عندما يكون العلاج أسوأ من المرض:مشكلة المخدرات في مصر

تواجه المجتمعات المختلفة مشاكل متنوعة وتحاول أن تقدم لعلاجها حلولاً متعددة. ومع ذلك ينبغي أن يتوافر في العلاج شروطٌ معينة، أولها أن يكون ناجحاً في القضاء على المشكلة أو على الأقل في تخفيف حدتها، وثانيها أن ينفذ هذا الحل بتكلفة معقولة. فإذا كان العلاج غير قادر أصلاً على علاج المشكلة، أو أنه يحل المشكلة وإنما بتكلفة تجاوز حجمها، فإن هذا العلاج قد يصبح نفسه مرضاً جديداً أشد وعورة من المرض الأصلي.

وتـأخذ الدول في هذا الصدد بسياسات تجمع بين التشجيع والقمع، بحيث تشجع كل ما من شأنه التخفيف من حدة هذه المشاكل وتقمع أو تمنع كل ما يزيد من حدتها. ولذلك تلجأ جميع المجتمعات إلى وضع نظم للعقاب على المخالفات التي تضر بأمنها واستقرارها أو تعرض أفرادها وحقوقهم للانتهاك أو التهديد. ويستوي في ذلك أن تكون نظم العقاب متضمنة في الضمير العام التي يحكمها العرف والتقاليد أو تصدر في شكل قوانين مكتوبة أو أوامر واضحة ومحددة.

وبشكل عام فإن قوانين العقاب تهدف إلى تحقيق هدفين متكاملين، أحدهما “العدالة” والآخر “المصلحة”. أما العدالة فتتحقق عندما يلحق بالجاني من الضرر ما يوازي ما أصاب المجتمع أو الأفراد من ضرر. فهذا نوع من القصاص، “العين بالعين والسن بالسن”. فالعدالة تتطلب ألا تمر الجريمة بلا عقاب. أما المصلحة فتتحقق عن طريق أمرين؛ الأول إبعاد أو عزل الجاني عن المجتمع وتأهيله حتى تقل مخاطره على الآخرين، والثاني هو ردع الجاني ـ وغيره ـ عن القيام بأمثال هذه الأفعال في المستقبل. فالعقاب هنا ليس انتقاماً من الجاني بقدر ما هو حماية للمجتمع. ويظل العنصران ـ “العدالة” و”المصلحة” ـ قائمين في أغلب النظم العقابية بدرجات متفاوتة.

وإذا كان عنصر العدالة قديم في معظم المجتمعات، فإن مفهوم المصلحة من العقوبة أمر حديث نسبياً. ولذلك فكثيراً ما يفتقد مفهوم “المصلحة” كامل مبرراته. “فالمصلحة” لا تقتضي فقط ردع الجاني وغيره عن القيام بهذه الأفعال الشائنة، ولكن ينبغي ألا يترتب على العقوبة “تكلفة اجتماعية” وأضرار على المجتمع أكبر من الجريمة نفسها.

وقد يكون من المفيد إعطاء بعض الأمثلة من دول أخرى وقعت في المحظور وفرضت عقوبات على الجاني، كان الخاسر الأكبر من ورائها هو المجتمع نفسه. كيف؟ انظر إلى أوضاع الولايات المتحدة مثلاً.

للولايات المتحدة تاريخ طويل في مكافحة الجريمة، ومع ذلك فمن غير الواضح أنها حققت نجاحاً كبيراً في هذا المضمار، مما جعلها محل نقد من كثير من المفكرين فيها. وعلينا أن نتذكر بعض الأرقام في هذا الصدد. فعدد سكان الولايات المتحدة يمثل حوالي 5% من مجموع سكان العالم، ومع ذلك فإن سجونها تضم حوالي 25% من سجناء العالم ـ ونحن نتحدث هنا عن مجرمي القانون العام وليس عن المعتقلين السياسيين. وقد ارتفع عدد السجناء في السجون الأمريكية من حوالي نصف المليون في 1980 إلى أكثر من 2.2 مليون سجين في 2006، أي بزيادة أكبر من أربعة أضعاف خلال  ربع قرن. وتكبد هذه السجون الموازنة العامة تكلفة باهظة يتحملها دافعو الضرائب. وتتحمل ولاية كاليفورنيا وحدها تكلفة للسجون تجاوز عشرة بلايين دولار، وهو ما يزيد على ما تنفقه الولاية على التعليم العام والتعليم الجامعي مجتمعين. فأين الخطأ؟

يبدو أن بعض العقوبات التي يفرضها النظام الأمريكي تضر بالاقتصاد القومي وبالتالي بالمجتمع بأكثر من خطر الجريمة ذاتها، بل أنها قد ساعدت على انتشار وانتعاش الجريمة التي قصد القضاء عليها. ولعل تجربة الولايات المتحدة في مكافحة تجارة الخمور خلال القرن الماضي ومكافحة المخدرات حالياً تعطي صورة واضحة عن هذا الاختلال بين الجريمة والعقوبة وما يترتب عليه من تكلفة باهظة على المجتمع.

بدأت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في محاربة استهلاك الخمور ـ لأسباب أخلاقية ـ منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفي 1919 عدل الدستور الأمريكي بحيث أصبح يحرم صناعة الخمور أو الاتجار فيها. فماذا حدث؟ هل اختفت تجارة الخمور نتيجة لهذا القانون ـ بل الأصح التعديل الدستوري ـ الذي يلاحق المتاجرين بها. الإجابة: كلا.

كل ما حدث هو أن ارتفعت أسعار الخمور مباشرة إلى ثلاثة أضعافها، ولم يؤد ذلك إلى انخفاض الطلب عليها، حيث من المعروف اقتصادياً أن ارتفاع أسعار السلع ذات “الطلب غير المرن” لا يؤثر كثيراً في الكميات المباعة. لماذا؟ لأن أغلب المستهلكين للخمور هم من “المدمنين” الذي سوف يحاولون الحصول على هذه السلعة في جميع الأحوال رغم ارتفاع أسعارها. وبذلك تصبح النتيجة الوحيدة والرئيسية لقانون الحظر هو رفع أسعار السلعة المحظورة.

فماذا يعني ارتفاع أسعارها نتيجة للحظر القانوني؟ يعني أن معدلات الأرباح التي يجنيها المنتجون والتجار سوف تزداد. ومع زيادة الأرباح في هذا القطاع يزداد عدد المستثمرين المغامرين للدخول في هذا الميدان الذي يحقق أرباحاً غير عادية. وهكذا يؤدى الحظر القانوني إلى عكس المقصود منه، فلم ينقص الإنتاج، بل أدت الأرباح الكبيرة إلى جذب العديد من المستثمرين والمغامرين إلى العمل في هذا المجال. ولكن هناك خطراً آخر غير مباشر وإن كان أشد وطأة، وهو إذكاء الفساد في البلاد. فمع زيادة الأرباح المذهلة في هذا المجال، كان من الضروري للعاملين فيه من رشوة عدد غير قليل من المسؤولين لإغماض العين عن كثير من التجاوزات. فالأرباح الخيالية وغير المشروعة معاً تؤدي بالضرورة إلى ظهور الفساد. وهكذا عرفت الإدارة الأمريكية انحرافات كبيرة في أجهزة البوليس والحكومة المحلية بل وأحياناً القضاء والكونجرس نفسه. ولكل ذلك اكتشفت الولايات المتحدة أن سياستها في حظر بيع الخمور قد أدت إلى عكس المراد، واضطرت بالتالي إلى العدول عن التعديل الدستوري بتعديل جديد للدستور في 1933أعاد الأوضاع إلى ما كانت عليه، مع التعبير عن خيبة الأمل في عدم نجاح تلك “التجربة النبيلة”.

ومع إلغاء تجريم بيع الخمور، انخفضت الأسعار، وفرضت الدولة عليها الضرائب بل وبدأ استهلاكها يتناقص مع زيادة الوعي، وأهم من هذا وذاك ثم القضاء على أحد أكبر أسباب فساد السياسة والإدارات المحلية في مختلف الولايات. ولايعني ذلك أن الولايات المتحدة أصبحت تشجع استهلاك الخمور، بل على العكس تماماً، فإنها تحارب هذه الآفة الاجتماعية بقوة ولكن بوسائل أخرى أكثير فاعلية، أهمها التوعية والضغط الاجتماعي. وقد حققت في هذا الصدد نجاحات تفوق كل ما تحقق في زمان الحظر.

وإذا كانت أمريكا قد تعلمت الدرس في عدم فاعلية سياسة منع بيع الخمور وأقلعت عنها، فإنها مازالت تعاني من مشكلة أكبر خطراً، وهي مكافحة المخدرات والتي زادت إمكانياتها المالية حتى أصبح لها نفوذ هائل ـ غير مرئي ـ على مستوى العالم، وأصبحت أموال المخدرات أحد أهم محركات السياسة في العالم، وليس في أمريكا وحدها.

وبعد هذه المقدمة الطويلة ـ وماذا عن مصر؟

تعرف مصر قوانين منع الاتجار بالمخدرات منذ أكثر من قرن من الزمان. فماذا كانت النتيجة؟ هل امتنع استهلاك المخدرات؟ هل قل استهلاك المخدرات؟ ليس عندي إحصاءات دقيقة، ولكنني أشك في ذلك تماماً. وعندما نتكلم عن المخدرات في مصر فيبدو أن الجزء الأكبر منها، والذي له شعبية واسعة ـ هو استهلاك الحشيش ـ أما ما عداه من الأنواع القوية ـ مثل الكوكايين أو حتى الأفيون ـ فأمرها مختلف. وتحتاج هذه الأنواع الثقيلة إلى معالجة خاصة وهي على أي الأحوال أشد خطورة على المجتمع وتتطلب مواقف حازمة، ولانتعرض لها في هذا المقال.

ومشكلة المخدرات في مصر ليست فقط في استمرار انتشارها، ولكن المشكلة الأكبر هي فيما يترتب عليها من تكوين ثروات هائلة وغير مشروعة، وهي بطبيعتها ثروات فاسدة ومفسدة. فهذه الثروات نظراً لما يشوبها من عدم مشروعية، فإنها ـ حماية لنفسها ـ تفسد الإدارة الحكومية بشراء ضعاف الذمم من المسؤولين والمتعاونين منهم. ألم نسمع عن أعضاء في مجلس الشعب متهمين بالتجارة في المخدرات؟ هؤلاء وأمثالهم يستطيعون بأموالهم إفساد الحياة السياسية وكثيراً ما تكون لهم صلات مشبوهة بالأجهزة الإدارية في المحليات وفي غيرها. كذلك فإن هذه الأموال تفضل البقاء في الخارج حتى لا تتعرض للمصادرة عند المحاكمة. ولذلك فإنه يبدو أن النتيجة الوحيدة الأكيدة لهذه القوانين هي استمرار ونمو ظاهرة تجارة المخدرات من ناحية، وتعاظم المكاسب غير المشروعة من ورائها وما يرتبط بها من فساد وإفساد وتهريب للأموال من ناحية أخرى. أليست هذه تكلفة اجتماعية باهظة على المجتمع؟

هل آن الأوان للأخذ بسياسات عملية بالنظر في إمكانية إباحة تداول أنواع المخدرات ـ الخفيفة مثل استهلاك الحشيش ـ تحت رقابة الحكومة وتوزيعها بكميات مقننة وبأسعار محددة، مع فرض الضرائب عليها بشكل يعود ـ على الأقل ـ على المجتمع ببعض التعويض. هذا ما بدأت تأخذ به بعض الدول مثل هولندا. أما أنواع المخدرات القوية والتي ما يزال حجم استهلاكها محدوداً في مصر فإنها تستحق تركيز الجهود على مقاومتها بفاعلية أكبر. وتذكر التقديرات أرقاماً مذهلة لما ينفق سنوياً في مصر على هذه تجارة الحشيش والمفسدة، والتي توزع بعض أرباحها ـ في الظلام ـ على أجهزة كان المفروض أن تخدم مصالح الشعب. أليس من الأولى أن تفرض عليها الدولة ضرائب، وأن تعرف الحكومة بالضبط حجم استهلاكها ونوعية المستهلكين، حتى تتمكن من توجيه سياسيتها للتوعية والإصلاح في ضوء معلومات دقيقة عنهم.

لست أشك في أن مثل هذه الاقتراحات سوف تقابل بكثير من الانتقاد، ولكني لا أستبعد أيضاً أن يكون أول المتصدين لمثل هذه الأفكار، هم تجار المخدرات أنفسهم وشركائهم في الأجهزة الحكومية، لأنها تهدد مكاسبهم وأرباحهم المذهلة.

هذه أمثلة لأمور ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وهي ليست الأمثلة الوحيدة. وقليل من التفكير الهادئ لايضر. والله أعلم.

الأهرام : 18 أكتوبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *