عن الأصول المالية

وقعت الأزمة المالية الحالية نتيجة إنهيار الأسواق المالية. فما هي هذه الأسواق المالية، وهل هي مثل أسواق السلع التي نتعايش معها بشكل يومي حيث نشتري ونبيع فيها مختلف السلع؟

الحقيقة أن الأسواق المالية شيء مختلف، فهي لا تتعامل في السلع وإنما تتعامل في شيء آخر نطلق عليه اسم “الأصول المالية”. فما هي هذه الأصول المالية وما هي علاقتها بالسلع؟ أسئلة هامة كثيراً ما تختلط في ذهن القارئ العادي بل أن بعض المتخصصين قد تغمط عليهم بعض أوجه الخلاف بين “السلع” “والأصول المالية”. ولذلك فلا بأس من سرد القصة من بدايتها بشكل مبسط.

السلع:

أما “السلع” فأمرها سهل نسبياً، فهي كل ما يشبع الحاجات سواء بشكل مباشر (سلع الاستهلاك) أو بشكل غير مباشر (السلع الاستثمارية أو السلع الإنتاجية). فالطعام والملابس سلع استهلاكية تشبع حاجة الإنسان المباشرة إلى المأكل والملبس. أما الآلات والأدوات لمصنع للنسيج أو لمصنع الأدوية أو أسطول للنقل من قاطرات وطائرات، فكل هذه سلع إنتاجية تساعد على إنتاج الملابس أو الأدوية أو تقديم خدمات نقل الأشياء والأفراد. وتكوّن هذه السلع بشقيها الاستهلاكي والإنتاجي ما نطلق عليه موارد الاقتصاد العيني أو الحقيقي. فالاقتصاد العيني أو الحقيقي يتعلق بكل ما يشبع حاجات البشر مباشرة أو بشكل غير مباشر. هذه هي السلع. فماذا عن الأصول المالية؟

الأصول المالية

الأصول المالية ليست سلعاً، فلا هي تشبع الحاجات بشكل مباشرة أو غير مباشر، وإنما هي “حقوق” أو “مطالبات” على السلع والموارد الاقتصادية، وهي تتمتع ـ عادة ـ  بدرجة عالية من القابلية للتداول. فهي رموز تمثل الموارد الحقيقية أو العينية وتتداول ممثلة لها، وتقوم بدور هائل في الاقتصاد لأنها تسهل تداول وتبادل هذه الموارد العينية.

“فالأصول المالية” هي اختراع أو اكتشاف بشري ـ تمّ على فترات طويلة ـ  لنوع من “الرموز” التي تسهل تبادل وتداول الموارد العينية بكفاءة أكبر. تماماً كما سبق أن اكتشف العقل البشري “اللغة” ثم “الكتابة” كرموز لتبادل وانتقال الأفكار والعواطف والاحتياجات بين البشر. فاللغة هي مجرد أصوات، ولكنها أصوات ترمز عن معاني أو أحاسيس أو حاجات لدى الفرد لكي تمكنه من الاتصال بالآخرين. فهناك صعوبة في نقل هذه الأحاسيس الداخلية للفرد ونقلها إلى الآخرين دون “وسيلة” أو “رموز” متفق عليها، وهذه هي اللغة. ونفس الشيء بالنسبة للكتابة التي هي مجرد رسوم، ولكنها رسوم متفق عليها تعبر عما ما يجول بالخاطر. وكذا الحال مع “الأصول المالية”، فهي أيضاً “رموز” تعبر عن الموارد الاقتصادية العينية، وتسهل تعامل الأفراد في هذه الموارد الحقيقية من خلال التعامل في هذه الرموز.

 “فحق الملكية” ليس شيئاً ملموساً ولكنه رمز متفق عليه ومعترف به من المجتمع بأن لهذا الفرد (المالك) حق الانتفاع والتصرف وحده في الشيء المملوك (السلعة أو المورد الاقتصادي)، ويتم التعامل في الأشياء بنقل الملكية وبالتالي الحق في الانتفاع في الشيء المملوك من البائع إلى المشتري. والنقود هي كذلك أصل مالي، فهي ليست سلعة فهي لا تشبع بذاتها أية حاجة، ولكنها تمثل حقاً على الاقتصاد في مجموعه. فحامل النقود له الحق في أن يبادلها مع أية سلعة معروضة للبيع، حيث يقبلها البائع مقابل التنازل عن سلعته، وذلك لمعرفته أن حصوله على هذا  “الحق” يمكنه في المستقبل من الحصول على ما يحب من الموارد المعروضة للبيع. وقل نفس الشيء بالنسبة للسهم والسند، فهذا حق مشاركة في ملكية مشروع وذاك دين على نفس المشروع، وكل منهما قابل للتداول في الأسواق. فالأصول المالية هي النقود والأسهم والسندات والأوراق التجارية والمنتجات المالية الحديثة من خيارات أو تعاقدات أو غير ذلك مما يعرف باسم المشتقات المالية. وهذه كلها تتميز بأنها تتمتع بقابلية كبيرة للتداول، وهي رغم أنها ليست سلعاً فإنها حقوق على الموارد الاقتصادية وتتداول بديلا عنها.

السوق والأصول المالية:

رغم أن كلاً من السلع والأصول المالية تتداول في الأسواق وتتمتع بقيم أو أثمان تتداول على أساسها ، فإنهما يختلفان من حيث علاقتهما بالسوق. فالسوق بالنسبة “للسلع” هي وسيلة للوصول إلى المستفيد النهائي من السلعة. فالسلع هي، كما ذكرنا، كل ما يشبع الحاجات، وهي تنتج لكي تصل إلى المستفيد النهائي، وبذلك فإن الالتجاء إلى السوق هو مجرد مرحلة وسيطة في حياتها. السلعة تدخل السوق لكي تخرج منه بشكل كامل عند وصولها إلى المستفيد النهائي ولا تعود إلى السوق من جديد إلا استثناء (كما في حالة بيع الأشياء المستعملة). وليس الأمر كذلك بالنسبة للأصول المالية، فالسوق بالنسبة لهذه الأصول هو حياتها، وهي تدخل السوق ليس للعبور وإنما للاستقرار فيه على أمل العودة إلى السوق في أي وقت. فلا حياة للأصول المالية دون أسواق. فانظر إلى النقود ـ وهي أهم الأصول الماليةـ فالمشتري يتنازل عنها للبائع، ولكن البائع لا يقبلها إلا لمعرفته أنها صالحة للاستعمال في المستقبل. وهكذا، فالنقود تبقى في السوق ولا تخرج منه بشكل نهائي. وما ذكرناه عن النقود ينطبق على باقي الأصول المالية. فلا يختلف الأمر بالنسبة لحامل السهم أو السند، فرغم أن كلا منهما قد يدر عائداً فإن قيمته السوقية تتوقف على قدرة الحائز لهما على التصرف فيه مستقبلاً للغير. فالعائد الذي تغله الأصول المالية ليس أكثر من نوع من الإغراء لشرائها، ولكن قيمتها الأساسية تتوقف على القدرة الدائمة على إعادة بيعها وإيجاد مشتري لها في المستقبل. وهذه هي قيمتها الرأسمالية، وإذا فقدت هذه القدرة فقدت قيمتها الرأسمالية أو الجزء الأكبر من هذه القيمة. .وهكذا فإن الأصل المالي يدخل السوق ليبقى فيه أو لكي يعود إليه، وحامله يحتفظ به لأنه يعرف أنه يستطيع التصرف فيه للغير في المستقبل.

قيمة الأصول المالية :

بعد أن أوضحنا المقصود بكل من السلعة والأصل المالي، فكيف تتحدد قيمة هذا الأصل المالي أو تلك السلعة؟ هذا هو جوهر النظرية الاقتصادية، فهي نظرية للأثمان أو القيم.

انشغل الاقتصاديون بهذه المشكلة منذ أن بدأ علم الاقتصاد يتبلور في القرن الثامن عشر.وعندما نتحدث عن أثمان السلع فإننا نتحدث عن الطلب والعرض، أي عن ظاهرة مجتمعية تتأثر بظروف المجتمع من حيث مستوى الدخل وتوزيعه، وأذواق المستهلكين وأثمان السلع الأُخرى وظروف الإنتاج ومستوى التقدم التكنولوجي، وشكل التنظيم الإنتاجي بين المنافسة والاحتكار فضلاً عن شكل السياسات النقدية والمالية للحكومات. فأثمان السلع تتحدد بالطلب والعرض في لحظة البيع.

هذا بالنسبة للسلع. فماذا بالنسبة للأصول المالية؟ هل تخضع لنفس المؤثرات؟ عندما نتحدث عن الطلب والعرض في صدد الأصول المالية فإننا نجد أننا نتعامل مع “كائنات” مختلفة. فالسلع ـ كما ذكرنا ـ تدخل السوق عبوراً لكي تصل إلى المستفيد النهائي، أما الأصول المالية فإنها تدخل السوق لكي تستقر فيه وتعود من جديد للبيع لمشتري آخر. وهذا الفارق يجعل أسواق الأصول المالية مختلفة جوهرياً عن أسواق السلع من حيث معاملتها “للمستقبل”. فأسعار “السلع” تتحدد باعتبارات الطلب والعرض لحظة البيع أما أسواق “الأصول المالية” فهي أساساً أسواق للتعامل في ضوء اعتبارات المستقبل. فالأصل المالي هو، في نهاية الأمر، وعد مالي في المستقبل والعبرة هي بحجم العائد المالي المتوقع وقيمته المستقبلية وشكل المخاطر المرتبطة به. وهكذا فإن التعامل في الأصول المالية ليس تعاملاً مع سلع تشبع الحاجات مباشرة أو غير مباشرة لحظة البيع أو الشراء، وإنما هو تعامل مع المستقبل.

فمن يشتري الأصل المالي فإنه يفكر أولاً فيمن سوف يشتريه منه في المستقبل وبذلك فإن التعامل في الأسواق المالية هو نوع من “المضاربة” أي الشراء بقصد إعادة البيع. ومن هنا تصبح أسواق الأصول المالية مقياساً ـ إلى حد بعيد ـ لرؤية المستثمرين للمستقبل. فالسوق المالي يزدهر إذا كان مزاج السوق متفائلاً، وهو يتراجع إذا كان هذا المزاج متشائماً. وعندما تقول أن أسواق الأصول المالية هي حكم على المستقبل، فإن هذا الحكم قد ينصرف إلى الاقتصاد في عمومه أو إلى قطاع محدد أو حتى إلى مشروع محدد. وبشكل عام فإن الأسواق، المالية تنطوي على حكم السوق على مستقبل الاقتصاد في عمومه.

وفي كثير من الأحوال تتحول بعض السلع إلى أن تصبح نوعاً من الأصول المالية إذا كان لها سوق في المستقبل. فالمقتنيات الأثرية من تحف ولوحات تفقد الكثير من خصائصها كسلع لكي تصبح نوعاً من الثروة المالية يتعامل فيها الأفراد بغرض إعادة بيعها في المستقبل.

وقد كان الاقتصادي الإنجليزي ـ كينز ـ محقاً عندما تناول كيفية تحديد قيم أو أثمان الأصول المالية. فبعد أن شرح الأسلوب المنطقي القائم على خصم العوائد المستقبلية للأوراق المالية أي تحديد القيمة الحالية لما تغله هذه الأصول من عائدات في المستقبل، عاد وأكد أن ما يحكم هذه الأثمان والقيم هو “الغريزة الحيوانية” في التفاؤل والتشاؤم. فالأسواق المالية هي ترمومتر رؤية المستثمرين الماليين للمستقبل ولا ننسى كذلك أن الأسواق المالية تؤثر بدورها في الاقتصاد الحقيقي بإعطاء مؤشر للاستثمار الحقيقي للقطاع الخاص. فإذا كانت الأسواق المالية متردية وخاسرة، فإنها تعطي مؤشرات سلبية للمستثمرين بالتروي عند القيام باستثمارات جديدة أو بالتوسع في الإنتاج إذا كانت السوق رائجة.

الأصول المالية والمخاطر:

إذا كانت قيمة الأُصول المالية هي تعبير عن رؤية المستثمرين عن المستقبل، فإن الحديث عن المستقبل إنما هو حديث عن “الثقة” والمخاطر، وهي حالة نفسية تسود في ضوء وقائع الحاضر وذاكرة الماضي القريب والبعيد واحتمالات المستقبل. والثقة بهذا الشكل، وإن كانت حالة نفسية إلا أنها تجد عناصرها في الوقائع المحيطة وكيفية تفسيرها. وهي بذلك تجمع بين الظروف الموضوعية وبين التفسيرات الشخصية. وكل هذا ليس أمراً خاصاً بفرد أو أفراد، وإنما هو حالة جماعية تسود بين المتعاملين في الأسواق المالية، وكثيراً ما تتأثر بحالة الآخرين. فهي مثل العدوى تنتشر بسرعة بين المعاملين وخاصة عندما تتأزم الأمور، فيصبح المتعاملون ضحايا الإشاعات، وهو ما يعرف “بغريزة القطيع”. الأسواق المالية هي انعكاس لرؤية المستثمرين للمستقبل وما يتضمنه ذلك من مخاطر وبالتالي من ثقة، ومن هنا أهمية الحديث عن المخاطر في الاقتصادات المعاصرة، وهو ما يستحق مقالاً مستقلاً. والله أعلم.

الشروق: 24/02/2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *