عندما يكون العلاج أسوأ من المرض: حصة للاقباط فى البرلمان

أشارت الصحف منذ فترة إلى دعوات لتخصيص حصة (كوتة) للأقباط في الانتخابات البرلمانية، حيث أظهرت نتائج الانتخابات المتعددة في مصر منذ قيام ثورة 1952 ضمور التمثيل القبطي في جميع البرلمانات المنتخبة، مما يوحي بعزوف أحد جناحي الأمة المصرية عن المشاركة في العمل السياسي من ناحية، وشيوع مظاهر التشدد الديني لدى شرائح عديدة من الغالبية من ناحية أخرى. و أشاع كل ذلك جواً من فقدان الثقة في مصداقية مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين. وفي إطار الاعتراف بهذه الحقائق ظهرت على السطح دعوات لتخصيص حصة للأقباط تضمن تمثيلهم في المجالس التشريعية.

وهنا يجب أن نعترف أننا نواجه مشكلة حقيقية متعلقة بشرعية النظام السياسي ومدى كفالته لحق المساواة بين المواطنين، ليس فقط من حيث الحق الدستوري للمواطن في المشاركة في الحياة السياسية وإنما من حيث شعور الولاء والانتماء لدى بعض فئات المواطنين. وكل هذا يتطلب الاعتراف بوجود المشكلة ومواجهتها وعدم دفن الرؤوس في الرمال، فالحقيقة أن كل شيء ليس على ما يرام. ، حقاً هناك مبالغات، فليس صحيحاً أن مصر تعرف اضطهاداً للأقباط. ولكن الصحيح أيضاً هو أن هناك شعوراً بعدم الراحة والقلق مما يستدعي التنبه والتفكير في الحلول المناسبة. ولكن الاقتراح المقدم لايحقق علاجاً للمشكلة بل قد يعمل على استفحالها وتفاقمها، وتكريس الفرقة بين المصريين.

عند مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية تقدم الحجج والحجج المضادة، ويظل الأمر معلقاً ـ في معظم الأحوال ـ على قدرة المحاورين على الإقناع وتقديم أفكارهم بوضوح بدرجات متفاوتة من الفاعلية. وليس الأمر كذلك في المسائل العلمية، فالحسم في مثل هذه القضايا لايكون بقوة الحجة أو فصاحة البيان، ولكن “التجربة المعملية” في المختبر هي المناط في حسم المسائل الخلافية في النظريات العلمية. ولحسن الحظ، فإن المحاصصة الطائفية ليست مجرد فكرة نظرية، بقدر ما هي تجربة تاريخية ـ أقرب إلى “التجربة المعملية” ـ ماثلة أمام أعيننا. فهناك تجربة لبنان القديمة نسبياً، كما أن هناك تجربة العراق الحديثة. وفي كلا الحالتين افتقد الاستقرار، وتاهت معالم الوطنية وراء نزعات طائفية لاتنتهي، وغلب الدين ـ إن لم يكن التعصب ـ على الدولة، ومع هذه المحاصصة ماتت السياسة، وغابت الوطنية وحل محلها الطائفية الدينية.

أما لبنان وقد كان، ربما، أكثر الدول العربية ثقافة وتعليماً وانفتاحاً على العالم، وكان من المتوقع أن يكون أكثرها ديمقراطية وتحرراً. وقد أصر الاحتلال الفرنسي قبل رحيله على حماية الأقلية المارونية بفرض نظام للمحاصصة بين الطوائف الدينية (مارون وسنة وشيعة ودروز) فضلاً عن الأقليات الأخرى. فماذا كانت النتيجة؟ تحولت الحياة السياسية اللبنانية إلى نوع من القبلية الطائفية، ولم يعد هناك حوار جدي حول القضايا السياسية أو المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مما يهم المواطن العادي. فأبناء الشيعة يصوتون “لحزب الله”، أو”أمل”، والطائفة الدرزية تصوت في غالبيتها لوليد جنبلاط والباقي لأرسلان، والموارنة موزعون بين “عون” والرابع عشر من آذار، والسنة في غالبيتهم للحريري. ولم تعد الحياة السياسية في لبنان شأناً داخلياً بل أصبح للخارج نصيب فيه. فالشيعة تميل لإيران وحالياً لسوريا، و”الموارنة” يفضلون الغرب ممثلاً بفرنسا وأمريكا، وكانت “السنة” تميل تقليداً لسوريا وهي حالياً ضدها وأقرب إلى السعودية بعد مقتل الحريري، و”الدروز” في حالة ترقب للانضمام للكفة الراجحة. فهل هذه هي الديمقراطية؟ لقد عرف لبنان حرباً أهلية لأكثر من خمسة عشر سنة، وهو الآن في أزمة سياسية ليس حول برامج سياسية أو توجهات اقتصادية واجتماعية، بل هو صراع بين الطوائف أو بالأحرى بين زعماء هذه الطوائف فضلاً عن مراكز القوى الخارجية. والخاسر الوحيد هو لبنان نفسه وشعبه.

وكان العراق دولة مدنية، ومع ذلك فقد عمل الإنجليز منذ احتلالهم للعراق على الانحياز “للسنة” من العرب على حساب الشيعة، مع تشجيع “الأكراد” في الشمال لمقاومة “الشيعة” في الجنوب. ورغم هذا فقد غلبت الوطنية العراقية على مسار السياسة لمعظم القرن الماضي، فإذا كان نوري السعيد من “السنة”، فقد كان فاضل الجمالي من “الشيعة”. وازداد الانصهار الاجتماعي في زيجات مختلطة لعدد كبير من أبناء العراق من الطبقة المتوسطة. وجاء الغزو الأمريكي للعراق بفكرة مسبقة بأن العراق ينقسم إلى ثلاثة طوائف: الأكراد في الشمال، والشيعة في الجنوب، والسنة في الوسط. وبدأ الحكم في ظل الاحتلال الأمريكي منفذاً لهذا التوجه الطائفي الجديد. فماذا انتهى إليه العراق؟ انفصال أو شبه انفصال في الشمال لدويلة الأكراد، وتفجيرات بين الشيعة والسنة في بغداد كما في مختلف المناطق، وميليشيات لجميع الطوائف بل وبين رجال الأمن أنفسهم. وأصبح رجال الدين هم القادة السياسيين، وتراجعت “السياسة” وبرزت الطائفية. فالعراق لايعيش أزمة سياسية وإنما أزمة طائفية.

هاتان تجربتان في بلدين عربيين غلبا “الطائفية” على “السياسة”، ولم يعد الانتماء للوطن بقدر ما أصبح للطائفة. فهل هذا ما نريده لمصر؟

ليس معنى ما تقدم أن نتجاهل القضية. هناك مشكلة ويجب مواجهتها بصراحة وأمانة وإخلاص، ولكن المحاصصة الطائفية ليست هي الحل ولا هي العلاج.

لقد أدرك المصريون منذ ثورة 1919 أن “الاستقلال” كما “الوطنية” هو قضية مصرية، ورفض أقباط مصر ـ بكل الحكمة وبعد النظرـ فكرة المحاصصة وتكريس الطائفية. وضم حزب الوفد  منذ تكوينه أسماء لامعة من الأقباط. وكان مكرم عبيد يفوز في انتخابات قنا في صعيد مصر عندما يترشح عن حزب الوفد ويخسرها عندما يترك حزب الوفد. لقد كان الناخبون من الصعيد يصوتون لمكرم عبيد القبطي لأنه “وفدي” ويتخلون عنه عندما ترك الوفد. لقد كان العمل العام سياسياً وليس طائفياً. هذه مصر في النصف الأول من القرن العشرين.

ولكن هل يكفي أن نترحم على الماضي دون عمل للمستقبل؟ ماذا يعرف المصريون عن تاريخ الأقباط في مصر؟ لقد دخلت القبطية مصر في القرن الأول الميلادي وانتشرت منذ القرنين الثالث والرابع وأصبح غالبية المصريين من الأقباط عند دخول العرب إلى مصر في القرن السابع. وحين جاء الخليفة المأمون إلى مصر (832 ميلادي) كانت أغلبية المصريين من الأقباط واستمرت هذه الأغلبية حتى القرن العاشر على الأقل. وهكذا ظلت أغلبية المصريين من الأقباط لما يزيد على سبعة أو ثمانية قرون.

ولعله من المناسب أن نتذكر هنا أن انتشار المسيحية في مصر كان عملاً أهلياً وشعبياً ولم يكن فرضاً من سلطة الحاكم، وذلك بعكس معظم الدول المسيحية الأوربية التي اتبعت المسيحية نتيجة لاعتناق حكامها لهذه الديانة الجديدة. هذا ما حدث مع الدولة الرومانية عند اعتناق قسطنطين للمسيحية في القرن الرابع حين لم يكن المسيحيون يمثلون أكثر من 5 % من السكان، وانتشرت المسيحية في الدولة الرومانية بعد ذلك نتيجة لجهود الكنيسة المدعومة من الدولة، فضلاً عن اضطهاد السلطة للوثنين. وجاء اعتناق روسيا للأرثوذكسية في نهاية القرن العاشر بعد اعتناق القيصر فلاديمير للمسيحية  وزاوجه من أخت إمبراطور القسطنطينة. وتابعت معظم الإمارات الأوربية الغربية في اعتناقها للمسيحية عقائد أمرائها وملوكها. فالناس في أوربا، كانوا ـ فعلاًـ على دين ملوكهم. وهو ما قننته معاهدة وستفاليا (1648). وعلى العكس من ذلك، فقد كانت كنسية الإسكندرية تعبيراً عن الشعب القبطي، وكانت هذه الكنيسة على خلاف دائم مع السلطة والكنيسة في روما، كما كان معظم آباء الكنيسة المصرية ـ عند الفتح العربي ـ مضطهدين من السلطات الرومانية هاربين في الصحراء. وعندما دخل العرب مصر، وجدوا أهلها يؤمنون بالله والكتاب، فلم يكن المصريون آنذاك عبدة للأوثان والأصنام، وقد أوصى النبي عليه السلام بهم خيراً.

فماذا يعرف المواطن المصري عن هذا التاريخ؟ إننا نتعز بتاريخنا الفرعوني ـ وهو تاريخ يستحق كل الفخر والاعتزاز- ولايقل عن ذلك اعتزازنا بالتاريخ القبطي. فهل من الطبيعي أن يعرف القبطي المصري هذا التاريخ فقط من الكنسية و”مدارس الأحد”؟ أليس غريباً ألا يعرف أخوه المصري المسلم أي شيء عن هذا التاريخ في مدارس الدولة؟ كيف تتحقق الوحدة الوطنية إذا كان جزء من تاريخنا مجهولاً للغالبية العظمى من أبناء المصريين.

كذلك ليس صحيحاً ـ كما يقال أحياناً ـ أن المصريين المسلمين حالياً هم أبناء الغزاة العرب، فغالبية المصريين المسلمين هم من نسل آبائهم وأجدادهم المصريين الأقباط الذين قبلوا الدخول في الإسلام خلال فترة استمرت أربعة عشر قرناً من الحكم الإسلامي. وكان اعتناق المصريين للديانة الجديدة ـ بشكل عام ـ اختياراً بلا قهر، وإن كان بحوافز مادية (الجزية). فالحقيقة هي أن الغالبية العظمى من المصريين ينحدرون من أصول مصرية صميمة من الأقباط الذين ينحدرون بدورهم من أجدادهم الفراعنة، ولاتمثل القبائل العربية التي صاحبت الفتح العربي سوى أقلية ضئيلة من جموع الشعب المصري.  الشعب المصري هو في غالبية من أصول واحدة مشتركة، وهي أصول مصرية بدأت فرعونية وامتدت لأكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل أن تدخلها المسيحية ويعتنقها أغلبية الأهالي لأقل من ألف عام، ثم غلب على أهلها الإسلام لأكثر من ألف عام بعد ذلك.

لقد أحسنت الحكومة المصرية صنعاً باعتبار الأعياد الدينية القبطية أعياداً للمصريين كما هو الحال بالنسبة للأعياد الإسلامية. مصر هي وطن الجميع مسلمين وأقباط. لقد رفع العهد السابق على الثورة شعار: “الدين لله والوطن للجميع”، وجاءت الدساتير المصرية كلها تنص على المساواة المطلقة بين المصريين دون تمييز. فلنجعل ذلك حقيقة وليس مجرد شعار. لقد جاء لفظ “القبط” من اليونانية تعبيراً عن سكان مصر. فالمصريون كلهم من هذه الناحية “قبط”، لأن القبطي هو أولا وأخيراً إبن مصر. والله أعلم.

الأهرام : 4 أكتوبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *