على هامش مؤتمر الدوحة: إتفاق اللحظة الأخيرة

جاء الإجتماع الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية في الدوحة وسط ظروف بالغة الصعوبة على مستقبل النظام الدولي.  فقد إنعقد المؤتمر (9-14 نوفمبر 2001) والعالم يواجه ما أطلق عليه “حرب ضد الإرهاب”، وهو ماعبر عنه البعض بأنه أولى حروب القرن الحادي والعشرين، حرب عالمية جديدة يقودها تحالف دولي ضد عدو جديد، غير محدد الهوية –الإرهاب.  وعندما إنعقد المؤتمر لم تكن الصورة واضحة عن نتيجة هذه الحرب الجديدة وعملياتها العسكرية، وفقط في اليوم الأخير أو قبل الأخير سقطت كابول، وبدا أن الفصل الأول للعمليات العسكرية ضد أفغانستان قد إقترب من نهايته، وإن كان الغالب أن المستقبل ما زال يحتفظ لنا وللعالم بفصول قادمة ومثيرة لهذه الدراما الجديدة.  وإلى جانب هذا المناخ العسكري، فإن الإقتصاد العالمي يبدو في أسوأ أحواله منذ عقود طويلة.  فقبل الحادي عشر من سبتمبر كان هناك حديث عن ركود إقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية بدأت مظاهره منذ حوالي العام.  فبعد فترة من الرواج الإقتصادي غير المعروف – طوال عهد الرئيس كلينتون – بدأت مظاهر الوهن الإقتصادي الأمريكي.  فقطاع إقتصاد المعلومات والإتصالات، وهو ما أطلق عليه “الإقتصاد الجديد”، عرف نمواً وإزدهاراً مستمراً حتى قيل أن قوانين الإقتصاد لم تَعُد تصلُح لهذا الإقتصاد الجديد، وإذ بنا نرى أن قوانين الإقتصاد شأنها شأن القوانين الطبيعية لا يمكن الفرار منها، فكما لا يمكن تجنب قوانين الجاذبية فكذا الحال مع الإقتصاد، فهي قد تُمهِل ولكنها لا تُهمِل.  فإرتفعت أسعار أسهم التكنولوجيا الجديدة إلى آفاق غير معقولة لا صلة لها بالأرباح أو العوائد حتى بلغ مؤشر ناسداك أكثر من خمسة آلاف نقطة، وإذ به في أقل من عام يفقد أكثر من 70% من قيمته وينحدر إلى أقل من 1500 نقطة – ومع تدهور أسعار أسهم الإقتصاد الجديد لم تلبث أن لحقتها أيضاً أسعار أسهم الإقتصاد القديم، وساد، بالتالي، شعور بضعف الثقة في مستقبل الإقتصاد الأمريكي.  وبدأ بنك الإحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) معركة شديدة من أجل إستعادة الثقة وتخفيف الأعباء على المستثمرين، فخفَّض أسعار الفائدة عشرة مرات حتى وصلت إلى مستويات لم تعرفها منذ أكثر من نصف قرن.  وفي هذه الظروف من الصراع من أجل إستعادة الثقة في مستقبل الإقتصاد الأمريكي جاءت أحداث 11 سبتمبر فأجهزت على مقومات الثقة، وإرتفعت معدلات البطالة، وإنخفض مُعدل النمو الإقتصادي في الربع الأخير، وخفَّضت المؤسسات الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي) توقعاتها بالنسبة إلى إحتمالات النمو للإقتصاد العالمي للعام القادم.  وإذا كان هذا هو حال إقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الإقتصاديات الصناعية الأخيرة ليست أفضل حالاً.  فاليابان تُصارع في أزمة هيكلية مستحكمة أكثر من عشر سنوات، وأوروبا بدأت – هي الأُخرى – تُعاني من إرتفاع معدلات البطالة وإنخفاض معدلات النمو.  وهكذا يجيء إجتماع منظمة التجارة العالمية وسط جو من الوجوم والتشاؤم حتى إرتفعت أصوات تُطالب بتأجيل الإجتماع لظروف أُخرى أفضل حالاً.  ولكن تغلَّب الرأي بضرورة عقد هذا الإجتماع وعدم الإستسلام لجو التشاؤم والتأكيد على أن النظام الدولي قادر على الصمود والسير قُدماً رغم هذه الظروف المحيطة.

وإذا كان المؤتمر ينعقد في هذه الظروف غير المؤاتية عالمياً سواء على الناحية السياسية أو الإقتصادية، فإن الخلفية التاريخية القريبة لهذا المؤتمر لا تقل تعاسة.  فعندما وقِّعَت إتفاقية إنشاء المنظمة العالمية للتجارة في ديسمبر 1994 في مراكش ساد شعور الإنتصار والزهو لبدء مرحلة جديدة للنظام التجاري الدولي برعاية منظمة التجارة العالمية.  وإعتقد البعض – مؤيد أو مُعارض – أننا دخلنا مرحلة “العولمة”، وأن منظمة التجارة العالمية قد أصبحت الشرطي الجديد الذي يفرض قواعد التعامل الدولي.  وكان الإعتقاد الغالب بين المُعارضين هو أن هذه القواعد إنما هي تعبير عن مصالح الدول الصناعية المتقدمة التي رأت في الحدود السياسية وفكرة السيادة القومية للدولة عائقاً أمام إننتشار منتجاتها الصناعية، فأرادت عن طريق إتفاقيات التجارة الجديدة تجاوز هذه الحدود وتخطي هذه السيادات.  ومن هنا فقد أدى قيام هذه الإتفاقات وإنشاء منظمة التجارة العالمية إلى بزوغ تيار قِوى مُعارض للعولمة وأهم مظاهرها منظمة التجارة العالمية.  وعندما إنعقد المؤتمر الوزاري الثالث لهذه المنظمة في سياتل قبل عدة أعوام كانت حركة مناهضة العولمة في أوجها وتكاتفت عوامل عدة أدت إلى فشل هذا المؤتمر فشلاً ذريعاً حيث لم يستطع الوصول إلى إتفاق، وإعتُبر هذا الفشل إنتصاراً لأعداء العولمة وهزيمة للنظام التجاري الدولي الجديد ومنظمة التجارة العالمية.  وهكذا يأتي الإعداد لهذا المؤتمر الجديد – في ظل ذكرى مؤتمر سياتل – مغامرة كُبرى حول مستقبل النظام التجاري الدولي، حيث أن أي فشل جديد هو نهاية لمصداقية منظمة التجارة العالمية وإلى حد بعيد لمستقبل النظام التجاري الدولي.  وبذلك تكاتفت عوامل مُتعددة لوضع العالم في حالة ترقُّب نتيجة لهذا المؤتمر الجديد.  هناك الحرب ضد الإرهاب وما ولدته من غرائز كامنة لصراع بين الحضارات، وهناك شبح الأزمة الإقتصادية والركود العالمي وذكرى الأزمة العالمية في الثلاثينات وما تلاها من حرب عالمية، وهناك أخيراً ظلال فشل مؤتمر سياتل وسقوط فكرة العولمة وعودة الحمائية.  ومن هنا تركزت الأنظار ليس على المؤتمر وإجتماعاته، وإنما على الإعلان الأخير، وأصبح التساؤل هل يصل المجتمعون إلى إتفاق أم على العكس سوف ينفضُّون بلا إتفاق.  ولم يبخل أعضاء المؤتمر في تأكيد جو الإثارة وحبس الأنفاس، فطوال أيام المؤتمر، كان الشعور العام السائد هو أن فرص نجاح المؤتمر توازي تماماً فرص فشله، وإستكمالاً لجو الإثارة وشد الأنفاس فلم يصل المؤتمر إلى إتفاق على البيان الختامي إلا في اللحظة الأخيرة وبعد مد فترة المؤتمر ليوم آخر.

وقبل أن نُعلق على البيان الختامي، لعلنا نذكُر أن أهم أحداث المؤتمر ليست فيما صدر عنه من بيان وما إرتبط به من فتح الباب لجوله جديدة للمفاوضات، بل الأمر الأكثر خطورة هو إتساع محال عضوية منظمة التجارة العالمية إلى 142 دولة، والأكثر أهمية هو دخول الصين عضوية المنظمة بعد خمسة عشر سنة من مفاوضات طويلة وعسيرة.  وبدخول الصين، ومن قبلها الهند ومعظم الدول النامية، فإن المنظمة سوف تأخذ طابعاً جديداً ومُختلفاً عما تصورته الأذهان في الماضي، بالنظر إلى المنظمة – وهي إستمرار لمنظمة الجات – بأنها مجرد ناد للدول الصناعية المتقدمة.  لم يعُد هذا الأمر كذلك، أو لم يعُد كذلك بنفس الدرجة.  لقد بدأت المنظمة تأخذ شكلاً جديداً.

وعندما نتحدث عن دخول الصين منظمة التجارة العالمية فإننا لا نتحدث فقط عن دولة لألف ومائتي مليون نسمة، وهي دولة ما تزال تُعلن إنتمائها للنظام الشيوعي رغم توَسُّع مجال إقتصاد السوق فيها – ولكننا نتحدث عن أكبر دولة عرَفَت نمواً إقتصادياً مطرداً خلال العقد الفائت، حيث إستمر مُعدَّل النمو بما لا يقل عن 7% سنوياً – وأحياناً جاوز 13%، وذلك لفترة جاوزت العشر سنوات، وهذا إنجاز كبير.  ولعل ما يسترعي الإنتباه هو حرص الصين على دخول المنظمة.  فقد إستمرت، في مثابرة غريبة، لمدة حوالي خمسة عشر سنة في مفاوضات شاقة مع أعضاء المنظمة وخاصة الولايات المتحدة لتقديم إلتزامات في نظامها الإقتصادي لكي تُقبل في المنظمة.  ويُعتبر إصرار الصين على دخول المنظمة، وقبولها للعديد من الإلتزامات، تأكيداً على رغبتها في الإندماج في الإقتصاد العالمي، وقبول فكرة العولمة، أو بالأحرى إعتقادها أن محاربة النظام العالمي من خارجه أمر غير فعال وغير مُجد، وأنه من الأفضل الإنضمام إلى المنظمة ومحاولة التغيير من الداخل.  وهذا الموقف لا يعني، بالضرورة، الرضوخ للنظام العالمي القائم، وإنما قد يُفيد أن التغيير من الداخل أجدى وأفعل.  وليس هناك من شك في أن المنظمة العالمية بعد دخول الصين والعديد من دول العالم، لم تعُد تلك المنظمة التي كانت قاصرة على الدول الصناعية الغربية في مرحلة الجات.  وليس بعيداً أن تتحول منظمة الجات العالمية في مسار لا يختلف عن مسار منظمة الأمم المتحدة نفسها.  فعند إنشاء منظمة الأمم المتحدة في 1945 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، غلب عليها سيطرة الحلفاء المنتصرين في الحرب.  فكان أعضاء المنظمة حينذاك – إحدى وخمسين دولة – يغلب عليهم الدول المُنتصرة في الحرب – في الغرب وفي المعسكر الإشتراكي – أو الدول الواقعة تحت نفوذهم.  وما لبث أن تطور الأمر وأصبحت الأمم المتحدة – الآن أكثر من 185 دولة – منظمة لدول العالم الثالث، وفقدت الدول الصناعية دورها الرائد الذي عرفته غداة إنتهاء الحرب العالمية الثانية، ويستثنى من ذلك، بطبيعة الأحوال، مجلس الأمن الذي لا زال يخضع لسيطرة المنتصرين في تلك الحرب.  ويبدو أن منظمة الجات العالمية تسير في نفس الإتجاه الذي مرت به سابقاً الأمم المتحدة بعد دخول العديد من دول العالم الثالث في عضويتها.

والحديث عن زيادة دور دول العالم الثالث في المنظمة هو حديث عن العلاقة بين القوة الإقتصادية من ناحية والنفوذ السياسي من ناحية أُخرى، في مجال تقنين قواعد التجارة العالمية.  فالغرض من إنشاء منظمة التجارة العالمية هو إرساء القواعد المؤسسية لوضع مبادئ وقوانين هذه التجارة مع العمل على مزيد من تحريرها من القيود المختلفة.  فالمنظمة هي بالدرجة الأولى جهاز لوضع القواعد Rule-making، فضلاً عما تتضمنه من إيجاد آلية لفض المنازعات، فهي بذلك أشبه بالسلطة التشريعية ويلحق بها أيضاً سلطة قضائية في مجال التجارة الدولية.  ولذلك فإن لإسلوب عمل المنظمة تأثير بالغ على كيفية وضع قواعد التجارة الدولية وتطورها.  ويقوم عمل المنظمة على أساس التفاوضNegotiation  والتوافق Consensus، وهذان الإسلوبان يتحيزان للنفوذ السياسي بأكثر مما يعكسان القوة الإقتصادية.  فالدول الصناعية المتقدمة وهي تُمثل ما يزيد على 70% من حجم التجارة العالمية تعمل من خلال المنظمة التي تضم عضويتها غالبية من دول العالم الثالث.  فالقوّة العددية لدول العالم الثالث توازن القوّة الإقتصادية للدول الصناعية.  وهكذا يعوَّض عن الضعف الإقتصادي لدول العالم الثالث كثافة عضويتها في المنظمة، وإعتماد قراراتها على إسلوبي المفاوضة والتوافق اللذان يتحيزان للعدد وليس للثروة.  ومن هنا فإن صوت العالم الثالث في منظمة التجارة العالمية يزيد بكثير عن صوتها في المؤسسات المالية الدولية لبريتون وودز (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي).  فهذه المؤسسات الأخيرة تعتمد على المبدأ وقراراتها لا تعتد بعدد الدول بل بحجم مساهمتها في رأس مال كل من البنك والصندوق.  ولذلك ظلَّ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مؤسستين خاضعتين لنفوذ الدول الصناعية المتقدمة رغم إنضمام معظم دول العالم إلى عضويتهما.  وليس الأمر كذلك بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية.

وما تقدَّم لا يعني أن مصالح الدول الصناعية أو الدول النامية واحدة ومنسجمة بالنسبة لكل منهما، فهناك خلافات في مصالح الدول الصناعية كما أن هناك وجهات نظر ومصالح متعارضة للدول النامية.  ومع ذلك تظل هناك مصالح واسعة مشتركة للدول الصناعية بالنظر إلى تقدمها الصناعي والتكنولوجي، ومصالح أُخرى واسعة مشتركة للدول النامية.

وليس هنا مجال التعرُّض لأهم نتائج مؤتمر الدوحة، ويكفي الإشارة فقط إلى بعض القضايا التي نجحت للدول النامية في تغليب صوتها.  فإذا كان المؤتمر قد نجح في الموافقة على بدء جولة جديدة للمفاوضات – برنامج للعمل – فقد نجح الإعلان النهائي – إلى حد كبير – على إبراز مخاوف الدول النامية وحرصها على التأكيد على أهمية مراعاة همومها التجارية.

وأخذت قضايا التنفيذ Implementation Issues – وهي تتعلق بشكوى العديد من الدول النامية من إسلوب تنفيذ قواعد الجولة السابقة من الدول الصناعية – أهمية كبرى في الإعلان بإعتبارها أولوية كبرى.  وبالمثل فإن التشدد الأوروبي في دعم الزراعة وحمايتها قد وجد صياغة تؤكد على الهدف النهائي لإزالة القيود وتخفيض الدعم – بغرض إلغائه.  وقد مثلت الإشارة إلى إلغاء الدعم الزراعي مشكلة سياسية داخلية للدول الأوروبية وخاصة فرنسا، فاالمصالح الإنتخابية وتأثير الأوساط الزراعية على الإنتخابات في فرنسا أمر معروف، وكان من الصعب عليهم – في سنة إنتخابات رئاسية – قبول هذا التنازل.  وتمَّ التوافق على صيغة “تخفيض الدعم بغرض إلغائه” بدلاً من النص على الإلغاء مباشرة.  كذلك فقد كان موضوع حقوق الكلية الفكرية فيما يتعلق ببراءات الإختراع في صناعة الأدوية موضع إهتمام كبير لدى معظم الدول النامية في حمايتها للصحة العامة وتوفير الأدوية بأثمان مقبولة لمواطنيها.  وقد تمَّ الوصول إلى صياغة تسمح للدول بتجاوز هذه الحقوق لبراءة الإختراع حماية للصحة العامة.  إلى جانب هذه القضايا القائمة، فقد كان موضوع القضايا الجديدة (التجارة والإستثمار، التجارة والمنافسة – المشتريات الحكومية – تسهيل التجارة) مثار تخوف كبير من الدول النامية لعدم الوضوح أحياناً ولنقص إمكانياتها المؤسسية أحياناً أُخرى.  ولذلك فقد أخذ الإعلان النهائي بتأجيلها عملياً إلى الإجتماع الوزاري القادم مع التأكيد على حاجة الدول النامية إلى المساعدات الفنية لتدعيم قدراتها المؤسسية.

ويمكن القول بصفة عامة أن مؤتمر الدوحة – وقد فتح الباب لجولة جديدة في المفاوضات – قد نحج في تخطي عقبة الفشل التي صاحب مؤتمر سياتل السابق، وتمكَّن عن طريق التوفيق في الصياغة من إيجاد أرضية عامة للسير قُدُماً في النظام التجاري الدولي، ولكن تظل النتائج الحقيقية رهناً بالمفاوضات المستقبلية حول القضايا المطروحة.  من الصعب القول بأن الدول النامية قد حققت أهدافها بالكامل، ولكنها أيضاً لم تتنازل عنها، وأسمعت صوتها عالياً في الإعلان النهائي.  وسوف يتحدد مدى نجاحها بمدى قدرتها على التحضير والتنسيق والمبادرة خلال جولة المفاوضات القادمة.  وهي أمور بدأت تتعلمها وإن كان الطريق ما زال طويلاً.  والله أعلم.

الأهرام: نوفمبر 2001

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *