احتلال واستعمار دول جنوب البحر المتوسط وإحياء الإمبراطورية الرومانية. وكانت إيطاليا تحتل ليبيا بالفعل مع مطامع في مصر. وهكذا فلم يكن عدو عدوي صديقاً بل كان عدواً أشد ضراوة.

والسبب في إثارة هذه القضية الآن، هو ما يطرح على ساحة المناقشة الآن في إطار الجدل السياسي حول الديمقراطية. فرغم أن الجميع يرون أن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من التطوير الديمقراطي الجاد، فإن البعض تثاوره بعض الشكوك حول جدواها، وإنها قد تكون “قوله حق يراد بها باطل”. ويرجع ذلك إلى أن الدعوة إلى التطوير الديمقراطي لا تقتصر على المطالبات الداخلية من مختلف فئات المجتمع، بل أن هناك حملة تبدو منظمة من الخارج للضغط من أجل مزيد من الديمقراطية. وهي حملة ترتفع وتيره نبرتها في الولايات المتحدة الأمريكية في دوائر الإدارة والكونجرس والصحافة، فضلاً عن أن أصواتاً تصدر في هذا المجال من الدوائر الإسرائيلية أيضاً. فهل يمكن أن يأتينا خير من هذه الأوساط، أليس هؤلاء خصوماً لنا. أليس ما نراه في الأراضي الفلسطينية خير دليل على غير ذلك؟ هل تريد أمريكا لنا الخير؟ وهل إسرائيل ووزيرها شارانسكي هم الحريصون على مصالحنا، ومن هنا دعوته إلى “قضية نحو الديمقراطية” في بلادنا؟

الواقع أن هذه المسألة تطرح قضية هامة في تفكيرنا السياسي، وهي هل نتخذ قراراتنا ونعرّف مصالحنا على ضوء ما نحققه نحن من مكسب وخسارة، أم أنه يكفي أن ننظر إلى أعدائنا وخصومنا ونقرر عكس ما يريدونه؟ وأود أن أناقش هذه القضية من الناحية النظرية قبل أن أنتهي بتعليق على موضوع الديمقراطية.

لم تطرح قضية العلاقة بين الخصوم بشكل علمي إلا أثناء الحرب العالمية الثانية عندما أصدر الكاتب المجري – الأمريكي فون نيومان Von Neumann كتابه عن “نظرية المباريات” Game Theory. وأهم ما في هذا الكتاب أن المؤلف – وزميله – أوضحا أن نتائج أية مباراة – بين خصمين أو عدوين – يمكن أن تتراوح بين ثلاثة احتمالات؛ الاحتمال الأول هو ما يعرف بالمباراة الصفرية Zero-sum game. والمقصود بها هو تلك المباريات التي تكون حصيلتها مكسب لأحد الأطراف يعادل تماماً خسارة الطرف الآخر. فما يكسبه طرف هو بالضبط خسارة الطرف الآخر. ولذلك أطلق على هذه المباريات اسم المباريات الصفرية لأن مجموع الكسب والخسارة هو الصفر، فأحدها يلغي الآخر. وهذا هو الحال في معظم المباريات أو الخصومات المعروفة. ففي مباراة كرة القدم – أو أي لعبة أخرى – مكسب فريق هو بالضبط خسارة الفريق الآخر. وفي الحرب، في الغالب – وإن لم يكن دائماً – يكون الصراع من قبيل المباريات الصفرية، فانتصار أحد الجيوش هو هزيمة للجيش الآخر. أقول “في الغالب”، لأنه حتى في الحرب هناك أحوال أخرى غير المباريات الصفرية، على ما سنرى. هذا عن الاحتمال الأول، ولكن هناك احتمالات أخرى، فقد تكون حصيلة المباراة هو تحقيق كسب لكل من الطرفين وإن كان ليس بالضرورة بنفس النسبة لكل منهما. ففي هذه الحالة يخرج الطرفان من المباراة أو الصفقة وكل منهما في وضع أفضل. ولذلك يقال بأن حصيلة المباراة في هذه الحالة موجبة positive – sum game لأن مجموع المكسب للطرفين يكون موجباً. وبشكل عام فإن معظم التصرفات الاقتصادية تقوم على مفهوم المباريات الموجبة. فالبائع والمشتري هما بالقطع نوع من الخصوم والمساومات بينهما هي نوع من المباراة بين خصمين. فالبائع يرغب أن يبيع بأعلى ثمن في حين أن المشتري يريد الشراء بأدنى ثمن. وهكذا فإن مصالحهما تبدو متعارضة. ولكن النتيجة في الغالب لمصلحة الاثنين، وإلا فإنهما لا يقبلان إتمام الصفقة. البائع يتنازل عن السلعة بثمن يزيد عن تكلفته وهو قطعاً يحتاج إلى سيولة. والمشتري يرغب في السلعة ولا يستطيع الحصول على مثلها بثمن أدنى. فتنتهي الصفقة وكل من الطرفين قد حقق مكسباً، وإن لم يكن توزيع المكاسب بالضرورة متساوياً. وأخيراً هناك حالة هي أن تنتهي المباراة بخسارة للطرفين، فالحصيلة الكلية لمجموع المكاسب والخسائر سلبية لأنه لا توجه إلا خسائر، وهو الأمر المعروف بالمباراة ذات الحصيلة السلبية negative – sum game. ولعل أشهر مثال لها كان احتمالات الحرب النووية بين الولايات المتحدة التي كانت تمتلك مخزوناً يمكن أن يقضي على التحاد السوفييتي عدة آلاف المرات، في حين كان الاتحاد السوفييتي يملك مخزوناً يمكنه من إفناء الولايات المتحدة عدة مئات المرات. وبطبيعة الأحوال لم يعد الأمر يحتاج إلى أكثر من فناء واحد، والحرب بينهما هي فناء للجميع.

والذي نلخص به مما تقدم أنه ليس صحيحاً دائماً أن كل ما يفيد خصمي هو ضار بي، فهناك أحوال يكون الأمر نافعاً لي وللخصم على السواء. فانظر إلى التجارة مثلاً، فكل تاجر في حالة منافسة مع غيره من التجار وتبدو مصالحهم متعارضة، ولكن جميع التجار لهم مصلحة في وجود قوانين واضحة وقضاء عادل وسريع. فاختلاف المصالح أو تعارضها لا يحول دون وجود مصالح أو منافع مشتركة.

والآن نعود إلى الديمقراطية.

يقولون أن الديمقراطية على “الطريقة الأمريكية” لا تصلح لنا. حسناً. هذا صحيح. ولكن ما هي الديمقراطية التي تصلح لنا؟ بدلاً من لعن الديمقراطية “المستوردة” من الخارج، نريد أن نعرف الديمقراطية التي تصلح لنا، وما هو برنامجنا لتحقيق هذه الديمقراطية. نريد برنامجاً واضحاً ومحدداً وبمواعيد زمنية لكل مرحلة.

ويظل السؤال الأساسي هو هل الديمقراطية مفيدة ولازمة للجميع المصري والعربي بشكل عام؟ الإجابة السريعة: بالطبع نعم. وهل هي مفيدة أيضاً للولايات المتحدة؟ الإجابة ربما نعم وربما لا.

وإذا كانت الديمقراطية ضرورية لنماء المجتمع وزيادة قدراته على البذل والعطاء وتوفر احترام كرامة الإنسان المصري وحقوقه، فهل نتخلى عنها لمجرد أنها قد تفيد أمريكا أيضاً؟ هل الهدف هو المنافع والمصالح التي تعود علينا أم أن الهدف هو إغاظة الخصوم؟ هل نتنازل عن الديمقراطية لمجرد إغاظة أمريكا أو حتى إسرائيل؟ عجبي!

دعونا من هذا الجدل. المشكلة مشكلتنا، بصرف النظر عن الآخرين. والسؤال هو هل نريد الديمقراطية أم لا؟ وإذا كنا حقاً نريد الديمقراطية، فما هي عناصرها، وما هو برنامجنا لذلك؟ هذه هي القضية.   والله أعلم

الأهرام: 10.4.2005

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *