عن الأصول المسمومة في الأسواق المالية

ظهر اصطلاح الأصول المسمومة Toxic assets مع بزوغ الأزمة المالية العالمية. والمقصود بذلك هو أنه نتيجة للتوسع المحموم في إقراض مدينين لا يتمتعون بالجدارة الائتمانية الكافية، تضمنت ميزانيات البنوك والمؤسسات المالية أصولاً لمديونيات متعثرة يصعب سدادها. فالقيمة  الحقيقية لهذه الأصول أقل بكثير من تكلفتها، فهي أصول “تسمم” دلالة الميزانية عن المراكز المالية الحقيقية للمؤسسة. ولكن هذه “الأصول المسمومة” لم تقتصر على المديونيات المشكوك فيها من جانب المؤسسات المقرضة للعملاء الأقل جودة Subprime، بل أنها امتدت إلى عديد من  ميزانيات شركات ومؤسسات لا تتعامل أصلاً مع هذا النوع من المدينين، إنما تحتفظ في محافظها المالية بأسهم وسندات لشركات أو بنوك أخرى تتعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع هؤلاء المدينين المتعثرين. ولفهم ذلك علينا أن نتذكر أن البنوك والمؤسسات المالية تتداخل في مختلف جوانب الاقتصاد بحيث أن ما يصيبها من خلل أو انحراف ما يلبث أن ينتقل إلى بقية عناصر الاقتصاد.

الوساطة المالية شبكة متعددة ومتشعبة العلاقات:

 

الاقتصاد المعاصر ينطوي على مجالين متكاملين، هما الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي. أما الاقتصاد الحقيقي، أو العيني، فهو يتعلق بالموارد الاقتصادية الحقيقية، من أراضي ومصانع وقوة بشرية، والتي تشبع الحاجات بشكل مباشر أو غير مباشر. وأما الاقتصاد المالي فهو يتكون من الأصول المالية أي المطالبات أو الحقوق على هذا الاقتصاد الحقيقي، مثل النقود والأسهم والسندات والأوراق المالية. وهذه الأصول المالية هي التي تحرك الاقتصاد الحقيقي. وقد أدى الاقتصاد المالي إلى ربط مختلف أجزاء الاقتصاد في شبكة متداخلة من العلاقات يصعب الفكاك منها. وقامت المؤسسات المالية، وعلى رأسها البنوك، بالدور الأكبر في هذه العلاقات الاقتصادية المتداخلة. وحتى نفهم درجة التعقيد والترابط بين مكونات الاقتصاد فلا بد أن نبدأ بصورة مبسطة لدور البنوك في الوساطة المالية ـ أو التمويل ـ حتى نصل إلى صور أكثر تعقيداً تقترب من الأوضاع المعاصرة للاقتصاد.

تختصر قضية “التمويل” في الاقتصاد في حقيقة بسيطة وأولية، وهي أن الهدف من التمويل في الاقتصاد هو كيفية نقل مدخرات الأفراد والمشروعات إلى المستثمرين. فالناتج القومي لأية دولة يوزع على المساهمين في العملية الإنتاجية( في شكل أجور وأرباح). ويقوم هؤلاء الأفراد بالإنفاق على استهلاكهم، وما يتبقى بعد ذلك هو الادخار. فماذا يفعل الأفراد بهذه المدخرات الزائدة على استهلاكهم المباشر؟ ليس كل الأفراد قادرين على القيام بأنفسهم بمشروعات استثمارية إنتاجية، فضلاً عن أن مدخرات كل فرد على حده تعتبر صغيرة ولا تكفي للقيام بأي مشروع استثماري. ولكن هناك على الجانب الآخر، المستثمرون وهم القادرون على إنشاء المشروعات لما لديهم من خبرة وأموال، ولكنهم يحتاجون في العادة إلى أموال أكبر بكثير مما لديهم. فأين يجدون هذه الفوائض من المدخرات؟ هنا قامت الحاجة إلى المؤسسات المالية الوسيطة وعلى رأسها البنوك، فهي تقوم بتجميع هذه المدخرات وتضعها تحت تصرف المستثمرين. وفي هذه العملية تظهر الصور الرئيسية للأصول المالية. فالمدخر يضع أمواله في البنك في شكل “وديعة” أي في شكل أصل مالي، دين على البنك. والبنك يضع بدوره هذه المدخرات تحت تصرف المستثمر مقابل “قرض” أي أصل مالي للبنك على عميله.

على أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد حيث ظهرت مؤسسات مالية أخرى إلى جانب البنوك تجمع مدخرات الأفراد مثل شركات التأمين وهيئات التأمين والمعاشات وشركات توظيف الأموال والصناديق الاستثمارية. وبذلك تعددت المؤسسات المالية التي تجمع مدخرات الأفراد من أجل الاستثمار.

كذلك لم تقتصر المؤسسات المالية على الوساطة المباشرة بين جمهور المدخرين وجمهور المستثمرين، بل تتابعت عمليات الإقراض والاقتراض في سلسلة طويلة مع العلاقات الوسيطة غير المباشرة. فصندوق الاستثمار لا يستخدم الأموال التي يجمعها لكي يضعها تحت تصرف المستثمر النهائي بل أصبح يشتري بها أسهم وسندات وأوراق مالية أصدرتها الشركات المالية الأخرى. والبنك بدوره لم يعد يقتصر على إقراض المستثمرين بل أصبح يوظف جزءاً من أمواله (مدخرات المودعين) في محفظة من الأسهم والسندات والأوراق المالية الأخرى. كذلك فإن المشروعات الإنتاجية لم تعد تحصر نفسها في الاستثمار الحقيقي في المجال الذي تتخصص فيه بل أصبحت تحتفظ هي الأخرى بمحفظة مالية من أسهم وسندات وأوراق مالية تصدرها المؤسسات المالية والشركات الأخرى.

وهكذا أصبح الفرد ـ وكذا المشروع ـ دائناً ومديناً في نفس الوقت للعديد من المؤسسات. فالفرد المستهلك دائن للبنك بما لديه من حسابات في واحد أو أكثر من البنوك، ولكنه مدين للبنوك برهن على عقاره، وهو أيضاً مدين بما يستخدمه من بطاقات ائتمان أو شراء سلع معمرة بالأقساط. ونفس الشيء بالنسبة إلى البنك فهو دائن ومدين معاً. فهو مدين لعملائه من المودعين ولكنه دائن لعملائه الآخرين من المقترضين، كما أنه دائن حائز لأوراق مالية متنوعة يستثمر فيها. وكذا المستثمر أو المشروع الصناعي فإنه مدين للبنك بما يحصل عليه من قروض، ولكنه دائن للمؤسسات المالية بما يحتفظ به من ودائع في البنوك أو من محفظة مالية متنوعة

وهكذا ساعد تنوع وتتداخل هذه الأصول المالية المترابطة على اعتماد المركز المالي للفرد أو المشروع  على ما يحدث للمراكز المالية للأخرين. وأصبح الاقتصاد المالي ـ نتيجة للوساطة المالية ـ شبكة متداخلة من المديونيات والدائنيات المتقابلة، وأي عجز عن الوفاء من أحد المدينين يؤدي إلى سلسة متتابعة من الخسائر.

انعدام الثقة والانتقال من النشوة إلى الخوف:

 

بدأت بوادر الأزمة في الظهور ـ على حياء ـ منذ نهاية 2006 وارتفعت نبرة الحديث عنها منذ منتصف 2007 وانفجرت في الربع الأخير من 2008. وتبين أن أكبر البيوتات المالية العالمية تورطت ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ في هذه الأزمة حيث تتضمن أصولها العديد من “الأصول المسمومة” التي يصعب تحصيلها. وكانت الضحية الأساسية في هذه الأزمة هي “الثقة”. فانهارت الأسواق المالية ولم يقتصر الأمر على الشركات المتورطة مباشرة في هذه الأصول المسمومة وإنما عم البلاء لمعظم الأوراق المالية. ويرجع ذلك إلى الطبيعة الخاصة للتعامل في الأصول المالية. فهذه الأصول، وعلى عكس السلع الاستهلاكية، تشتري لأنها تمثل “ثروة” قابلة للنمو في المستقبل. فمن يشتري سهماً أو سنداً مثلاً تكون عينه على المستقبل، فهو يشتري اليوم لكي يبيع غداً آملاً في تحقيق بعض الربح. فسوق الأوراق المالية هي رهان على المستقبل. فإذا كان المستقبل مبشراً اندفع الجميع على الشراء، وإذا كان المستقبل مظلماً حاول الجميع التخلص مما لديهم من أصول قبل تحقق الأسوأ.

ولذلك تعرف أسواق الأصول المالية عادة إفراطاً في التذبذب. فإذا عم التفاؤل ارتفعت قيمة هذه الأصول بأكثر مما ينبغي، وعلى العكس فإذا غلب التشاؤم انخفضت قيمتها بأكثر مما هو مطلوب. ولذلك يقال أن هذه الأسواق تتعرض لموجات من الاندفاع Overshooting  بالارتفاع غير المبرر في الأسعار، أو الانهيار غير المقبول فيها. فهي كالثور bullish في اندفاعها في لحظات التفاؤل والنشوة، للارتفاع، أو هي كالدب bearish في حذرها وتخوفها من المستقبل في لحظات التشاؤم والخوف من المستقبل. وهذه هي العبارات المستخدمة في الأوساط المالية عن وصف الأسواق في حالات الانفعالات النفسية المتوترة للأسواق. وليس هناك من شك أن الأسواق المالية عرفت إفراطاً في التفاؤل في السنوات الأخيرة أدى إلى اندفاع مجنون في أسعار الأصول المالية، ولذلك فإنه من غير المستغرب أننا نعيش الآن رد فعل مبالغ فيه من التشاؤم غلب على معظم الأسواق المالية مما أدى إلى انهيار كبير للأسعار.

سياسات معالجة الأزمة:

تدور سياسات الإصلاح الاقتصادي والمالي خاصة في الولايات المتحدة حول محورين: أحدهما للمدة الطويلة والآخر للمدة القصيرة، علماً بأن إصلاحات المدة القصيرة هي الطريق إلى الإصلاح في المدة الطويلة. فما هي أهم الأفكار الموجودة على الساحة في هذا الصدد ؟

هناك اقتناع شبه كامل بأن الأسواق المالية يعتريها خلل شديد نتيجة لعدم الانضباط وعدم الوضوح وضعف الرقابة والإشراف من جانب الحكومات. فقد كانت هناك ثقة ـ تكاد تكون عمياءـ في أن نظام “السوق” قادر على تصيح أخطائه، وأن هذ “النظام” في اعتماده على الربح والخسارة قادر على حسن توزيع الموارد بكفاءة. وقد تبين أن هذا الأمر غير صحيح وغير كاف، وبوجه خاص بالنسبة لأسواق الأوراق المالية. فنظراً لأن هذه الأسواق تتعامل في جوهرها مع المستقبل، فإنها قادرة على ترحيل “الخسائر” إلى المستقبل وإخفائها عن الأنظار لفترات طويلة قبل أن تظهر للعيان. وفي هذه الأثناء تختفي هذه “الخسائر” وراء عبارات محاسبية غير واضحة يمكن أن تقوض من سلامة من البناء الاقتصادي. فهي كمرض السرطان الذي ينخر في جسم لسنوات دون أن يكتشف، حتى يظهر فجأة في مراحل متأخرة يصعب معها العلاج. ومن هنا فإن هناك حاجة إلى إعادة نظر كاملة في أدوات الأسواق المالية ومؤسساتها وعدم تركها كلية لأهواء “اقتصاد السوق”، ولا بد من وضع القيود والضوابط لمنع الانحراف والإفراط .

هذا في المدة الطويلة، فماذا عن المدة القصيرة؟

رأينا أن الأزمة ترجع في جوهرها إلى مبالغة هائلة في حجم الأصول المالية، وأن بعضها أصول “مسمومة” لا تعبر عن قيمة حقيقية، وأن هناك بالفعل فقاعة مالية هائلة قد انفجرت ولابد من إعادتها إلى “القيم” الحقيقية لهذه الأصول. ولكن المشكلة بالإضافة إلى ذلك هي أن “انعدام الثقة” وغلبة الشعور بالتشاؤم والإحباط قد أدى في كثير من الأحوال إلى مبالغة في ردود الفعل العكسية وأن الانهيار في أسعار الأصول المالية قد جاوز الحدود المعقولة ولا يعبر عن القيم الحقيقية، ومن ثم وجب إعادة الثقة لعودة النشاط الاقتصادي إلى مساره الطبيعي في جو صحي.

فالبنوك ـ مثلاً ـ وقد راعها ما أصابها من خسائر، فإنها أحجمت عن التوسع في الإقراض، ليس  لنقص في السيولة لديها أو لعدم جدارة المقترضين، وإنما لأن رد الفعل الطبيعي في لحظات الأزمة والخوف هو مزيد من الحذر، وغالباً ما يكون ذلك بأكثر من اللازم. وفي نفس الوقت فإن انهيار أسعار الأوراق المالية وما ترتب عليه من ذعر في الأسواق، قد دفع بالعديد من المستثمرين إلى التخلص مما لديهم من هذه الأصول قبل أن تنهار الأسعار أكثر، بل وأحياناً يضطر الحائزون لهذه الأصول المالية إلى تسييل أصولهم لمواجهة أعبائهم المالية الأخرى. وفي نفس الوقت فإن المشروعات الكبرى تتوقف بدورها أو تتريث عن القيام باستثمارات جديدة حتى تتضح الصورة. فحالة عدم اليقين تخلق جواً من الشلل العام في النشاط الاقتصادي، ليس فقط بسبب الفقاعة المالية وحدها، وإنما لإحجام المدخرين والمستثمرين عن التعامل في الأسواق. ولايقل عن هذا الشعور “بعدم اليقين” uncertainty الذي هو عدو الاستقرار الاقتصادي. ولذلك فإن هدف السياسة في المدة القصيرة هو إعادة الثقة للأسواق وإعادة الأمل في الأسواق المالية.

إنقاذ الأصول المسمومة أم زيادة رؤوس أموال البنوك:

 

إذا كان من الصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ عودة النشاط الاقتصادي دون وجود مؤسسات مالية قادرة، فقد اتجه الرأي في أول الأمر إلى ضرورة تدخل الحكومات بتخليص البنوك والمؤسسات المالية من أصولها “المسمومة” لتحسين أوضاعها المالية وبالتالي تمكينها من العودة إلى نشاطها الطبيعي في دفع معدلات الاستثمار من جديد إلى أوضاعها الطبيعية. وكان وزير الخزانة السابق في إدارة بوش (بولسن) قد اقترح أن تقوم الحكومة بشراء هذه الأسهم “المسمومة” بأسعار مناسبة، ومع ذلك فقد قامت مشكلة: كيف تقوِّم هذه الأصول بعيداً عن السوق، وما هي القيمة الحقيقية لهذه الأصول؟ لا أحد يعرف هذه القيمة؟

لذلك  رأي جوردن براون رئيس وزراء انجلترا أن الحل ينبغي أن يكون بزيادة رؤوس أموال البنوك من جانب الحكومات حتى تتمكن هذه البنوك من العودة إلى نشاطها برؤوس أموال أكبر. ولكن تبين أن البنوك ـ حتى مع زيادة رؤوس أموالها ـ فإنها ما تزال مترددة في التوسع في النشاط نتيجة لجو التشاؤم السائد. ولذلك فإن المطلوب هو تحريك أسواق الأوراق المالية وإعادة النشاط إليها لتحفيز البنوك على معاودة دورها.

ولعله من الطريف أن نلاحظ في هذا الصدد تطوراً في الاصطلاحات المستخدمة. فبعد الحديث عن “الأصول المسمومة”، فضلت البنوك تسميتها “بالأصول المشكلة” Problem assets، لأنها ليست كلها أصول فاسدة تماماً بل يمكن أن ترتفع قيمها إذا استعاد السوق الثقة. وفي مقترحات وزير الخزانة الأمريكي الجديد نجده يتحدث عن “الأصول الموروثة” Legacy assets، لأنها ليست بالضرورة “مسمومة” ولا حتى “مشكلة”، ولكنها فقط “موروثة” عن فترة سابقة، ويمكن إعادة إحياء قيمتها فيما لو تحسنت الأحوال الاقتصادية.

ولذلك تقدم وزير الخزانة الأمريكي الجديد بمقترحات تتضمن، بالإضافة إلى المشاركة في رؤوس أموال البنوك أو حتى العمل على إدماجها مع غيرها من المؤسسات المالية (كما اقترح بروان)، السعي أيضاً إلى العمل على رفع قيمة هذه الأصول “المسمومة” في الأسواق عن طريق تشجيع إنشاء شركات استثمارية جديدة لشراء هذه الأسهم بأسعار أفضل. وفي هذا الاقتراح الجديد تقوم الحكومة بدعم إنشاء شركات استثمارية خاصة جديدة بتمويل من السوق بغرض الاستثمار في هذه الأصول المالية “الموروثة” للإفادة من الأسعار المتدنية في أسعارها، مع التزام الحكومة بمساعدة هذه الشركات مالياً. فمقابل كل دولار تجمعه هذه الشركات المقترحة من الأسواق، تضع الحكومة دولارين أحدها مشاركة والأخر قرضاً للشركة. وبذلك تتجمع لهذه الشركات الجديدة أموال كافية لإعادة النشاط إلى الأسواق المالية. ويهدف اقتراح وزير الخزانة الجديد إلى تحقيق أمرين في غاية الأهمية، الأول تنشيط الأسواق المالية بتوفير مصادر جديدة للتمويل للاستثمار فيها والإفادة من أسعارها المتدينة مما يرفع من قيمتها، والثاني ألا تتحدد هذه القيم الجديدة للأصول المالية بأسعار تحكمية تفرضها الحكومة وإنما من خلال الطلب والعرض في السوق.

فهل تنجح هذه السياسات؟ سوف يتوقف الأمر في نهاية الأمر على مدى استجابة الأسواق لهذه السياسات ومدى قدرتها على استرجاع الثقة المفقودة في الأسواق المالية. فهي رهان على الثقة في الحكومة الأمريكية وفي الاقتصاد الأمريكي. والمستقبل كفيل بالإجابة على هذا الرهان الكبير. والله أعلم.

مجلة وجهات نظر: عدد مايو 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *