عذر اقبح من ذنب

وافقت إحدى لجان مجلس النواب الأمريكي على تخفيض المعونة العسكرية لمصر بمقدار مائتي مليون دولار بحجة أن حكومة مصر لا تحترم حقوق الإنسان بدرجة كافية. ورغم أن مجلس الشيوخ الأمريكي وافق على تقديم المعونات كاملة غير منقوصة،إلا أن المشكلة آثارت جواً من التوتر في العلاقات بين البلدين، حيث ترى الحكومة المصرية أن هذا التصرف ينطوي على تدخل في الشؤون الداخلية لمصر الأمر الذي لا يجوز في العلاقات الدولية بالنظر على ما تتمع به كل دولة من سيادة. ومصر حريصة على سيادتها ولا تقبل أي تدخل يمس هذه السيادة.

 

وهكذا تثير هذه الأزمة مبدأين أساسيين في العلاقات الدولية، كثيراً ما يحدث التعارض بينهما،وهما مبدأ “السيادة الوطنية ” من ناحية، ومبدأ ” احترام حقوق الإنسان ” من ناحية أخرى. فماذا يكون الموقف السليم عندما تتعارض مقتضيات كل منها، وهل من المناسب الاحتجاج بأحدهما للتخلي عن الآخر ؟ هذا هو السؤال. ولكن علينا أولاً أن نسترجع تاريخ نشأة كل من هذين المبدأين.

 

ونبدأ بمبدأ ” السيادة الوطنية”. لعل أول من أشار إلى هذا المبدأ هو الفيلسوف الفرنسي جان بودان J.Bodin في مؤلفه عن الجمهورية عام 1576. وكان يقصد بهذا المبدأ أن الدولة – أي الحاكم – يتمتع بالسيادة المطلقة في الداخل وفي الخارج. فالحاكم – الملك – لا قيد على سلطانه في الداخل،فضلا عن أنه لا يجوز لدولة أخرى أن تتدخل في الشئون الداخلية لبلده. فالسيادة، عند بودان، هي أمر مطلق، وهي لا تقتصر على منع تدخل الدول الأخرى في شؤون البلد بل تعطى الحاكم سلطة مطلقة لاقيد عليها. وقد ظلت أفكار بودان مجرد نظريات سياسية حتى القرن السابع عشرعندما عقدت معاهدة وستفاليا 1648، بين الإمبراطور الألماني فيرديناد الثالث وأمراء وملوك فرنسا وأسبانيا وبعض الإمارات الألمانية فضلا عن الجمهورية الهولندية. وأهم ما في هذه المعاهدة هو الاعتراف – على المستوى الدولي – بالسيادة لكل دولة على إقليمها، وعدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأن الدول تتمتع – على المستوى الدولي – بالمساواة في الحقوق والالتزامات. ومنذ ذلك الحين أصبح مبدأ “السيادة الوطنية” أحد أهم مبادئ القانون الدولي. ومن هنا يتضح أن مبدأ السيادة الوطنية قد ظهر فقط منذ القرن السابع عشر، ولكنه كأي شئ في العلاقات الدولية عرف العديد من القيود والضوابط مع تطور الحياة الدولية ومع تزايد التداخل والترابط في العلاقات الدولية.وبوجه خاص فأن ” العولمة” والتي أظهرت حجم الاعتماد المتبادل فيما بين الدول قد حددت، إلى حد بعيد ، من إطلاق السيادة الوطنية. فلا تكاد توجد دولة واحدة في العالم تتمتع بالسيادة المطلقة. هناك دائما حدود وقيود، وهي في تزايد مستمر. فعندما ظهر مبدأ السيادة الوطنية في منتصف القرن السابع عشر، كانت الدول تتمتع بشكل عام باكتفاء ذاتي في مواردها الاقتصادية، فهي تعيش في حدود إنتاجها المحلي ولا تكاد تمثل التجارة الخارجية سوى جزءاً يسيراً – نسبيا – من المعاملات الاقتصادية. وفي خلال الثلاثة القرون التالية ظهرت الثورة الصناعية بما فيها ثورة المواصلات والاتصالات، وازداد الترابط الاقتصادي بين الدول حتى كاد أن يصبح العالم قرية كونيه. فجميع الدول تعتمد كثيرا على ما تستورده من خارج حدودها، وهي في حاجة إلى التصدير لدفع ثمن وارداتها. وهناك انتقالات الأموال من مكان إلى آخر، حيث تستثمر مدخرات مواطني بعض الدول في دول أخرى تمثل فرصاً جديدة للربح وتحقيق الثورة. وإلى جانب هذا الترابط الاقتصادي الذي يزداد يوما بعد يوم، هناك خطر الحروب والأسلحة الحديثة التي يمكن أن تهدد وجود البشرية نفسه، ولذلك فلابد من وضع القيود والضوابط على إنتاج هذه الأسلحة ( مثل معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وكذلك الكيماوية). كذلك هناك اعتبارات البيئة، فما تفعله دولة داخل حدودها لا يلبث أن يؤثر على العالم في مجموعة مثل التأثيرات المناخية ( معاهدة كيتو). وهناك الأوبئة والأمراض، والتي يمكن أن تهدد العالم. وهكذا أصبحت هناك مسئولية على كل دولة باعتبارها عضوا في الجماعة الدولية. فنحن نعيش جميعا على هذا الكوكب الواحد، وبالتالي فلم يعد ممكنا ولا مقبولا أن تستند دولة إلى المفهوم المطلق “السيادة الوطنية” لكي تفعل ما تشاء مادام يتم ذلك في حدود إقليمها الوطن. كلا لم تعد السيادة الوطنية مطلقة، و إنما هي نسبية محدودة بالمسئولية الدولية أمام العالم في مجموعة. ويظل مع ذلك مبدأ السيادة الوطنية قائماً في هذه الحدود وبما لا يجيز لدولة أن تتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى.

 

ولكن السؤال هو هل تتقيد سيادة الدولة أيضا بضرورة احترام حقوق الإنسان؟ هل تقف حدود ” السيادة الوطينة ” أمام احترام حقوق الإنسان، أم أن ” السيادة الوطنية”  مبدأ أكثر أهمية من ” حقوق الإنسان “. وهل هناك مبادئ دولية مقابلة ” لحقوق الإنسان” لمواجهة مبدأ “السيادة الوطنية” في العلاقات الدولية؟ هذه كلها أسئلة مشروعة وتحتاج إلى توضيح.

 

ليس هنا محل تتبع تاريخ تطور مفهوم “حقوق الإنسان”، وربما يكفي أن نشير في هذا الصدد إلى أن من أوائل الخطوات التي دعمت هذا المفهوم في العصر الحديث هو إعلان “حقوق الإنسان” في الولايات المتحدة الأمريكية غداة استقلالها في عام 1776. فهذا هو في الواقع أول إعلان حديث لحقوق الإنسان ، وهو أيضاً مؤشر على المكانة الخاصة التي يحتلها هذا الموضوع في الضمير الأمريكي. فلا ننسى أن الولايات المتحدة، حين قيامها في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، كانت تعرض نفسها باعتبارها دولة ذات رسالة للحرية والديمقراطية. فهي قد خرجت تواً من ربقة الاستعمار البريطاني في حرب الاستقلال، وفتحت أبوابها للمهاجرين وخاصة الذين عانوا من اضطهاد الرأي بسبب العقائد الدينية. وقد حرصت الولايات المتحدة على تأكيد هذا الموقف في الدفاع عن الحريات حتى الحرب العالمية الأولى حين أعلن الرئيس ولسن مبادئه الأربعة عشر عن حرية الشعوب  وتحديد المصير. ولكن وضع الولايات المتحدة تغير تماماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حين تحولت الولايات المتحدة إلى قوة إمبراطورية ذات مصالح متعددة في مختلف مناطق العالم. ومن هنا بدأت أمريكا تتخلى عن دورها السابق كدولة ذات رسالة لتصبح أكثر فأكثر إمبراطورية ذات مصالح اقتصادية وسياسية. وهكذا بدأت كفة المصالح تغلب على المبادئ في سياسية أمريكا، وفي كثير من الأحوال يكون رفع سلاح الدفاع عن مبادئ الحرية والديمقراطية مجرد غطاء لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية،ولم يمنع ذلك من أن تظهر بها انتفاضات الضمير للدفاع عن هذه المبادئ في بعض الأوقات أو لدى بعض الدوائر من حين لآخر. ولذلك فان موقف الولايات المتحدة من رفع شعار الحرية ومبادئ الديمقراطية هو خليط من الوفاء لتقاليد قديمة مترسخه في التاريخ الأمريكي ومن مصالح إمبريالية أنانية لهذه القوة العالمية المهيمنة. فهو موقف يمزج – في الغالب – بين قليل من الإخلاص وكثير من النفاق.

والآن نعود إلى مسيرة حقوق الإنسان. فبعد إعلان الثورة الأمريكية لحقوق الإنسان، قامت الثورة الفرنسية 1797 فأصدرت هي الأخرى “إعلان حقوق الإنسان والمواطن”. وأصبح موضوع “حقوق الإنسان” من المكتسبات الجديدة للديمقراطيات الحديثة. فما من دستور صدر منذ القرن التاسع عشر إلا وتضمن التأكيد على ضرورة احترام الحقوق الأساسية للإنسان.

 

 وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ورغبة في إرساء نظام دولي جديد بعد أهوال هذه الحرب، صدر “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” من الجمعية العامة للأمم المتحدة 1948، وبذلك انتقل موضوع حقوق الإنسان من مجرد استحقاق دستوري داخل كل دولة إلى المجال الدولي ليصبح أحد مقومات النظام الدولي المعاصر.ومنذ إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد الحرب مباشرة تعددت الوثائق الدولية لا عطاء هذه الحقوق مزيداً من الضبط والتفصيل. فصدرت إعلانات للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولحقوق المرأة، ولحقوق الطفل. ولم تصدر هذه الإعلانات في شكل معاهدات ملزمة بل صدرت عادة في شكل قرارات من الجمعية العامة للام المتحدة. وفي اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بمناسبة بداية الألفية الثالثة، صدر عن الآمين العام تقرير هام يناقش فيه احتمالات التعارض بين مبدأ ” السيادة الوطنية” وبين ضرورة “احترام حقوق الإنسان”، مؤكداً أن السيادة لم تتقرر في الأصل للحكومات إلا لأن أحد أهم وظائف الحكومات الرئيسية هو حماية حقوق مواطنيها وحرياتهم، فإذا أخلت الحكومة بهذا الواجب سقط عنها حق السيادة. فالسيادة ليست حقا أو امتيازاً للحكومات، و إنما هي مسئولية والتزام بضرورة توفير الأمن والاستقرار للمواطنين وحماية حقوقهم، فإذا أخلت بهذا الواجب سقط عنها حق السيادة. وهكذا فالسيادة الوطنية – كما حق الولاية للأب على أولاده – إنما تقررت لحماية حقوق المواطنين – أو مصالح الأولاد في حالة ولاية الأب – وهذه وتلك تسقط عند التفريط في هذه الحقوق أو في تلك المصالح. فلا يجوز أن يدفع أب بأولاده للرذيلة ويحتج بأنه حر التصرف في أولاده، ولامعقب عليه!

 

ويتضح من هذا الاستعراض أنه أيا كانت القيمة القانونية لمبدأ “السيادة الوطنية” أو “لإعلانات حقوق الإنسان” في ظل القانون الدولي، فأنه لا يليق بدولة متحضرة أن تتخفى وراء مبدأ السيادة الوطنية للرد على اتهامات بالإخلال بحقوق الإنسان. فهذا تصرف اقرب إلى الاعتراف الضمني بأن الدولة تهدر بالفعل حقوق الإنسان. الأولى أن تعلن الدولة حرصها على احترام حقوق الإنسان، وأن تفند الاتهامات الباطلة إذا لم يكن لها أساس،وأن تتعهد بإصلاح الخلل – إذا وجد ثمة خلل – في أوضاع حقوق الإنسان، وألا تتستر وراء الاحتجاج بالسيادة الوطنية.إننا جمعياً نرفض أي مساس بالسيادة الوطنية ولكننا وبنفس القوة ندين انتهاك حقوق الفرد والمواطن.

 

السيادة الوطنية ليست ميزة ممنوحة للحكومات ، وإنما هي مسئولية أنيطت بها لضمان احترام حقوق الإنسان. كلنا نناضل من اجل الاستقلال وعدم المساس بالسيادة الوطنية ، لأن هذه السيادة هي السياج الضامن للحقوق والحريات السياسية للفرد. أن الاحتجاج برفض الموقف الأمريكي لأنه تدخل في سيادتنا الوطنية مع عدم التحرك على جبهة تحسين أوضاع حقوق الإنسان هو عذر اقبح من الذنب، وهو كلمة حق قد يراد بها باطل. إن الدفاع عن حقوق الإنسان ليس تفريطاً في السيادة الوطنية، وعندما تجهض حقوق الفرد فان السيادة الوطنية نفسها تصبح جوفاء بغير مضمون. لأنه لا سيادة لغير الأحرار.

 

والله اعلم  

الاهرام 22 يوليو 2007     

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *