عن اقتصاد الأشياء واقتصاد الأفكار

الاقتصاد وهو علم الإنتاج. كيف يتم إنتاج السلع، وكيف تتبادل وما شكل توزيع هذه السلع بين أفراد المجمع؟ هذه هي أسئلة علم الاقتصاد. فالإنسان يحتاج إلى المأكل والملبس والمأوى، ثم تتعدد احتياجاته، فهو في حاجة إلى التعلم واللهو والسفر والترحال، والقائمة طويلة حول احتياجات الفرد التي تتعدد وتتزايد يوماً بعد يوم. وإشباع هذه الحاجات يتطلب إنتاج السلع. فالسعلة هي كل ما يشبع الحاجة الإنسانية.

وقد اكتشف الإنسان وهو في حالة الفطرة الأولى، وحيث يعيش على اللقط والقنص على ما يجده حوله من الطبيعة من ثمار للشجر أو حيوانات برية، أنه حتى في هذه الحالة البدائية، فإنه في حاجة إلى بعض الأسلحة والأدوات للزود عن نفسه من خطر الحيوانات أو التي تعينه على الصيد. فلكي يعيش فعليه أن يزود نفسه ببعض الأدوات التي تساعده على القنص واللقط والدفاع عن نفسه. وهو لم يعد يكتفي بالعيش في الكهوف والمغارات، وبدأ يقيم لنفسه مأوى في شكل عشش أو أكواخ، كما أن ملبسه يحتاج إلى نوع من صقل الجلود. فالطبيعة لاتزود الإنسان بما يشبع حاجاته إلا في شكل خام يحتاج إلى الصقل والتهذيب. وهكذا بدأت قصة الإنسان مع الإنتاج، بدءاً بتصنيع بعض الأدوات التي تعينه على العيش في بيئة موحشة. ومع بداية تصنيع الأدوات تميز الإنسان عن مملكة الحيوان، وظهرت طبيعته البشرية. فالإنسان ـ على خلاف الحيوان ـ هو كائن مصنع ومشكل للبيئة المحيطة به، لايكتفي بالتعايش معها بل يعمل على تحويلها لخدمة أغراضه.

وقد بدأت الحضارات مع تحرر الإنسان من الطبيعة حيث، يشكلها ويغير من هيئتها حتى تتوافق مع احتياجاته، وكل هذا يتم من خلال نوع من التصنيع. وكان اكتشاف النار مرحلة هامة في تطوره، فباستخدام النار أصبح قادراً على تطويع المعادن وتنويع أشكال غذائه. وجاء اكتشاف “الزراعة” منذ حوالي عشرة آلاف سنة، ليمثل قفزة نوعية في حياة البشرية، حيث بدأ الاستقرار في تجمعات في شكل قرى ثم مدن وأخيراً دول واسعة وهياكل للحكم وحيث ظهرت الأديان والنظم الاجتماعية التي تضبط العلاقات البشرية. وأخيراً ومنذ أقل من ثلاثة قرون عرفت البشرية نقلة نوعية أخرى مع
“الثورة الصناعية”، حيث سخر الإنسان الطاقات الطبيعية من البخار ثم الكهرباء وأخيراً النفط والغاز والطاقة النووية وغيرها لتصنيع الآلات والأجهزة التي تساعده على مزيد من السيطرة على الطبيعة المحيطة به وتسخير خيراتها لإشباع حاجاته المتزايدة. وهكذا أصبح الإنتاج، وخاصة مع الصناعة، هو محور حياة الإنسان الحديث.

فالإنسان المعاصر يعمل لكي يعيش، وهو لايعمل وحده في مواجهة الطبيعة، ولكنه يتعاون مع غيره في شبكة واسعة من العلاقات الإنتاجية المتداخلة والمتشابكة لكي يتحقق الإنتاج ويوزع على المجتمع. فالعمل المنتج هو جزء من عملية اجتماعية يشارك فيها معظم أفراد المجتمع. ومن هنا ظهرت أهمية تقسيم العمل والتخصص والتبادل. وهي كلها موضوعات علم الاقتصاد.

وهكذا ولد علم الاقتصاد، وكان أشهر علمائه هو آدم سميث الذي وضع في نهاية القرن الثامن عشر كتابه المشهور عن “ثورة الأمم”، بداية ببيان أهمية التخصص وتقسيم العمل. وكانت موضوعات علم الاقتصاد تدور حول الإنتاج، منذ بدء العملية الإنتاجية، إلى ظهور السلعة، وتوزيعها عن طريق التبادل. وهكذا تبلورت موضوعات علم الاقتصاد. وهي تبدأ بالعملية الإنتاجية. كيف يتم الإنتاج؟ ما هي عوامل أو عناصر الإنتاج؟ فلابد من تضافر العمل والطبيعة ورأس المال. فالإنتاج عمل بشري، ولاقيام له دون “عمل”، وهذا هو العنصر الأول للإنتاج. ولكن الإنتاج لايتم في فراغ وإنما في بيئة يستخلص منها المواد الأولية، فلابد من أرض للزراعة، ومن مناجم ومحاجر للصناعة. وهذا هو العنصر الثاني، وهو “الطبيعة” أو الموارد الطبيعية. وأخيراً اكتشف الإنسان أنه لايعمل فقط بيديه بل يبدأ بتصنيع الآلات والأدوات، وهو المعروف “برأس المال”، وهكذا ظهر العنصر الثالث. وماذا عن نتيجة الإنتاج؟ النتيجة هي ظهور السلعة، سواء كانت زراعية أو صناعية.

ومع التخصص وتقسيم العمل، لم يعد الإنسان ينتج كل ما يحتاجه، بل هو يعمل في وسط جماعة يتخصص كل منهم في نوع معين من السلع. فهذا يزرع، وذلك يخبز وثالث ينسج ورابع يمهد الطرق، وخامس يداوي المرضى، وهكذا. ولابد إذن من التبادل، ومن هنا ظهرت أهمية “الأسواق” وظاهرة التبادل. وأصبح موضوع الأسواق وبالتالي الأثمان هو أحد أهم فصول علم الاقتصاد. وعن طريق الأسواق يتم توزيع الإنتاج على مختلف أفراد المجمع.

وفي هذه السلسلة الطويلة من مختلف فصول علم الاقتصاد فإننا نتعامل مع “الأشياء”. فنحن نتعامل مع الطبيعة باعتبارها المصدر الأول للمواد الأولية. ونتعامل مع رؤوس الأموال من آلات ومنشآت، باعتبارها أدوات الإنتاج، وهي أيضاً أشياء. وهكذا فإن علم الاقتصاد هو في جوهره تعامل التعامل مع الأشياء. فما هي أهم خصائص الأشياء؟

الخاصة الأولى والأساسية للأشياء هي أنها “محدودة”. ولذلك فإن الدرس الأول في الاقتصاد وهو أنه علم يتعامل مع “موارد محدودة” وحاجات غير محدودة، وبالتالي قيل بأن الاقتصاد هو علم “الندرة”. كيف نستخدم الموارد المحدودة لإشباع الحاجات غير المحدودة؟ لابد من “الاختيار”، بتحديد الحاجات الأولى بالرعاية، وبالتالي التضحية بالحاجات الأقل إلحاحاً. وهكذا قيل أن علم الاقتصاد هو علم “الاختيار”. ومادمنا نتحدث عن الاختيار فإننا نتحدث في الواقع عن “التضحية” بأشياء أخرى، فأنت لاتستطيع أن تشبع كل احتياجاتك، وعليك أن تختار الحاجات الأكثر أهمية أو الأقدر على فرض نفسها، ولو لم تكن هامة. (كما يحدث في كثير من المجتمعات الطبقية حيث تنتج سلعاً وخدمات ترفيه لطبقة صغيرة على حساب حاجات أساسية لشريحة واسعة من الفقراء). وهكذا قيل أيضاً بأن علم الاقتصاد وهو علم “التضحية”، فلاشيء في الاقتصاد مجاناً، ولكل شيء ثمن أو تكلفة أو تضحية بشيء آخر مقابل كان يمكن إنتاجه.

ولكن هل صحيح أن حل مشاكل الناس وإشباع حاجاتهم يتوقف على الموارد المتاحة، أي على “الأشياء” التي هي أمور “محدودة”؟ ألا يرجع التقدم الاقتصادي، في جوهره، إلى ظهور
“أفكار جديدة”، تساعدنا على استخلاص قوى وطاقات جديدة كامنة في الطبيعة، حيث نستطيع عن طريق مزيد من المعرفة الحصول من هذه الموارد على مصادر للرزق كانت خافية عنا؟ لقد كان الإنسان البدائي في مرحلة اللقط والقنص يحتاج إلى عدة كيلومترات من الأرض بما يقيم رمق أسرة تعيش على ما تصطاده من حيوانات أو ما تقتلعه من نباتات لكي يشبع حاجاته الأساسية. فإذا به مع اكتشاف الزراعة يكتفي بقطعة صغيرة من الأرض لكي تعيش عليها قبيلة كاملة. فما الفرق بين الإنسان البدائي والمزارع الأكثر تحضراً غير أن الأخير اكتشف “فكرة” جديدة، وهي زراعة الأرض. فالقفزة البشرية الأولى إلى الحضارة الزراعية لم تكن نتيجة عمل أكثر أو جهد أكبر، وإنما هي نتيجة “معرفة” و”أفكار” جديدة، وهي أن النباتات كما تنمو تلقائياً بفعل الطبيعة، يمكن أن تنبت أيضا بأعمال الزراعة من حرث وبذر وري وحصاد. فالجديد هنا لم يكن موارد جديدة وإنما معرفة وأفكار جديدة ظهرت، وهي أن الإنسان قادر على ضبط النبات بأعمال الزراعة. وما هي الصناعة سوى أفكار جديدة لاستخلاص الطاقة من البخار ثم من الكهرباء وغيرها من مصادر الطاقة. وتحويلها إلى قوة عمل تجاوز بمراحل قوى الإنسان العضلية. لقد عاش الإنسان منذ الأزل على نفس الأرض بما فيها من رياح ومن مساقط مائية وما في باطنها من فحم أو نفط أو غاز، ولكنه فقط عن طريق مزيد من “المعرفة” ضاعف قدراته الإنتاجية بعد أن سخر هذه الموارد لصالحه. وهكذا أصبحت المدينة مع الصناعة تأوي عدة ملايين من البشر في مساحة قد لاتتجاوز الكيلو متر الواحد. فالاقتصاد لايتقدم فقط بمزيد من العمل أو من الموارد المتاحة، وإنما بوجه خاص بمزيد من “الأفكار” و”المعرفة” التي تمكنه من اكتشاف قوى كامنة في الطبيعة كانت خافية عنه.

لقد كانت القفزات الكبرى للتقدم الاقتصادي هي نتيجة للأفكار والمعرفة التي هي عمل عقلي، وبها زادت كفاءة الموارد المتاحة في الطبيعة. ولذلك فإن التقدم الاقتصادي ليس فقط نتيجة لمدى توافر الموارد (الأشياء)، وإنما هو نتيجة لتقدم المعرفة (الأفكار) التي تفجر الأشياء فتخرج منها طاقات لم تكلن معروفة. أليس السليكون هو مجرد رمال، ولكن “المعرفة” جعلت منه المادة الخام لمعظم الصناعات الالكترونية، وقل مثل ذلك بالنسبة لمعظم مصادر الطاقة. وهكذا يتضح أن علم الاقتصاد ليس فقط علم “الأشياء” أي الموارد المحدودة، ولكنه بنفس القدر هو علم التقدم الفني القائم على المعرفة وعلى الأفكار.

والسؤال هو هل “الأفكار” و”المعرفة”، بشكل عام، هي موارد اقتصادية مثلها مثل الموارد الاقتصادية المعروفة من طبيعة وعمل ورأس مال، أم هي شيء مختلف؟ الحقيقة هي أن “المعرفة” والأفكار بصفة عامة، ورغم أن دورها في التقدم الاقتصادي يجاوز الموارد الاقتصادية (الأشياء)، فإنها تختلف عنها في أنها لاتخضع لقانون “الندرة”. فالفكرة ـ وعلى عكس الأشياء ـ يمكن أن تنتقل إلى الغير دون أن يعني ذلك أن صاحبها قد ضحى بها. فإذا كان معك ساندويتش فأنت تأكله وتشبع جوعك، وأظل أنا على جوعي. أما الفكرة فإنها تنتقل من واحد إلى الآخر دون أن يعني ذلك أن صاحبها الأول قد فقدها، بل أصبح الاثنان أكثر معرفة. فالأسطى يعلم الصبي الحرفة دون أن يصبح الأسطى بذلك أقل معرفة مما كان عليه، بل أصبح هناك اثنان يجيدان الصنعة. ولذلك فإن “المعرفة” كمورد اقتصادي يزداد وفرة مع انتشار توسعه. وهكذا فإن “اقتصاد الأفكار” يختلف جوهرياً عن “اقتصاد الأشياء” في أنه لايخضع لقانون الندرة. ولم يكن غريباً أن عرفت الدول الصناعية المتقدمة ظاهرة “تزايد الغلة”، لأنها اقتصادات تقوم على الأفكار والمعرفة. أما الاقتصادات البدائية فإنها ما تزال تعيش في ظل “ظاهرة تناقص الغلة”، لأنها ما تزال تعيش في ظل اقتصادا “الأشياء” وحيث استخدام المورد الاقتصادي (الأشياء) في غرض معين يعني حرمان المجتمع من استخدامه في أغراض أخرى. أما “المعرفة” ومع انتشارها فإنها تزيد القدرات الاقتصادية للجميع. ففي عالم “الأشياء” يكون الشيء إما لي أو لك، أما في عالم “الفكر” فإن الفكرة تكون لي ولك معاً. ومن هنا أهمية التعليم والتدريب والمعرفة بصفة عامة. فهذا هو أساس التقدم. “اقتصاد الأشياء” هو علم الندرة، أما “اقتصاد الأفكار” فهو علم الوفرة.  والله أعلم.

الأهرام : 29 أغسطس 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *