عندما تختلط الأوراق

الأصل أن الكاتب يلجأ إلى الكتابة عندما يكون لديه فكرة أو رسالة يريد إيصالها إلى القارئ. أما أن تختلط الأمور عليه، فيلجأ إلى القراء لمساعدته على الفهم، فهذا هو الغريب. والحقيقة أن ما أحاول أن أسطره اليوم في هذا المقال هو نوع من ذلك. فقد اختلطت الأمور أمامي، ولم أعد أفهم، وأردت بهذا المقال أن أعبّر عن حيرتي إزاء ما يجري، وإذا لم يكن الهدف من هذا المقال هو طلب الإيضاح والتفسير من القراء – حيث لا أعتقد أنهم أقل حيرة مني، فعلى الأقل فقد أنجح في إشراكهم معي حيث لا أعتقد أنني الوحيد العاجز عن متابعة ما يجري على الساحة حولنا.

خرجت علينا الأخبار منذ أيام، بأن ليبيا قررت أن تفض برنامجها لإنتاج أسلحة الدمار الشامل – نووية أو كيميائية أو بيولوجية – وأن تخضعه للتفتيش الدولي، وأن هذا القرار قد صدر “بإرادة حرة”، وذلك حرصاً على توجيه موارد الدولة لأغراض التنمية. والحقيقة أنه لا خلاف في أنه من الضروري أن تكرس الدولة – كل دولة – كافة الجهود وتوجه كل الموارد لأغراض التنمية. ولكن السؤال، هل هذا اكتشاف جديد؟ هل أصبحت التنمية مهمة الآن فقط، ولم تكن كذلك في الماضي؟ وإذا كانت برنامج إنتاج أسلحة الدمار الشامل عقبة في سبيل جهود التنمية، فلماذا كان البدء فيها أصلاً في الماضي، وإذا كان الاستمرار في هذه البرامج بعد اليوم خطأ، فهل كان البدء فيها في الأمس من قبيل الصواب، وهل هناك مسؤولية أو مساءلة عن هذا القرار أو ذاك؟ وتزداد الأمور غرابة عندما نقرأ أن العقيد يصرح لشبكة سي.إن.إن الإخبارية الأمريكية، بأن “البرامج التي أعلنت ليبيا التخلي عنها كانت تستخدم للأغراض السليمة”، أي أن الأمر لم يكن متعلقاً بأسلحة دمار شامل بل ببرامج للأغراض السليمة. فهل هذه أيضاً تتعارض مع أهداف التنمية؟ ولا تكتفي ليبيا بهذا القدر من الإرباك بل إنها تقدم نصيحة لسوريا بأن تهتدي بها وأن تتخلى بدورها عن برنامجها، رغم أن سوريا تعلن، صباح ومساء، بأنها لا تطور أية أسلحة للدمار الشامل، وأنها تطالب، مع غيرها من الدول العربية، بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من هذه الأسلحة، وبلا استثناء، أي بضرورة إخضاع إسرائيل لنفس المعاملة. وتأتي نصيحة ليبيا لسوريا في هذا المقام غريبة وشاذة، حيث يمكن أن تعطي حجة لمن يتهمون سوريا بالقيام سراً بتطوير مثل هذه البرامج. أليست ليبيا دولة شقيقة لسوريا، وهكذا تكون مناشدة ليبيا بمثابة، شهد شاهد من أهلها. ولا تقتصر المفاجآت في هذا الميدان على ما تقدم، بل يبدو أن البرنامج الليبي نفسه في المجال النووي أو الكيميائي أو البيولوجي برنامج متواضع للغاية وبينه وبين إنتاج أسلحة دمار شامل فراسخ وفراسخ. ولذلك، فهناك محل للتساؤل، إذا كان البرنامج متواضعاً حقاً، وكان أساساً للأغراض السلمية، فعلام هذه الضجة الكبرى؟

الحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي تخرج علينا ليبيا بأمور تصعب على الفهم. ولعل أقرب هذه القصص للأذهان هي قصة تعويضات سقوط الطائرة في لوكيربي. فهذه طائرة وقعت وراح ضحيتها عدة مئات من المسافرين وغالبيتهم من الولايات المتحدة، واتهمت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ليبيا بأنها وراء سقوط الطائرة باعتباره عملاً إرهابياً قامت به المخابرات الليبية. وقد رفضت ليبيا هذا الاتهام وأنكرته تماماً. ومع ذلك فقد وصلت إلى اتفاق مع الولايات المتحدة على تعويض ضحايا هذه الطائرة بمعدل عشرة ملايين دولار لكل فرد في صفقة بلغت حوالي ثلاثة آلاف مليون دولار مع التأكيد – في نفس الوقت – على عدم مسؤولية ليبيا عن سقوط الطائرة! كيف؟ لا أدري. بالنسبة لنا – أقصد بالنسبة للعوام ورجل الشارع العادي – يبدو الأمر غريباً. إذا كانت ليبيا بريئة من تهمة تفجير الطائرة، وأن العاملين فيها من أجهزة المخابرات لا شأن لهم بسقوط الطائرة، فكيف تتحمل ليبيا تعويض هؤلاء الضحايا عشرة ملايين لكل واحد. هل هو عمل من أعمال الخير والمروءة لمشاركة أهل الضحايا في فجيعتهم؟ إذا كان الأمر كذلك فهذه مروءة يشكرون عليها. ولكن ألا يوجد ضحايا آخرون، في فلسطين مثلاً والأقرباء أولى بالمعروف، أو حتى أفريقيا القريبة إلى القلب في المرحلة الحاضرة. فهذه قارة يمزقها مرض الإيدز، وقد عانت من حروب أهلية أرهقتها لعقوداً وفي الجزائر الدولة الجار التي تعرضت للزلزال منذ فترة ليست بعيدة، ألم يوجد بين هؤلاء من يستحق المشاركة في كرم التعويضات التي تقدمها ليبيا للضحايا. ويبدو أن الذي قام بالتفاوض على هذه الصفقة ليس الحكومة وإنما إحدى هيئات المجتمع المدني، وبالتالي، فإنه لا تثريب على الحكومة. فالأمر لا يعدو أن يكون نوبة كرم عاتية أصابت إحدى جمعيات المجتمع المدني التي تأثرت – أيما تأثر – بآلام ضحايا سقوط الطائرة فرأت أن تخفف عليهم أحزانهم بدفع هذه التعويضات. لا بأس. ولكن من أين جاءت الأموال، هل من خزانة الدولة؟ لا أحد يعرف!

ومناقشة مثل هذه الأمور لا تعتبر تدخلاً في الشئون الداخلية لدولة شقيقة، فالعقيد القذافي يفخر بأنه ليس رئيس دولة أو أنه يشغل مركزياً سياسياً فهو مجرد مواطن، حيث أن الشعب هو الذي يحكم في ليبيا من خلال المؤتمرات الشعبية. وهو يحرص على المناقشة والحوار، وله مؤلفات وروايات. فلا بأس من المناقشة. وقد حضرت – منذ سنوات – لقاء عقده العقيد في مصر مع مجموعة المفكرين ورجال الإعلام أكّد فيه أنه لا يُشغل أي منصب، وأن ما يقوله هو آراء مواطن ومفكّر. ويومها عرض علينا مفهوم “الديمقراطية” وأصلها اللغوي. فالكلمة الإنجليزية هي Democracy، “ديمقراطسي”، وهي مكونة من شقين. الشق الأول ديمو Demo، وسألنا عما إذا كنا نعرف المقصود بهذا الشق، فتبرع بعض الحاضرين بالقول بأن Demo معناها “الشعب” باليونانية، فصحح لنا العقيد الأمر مبيناً أن المقصود هو الديمومة، أي الاستمرار، أما الشق الثاني من كلمة ديموقراطسي فهو “كراسي”. وبذلك فإن الديمقراطية تعني “ديمومة الكراسي”، والمقصود بذلك هو “كراسي الحكام”. وهذا هو سبب كل المشاكل السياسية في معظم الدول، المشكلة هي إذن التسابق على كراسي الحكم. ولذلك فإن “الجماهيرية” قد حلّت هذه القضية حلاً جذرياً، بأن جعلت الحكم مباشرة للشعب، وبالتالي فإن الكراسي لكل الشعب وليس فقط للحكام. ومن هنا فإن الوضع في الجماهيرية يختلف عن معظم الدول، وذلك لأن كراسي الحكم هي للشعب كله، فكل فرد أو مواطن يجلس على كرسي من كراسي الحكم، ويعكس المجتمعات الأخرى حيث تجلس الوزارة أو الحكومة وحدها على كراسي الحكم، ويظل الشعب واقفاً أو لاهثاً.

وقد استعدت هذه الصورة عندما وجدت صعوبة في فهم ما يجري. فمما لا شك فيه، أن اختلاف الموقع والظروف يؤدي إلى اختلاف الرؤية. فالجالسون على الكراسي يرون الأمور من زاوية مختلفة عمّا يراه الواقفون، مثلاً، وهكذا. وهذا هو جوهر نظرية النسبية. فما يراه الواقف يختلف عما يراه الراكب في مركبة متحركة. وعلى ذلك فمن يجلس على الكرسي طويلاً مثلاً، لا بد أن يصيبه الملل من طول القعدة، وهو يريد أن يغيّر من جلسته من آن لآخر. فالجلوس والاسترخاء رغم أنه مريح، إلا أنه ممل، ولابد من التغيير من آن لآخر لمزيد من الإثارة. ولذلك فإن ما يبدو من مفاجآت وتغيير في المواقف إنما هو نتيجة طبيعية لطول الجلوس على الكراسي. فبعد فترة لابد أن يمل الجالس وأن يغيّر من جلسته، فإذا كان يضع ساقاً على ساق فإنه لن يلبث أن يحتاج إلى تغيير جلسته بأن يستدير إلى الوراء أو أن يجلس القرفصاء مثلاً. وهي أمور لا يعرفها من لا يجد كرسياً حيث يظل لاهثاً للبحث عن مكان يستريح فيه، فلا وقت عنده للتغيير. ومن هنا فإن ما نراه غريباً  في أمور ليبيا إنما يرجع، في الغالب، إلى أن الجميع عندهم يجلسون على الكراسي ويريدون أن يغيروا من جلستهم بين حين وآخر. وهكذا فليس غريباً، أن نجد أن بطل القومية العربية والمحارب الأول من أجل الوحدة العربية هو أول الكافرين بها وأول من يطلب الخروج من جامعة الدول العربية. كما أنه ليس غريباً أن الثوري العالمي، والمؤازر لجيش التحرير في أيرلندة، والثوار في الفليبين، والثورات في أفريقيا وفي أمريكا اللاتينية هو أول المتعاطفين مع ضحايا لوكيربي وأول المتبرعين بتفكيك برنامج إنتاج أسلحة الدمار الشامل رغم أنه – كما يؤكد – برنامج للأغراض السلمية. والمهم هو التغيير، فلا شيء أثقل على النفس من الملل والرتابة. وبعد أن كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي العدو الأول فإنها قد تصبح الصديق الأقرب إلى القلب. وها هو سيف الإسلام نجل العقيد يبشرنا بقرب زيارة الرئيس بوش وبلير إلى ليبيا في بداية العام القادم. وسبحان مغيّر الأحوال، ودوام الحال من المحال. وأفيدونا يا أهل العلم. فقد بلغ السيل الزبى.   والله أعلم.

الحياة: 11.1.2004

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *