عن الألم والأمل

عن الألم والأمل

دكتور حازم الببلاوى

 

“ألم” و”أمل” لفظان يشتركان فى نفس الحروف ـ ألف لام ميم ـ وإن بترتيب مختلف، ولكنهما يتناقضان تماماً فى المعنى. “فالألم” حديث عما يصيب النفس أو الجسم من تعب ومشقة، فى حين أن حديث “الأمل” يعبر عن السعادة والتفاؤل بالمستقبل. وبذلك يبدو للوهلة الأولى أن ما يشير إليه اللفظ الأول يتناقض تماماً مع ما يعبر عنه اللفظ الثانى. فهل هذا صحيح، وهل هذه هى كل الحقيقة؟

وتزداد حيرتنا عندما نقرأ فى أول سورة فى المصحف الكريم : “ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون”. صدق الله العظيم. لقد حار الفقهاء فى تفسير هذه الحروف “ألف لام ميم”. ولست أدعى علماً أو تخصصاً فى هذا المجال،  وبالتالى فلست مؤهلاً لتفسير ما ورد فى هذه الآية عن تلك الحروف. ولكنه لا يخفى على أحد أن حروف لفظى “الألم” و”الأمل” واحدة وإن إختلفت فى ترتيبها. فهل من صلة بين “الألم” و”الأمل”؟ هذا هو السؤال.

وعندما يلقى مثل هذا التساؤل على إقتصادى ـ مثلى ـ فسوف يتبادر إلى ذهنه أن علم الإقتصاد كله يدور حول لفظين : “المنفعة” و”التكلفة”. أما “المنفعة” فهى كل ما نتطلع إليه من “أمل” نسعى إلى تحقيقه، وأما “التكلفة” فهى العبء أو “الألم” الذى نبذله فى النفس أو المال من أجل تحقيق هذه “المنفعة”. وهكذا، فإننا لا نبتعد كثيراً عن الحقيقة عندما نقول أن علم الإقتصاد يتعامل أساساً مع “الأمل” و”الألم”، وكيف نحقق آمالنا بأقل الآلام. هذا هو علم الإقتصاد فى عبارة موجزة.

ولكن كيف نربط الآلام بالآمال، لماذا لا تتحقق المنافع بدون تكلفة. يقول الإقتصاديون عادة، أنه “لا توجد وجبات مجانية”، فلا شئ بلا ثمن أو تكلفة. ومن هنا قيل أن علم الإقتصاد هو “العلم الكئيب” لأنه يذكرنا دائماً، بأن لا شئ مجانياً. وهكذا فالظاهر للوهلة الأولى أن الحديث عن “الألم” و”الأمل” هو حديث عن أمور متناقضة. “فالألم” عبء ومشقة، أما “الأمل” فهو مصدر للفرح والسعادة. ولكن هل نكتفى بهذه الملاحظة العابرة أم أن الأمر يستحق أن ننظر أيضاً إلى ما وراء الظاهر؟ ألا يوجد بين “الألم” و”الأمل” سوى هذا التناقض فى المشاعر التى يولدها كل منهما، أم أن العلاقة بين الأمرين أعمق وأوثق، وأنهما رغم ما قد يبدو بينهما من تناقض، هما ـ فى نهاية الأمر ـ متكاملين، لا غنى لأحدهما عن الآخر. فهما يرتبطان برابطة جدلية. فدون “أمل” لا صبر ولا قدرة لأحد على تحمل “الألم”، وبالمقابل فإن “الآمال” لا تتحقق بمجرد التمنى، بل لا بد من الجهد وتحمل الألم فى سبيل تحقيق هذه “الآمال”. وهكذا يمكن أن نقول، بقدر من التجاوز، بأن الأمرين يرتبطان بنوع من علاقة السببية. “فبالأمل” تهون علينا المصاعب والآلام، والتى لا نتحملها بلا طائل، وإنما نقبلها لأنها تمكننا من تحقيق “آمالنا”. فبالعمل الجاد وتحمل الآلام يمكن تحقيق الآمال إن لم يكن المعجزات، الأمر الذى يضفى على النجاح مذاقاً خاصاً، لأنه نجاح تحقق بإستحقاق وبالتعب والكفاح. وهذه ملحمة البشرية فى تاريخها الطويل ومعجزاتها أيضاً.

فالإنسان وحده ـ من دون الكائنات ـ قادر على صنع الحضارة لأنه يعمل، أى يبذل الجهد والمشقة ـ ليس على نحو غريزى ـ كما فى الكائنات الأخرى ـ  وإنما لأنه يفكر ويستوعب البيئة المحيطة به ويطور أساليب عمله فى ضوء تراكم معرفته، وهو يبحث عن أفضل الأساليب وأكثرها كفاءة لمزيد من السيطرة على هذه البيئة المحيطة به. أما الكائنات الأخرى، فإنها لا تعمل، وإن كانت تعيش بالغريزة المورثة دون تجديد أو تحديث فى حين أن العمل البشرى ليس غريزياً بقدر ما هو إختيار يتحدد وفقاً لطبيعة البيئة التى يعيش فيها ودرجة تقدمه التكنولوجى. فالعمل بالمعنى المعروف هو ظاهرة بشرية، وهو يعكس إرادة وإختيارا. ولذلك لم يكن غريباً أن تكون مهمة الإنسان الأولى والأساسية هى صناعة الحضارة، وليس مجرد البقاء.فالحيوانات تعيش ولكنها لا تعمل وبالتالى لا تصنع حضارة. ولذلك لم يكن غريباً أن ظلت حياة الكائنات الأخرى من الحيوان والنبات على ما كانت عليه منذ مئات آلاف السنين، دون تغيير، فهى تخضع لطبائع غريزية موروثة لا فكاك منها، بعكس الإنسان الذى يتمتع بقدرات ذهنية وعضلية تمكنه من تغيير وسائل معيشته مع تطور قدراته الفكرية وإمكانياته التكنولوجية.

لقد عاش الإنسان على اللقط والقنص فى مراحله الأولى وحيث يكاد يعتمد إعتماداً كلياً على ما تجود به عليه الطبيعة، فإذا به يكتشف الزراعة بعد أن تطورت قدراته الفكرية والتكنولوجية منذ حوالى عشرة آلاف سنة، ولم يعد ـ بذلك ـ مجرد عالة على الطبيعة المحيطة به، بقدر ما أصبح شريكاً لها، يمهد الأرض ويبذر البذور ثم يخترع بعض الأدوات التى تمكنه من مزيد من السيطرة على المياة وتوزيعها، كما يختار المحاصيل التى تناسبه. وهكذا تطور مفهوم “العمل” مع ظهور المجتمعات الزراعية. وجاءت الثورة الصناعية منذ أكثر من قرنين ونصف، ليكتشف الإنسان الآلة البخارية ويسخر طاقة الفحم والهواء والمياة وبعدها الكهرباء، مما جعله سيداً للطبيعة وليس مجرد خاضع لها. ونحن الآن، بعد أن جاوزنا الثورة الصناعية الأولى، نشاهد تغيراً فى مفهوم العمل وأساليبه. فلم يعد الأمر يحتاج دائماً خروج الفرد إلى الغيط لآداء عمله الزراعى، أو حتى الذهاب إلى المصنع ليقف أمام الآلة، بل قد يمكث فى منزله يتعامل مع أدوات التكنولوجيا الحديثة فى الإتصالات، وحيث أصبح العمل الفكرى والذهنى هو أهم ما يميز عمل الإنسان، وتضائل إستخدام قوته العضلية.

وهكذا، فإن أهم ما يميز “العمل” بالنسبة للفرد هو أنه إختيار إرادى وليس رد فعل غريزى، وهو يتطور مع تطور قدراته العلمية والتكنولوجية. وبهذا يصبح “العمل” بهذا المعنى صفة بشرية يمتاز بها البشر بالمقارنة  بسائر الكائنات. حقاً، إن الظروف الإقتصادية والإجتماعية قد تفرض على الفرد القيام بأعمال لا يرحب بها وإنما تفرض عليه نتيجة لهذه الظروف. ولكن يظل “العمل” ميزة بشرية يختص بها الإنسان، ـ ورغم كافة القيود ـ فهى إتخاذ نوع من الإختيار الإرادى وليس إستجابة لغريزة أو حتمية فسيولوجية. فالإنسان وحده يعمل، وهو بذلك يصنع الحضارات.

ولذلك علينا أن نتساءل ما هو “العمل بالضبط؟

 “العمل” عند الإقتصاديين هو الجهد أو المشقة التى يتحملها الفرد من أجل تحقيق منفعة. ولذلك، فإن “العمل” هو وسيلة لغاية، وهى تحقيق هذه المنفعة. فهو يزرع ويقوم بأعمال الفلاحة لا لأنه يجد فيها متعة، وإنما ليوفر الغذاء له ولأسرته وربما للسوق، وهو قد يعمل فى مصنع أو مؤسسة لكى يحقق عائداً ـ الأجر ـ يقيم به أوده وأسرته. والعمل بطبيعته هو جهد ومشقة وبالتالى مصدر للألم، ولكن ما يبرر القيام به هو ما يتحقق من عائد يستحق هذا الجهد وتلك المشقة. ومن هنا يختلف أداء “العمل” عن ممارسة “الهواية”، رغم أنهما قد يتشابهان من حيث الشكل والجهد. فالهاوى لرياضة التنس يذهب إلى النادى لممارسة هوايته، وقد يستعين “بمدرب” لتحسين أدائه، ولكن هناك إختلاف بينهما. فرياضة التنس بالنسبة للاعب هى مجرد هواية وهو يكون مستعداً ليدفع أجر للمدرب، الذى يستحق الحصول على مقابل مادى. وهكذا فأحدهما يدفع مقابل المباراة، والآخر يحصل على الأجر لنفس العملية، رغم تطابق الجهد بينهما، والفارق بينهما هو أن ممارسة الرياضة بالنسبة لأحدهما “هواية”، وبالنسبة للآخر “عمل” ومهنة. وبذلك يتضح أن معنى “العمل” يتضمن نوعاً من الألم والمشقة من أجل الحصول على منفعة فى شكل أجر أو مكافأة. فالعمل هو نوع من “الألم” الذى نتحمله من أجل تحقيق “أمل” فى زيادة الإنتاج من السلع أو الخدمات. وبالمقابل، إذا إقتصر “العمل” على تحمل الألم دون أن يرتبط ذلك بتحقيق منافع، فإنه يصبح “عقوبة”. فما يبرر تحمل الألم الذى يتطلبه “العمل”، إنما هو ما نتوقعه من تحقيق منفعة لصاحب العمل أو لغيره فى شكل سلع تنتج أو خدمات تقدم. أما إذا إقتصر الأمر على فرض الألم والمشقة على شخص دون فائدة له، فإن هذه المشقة لا تكون عملاً بل هى سخرة أو “عقوبة”، كما يحدث فى عقاب المجرمين. فما يتحمله هؤلاء من مشقة وألم ليست أعمالاً إقتصادياة بل هى عقوبة جنائية لردع الناس عن إيذاء الآخرين. ومن أشهر العقوبات فى الأساطير هو ما يعرف بأسطورة سيسفوس Sisyphus عندما حكمت الآلهة بإلزامه بنقل الحجارة من سفح الجبل إلى قمته ثم إعادة الكرة مرة بعد أخرى.

        وهكذا، يتضح أن “العمل” فى الإقتصاد هو نوع من الألم والمشقة، ولكنه ليس “ألماً” بلا جدوى بل بغرض تحقيق مصالح له وللمجتمع. ومن هنا فإن “الألم” ليس مجرد تكلفة تبذل بلا طائل، بل هى “تكلفة” مقابل عائد، وهو إنتاج السلع والخدمات التى تشبع حاجات البشر وترفع من مستوى حياتهم. وأهم ما يميز “العمل” الإقتصادى، هو أن نتيجة هذا العمل ـ أى المنفعة التى تتحقق من ورائه ـ تجاوز فى قيمتها ومنفعتها للبشر، حجم الألم المبذول فى الخدمة. وهو الأمر الذى عبر عنه ماركس بالقول بأن “العمل” يؤدى إلى “فائض القيمة”، ولكنه إعتقد أن هذا الفائض يحتكره الرأسمالى، وربما الصحيح هو أننا بعملنا الإنسانى نوفر للمجتمع فى مجموعه “فائض قيمة” يتمثل فى زيادة إمكانات هذا المجتمع على إشباع حاجات البشر بما ينتج من سلع وخدمات.

وهكذا يتضح أنه إذا كان “العمل” وما يتطلبه من “ألم” هو ما يميز البشر عن غيرهم من الكائنات، فإن مكافأتها عظيمة، وهى ان البشر ـ من دون هذه الكائنات ـ هم القادرون على صنع الحضارة. والحضارة بطبيعتها مسيرة فى سبيل التقدم، ولكن التقدم ليس له محطة وصول معروفة، بل أننا كلما خطونا خطوة أو خطوات على طريق التقدم فإننا نكتشف أبعاداً جديدة كانت خافية علينا. فالتقدم قد تكون له بداية ولكن ليست له نهاية. والتقدم بهذا الشكل هو ظاهرة بشرية إختص بها الإنسان، فالكائنات الأخرى تعيش حبيسة قيودها البيولوجية، ولكنها لا تختار طريقها، فهى تعيش بالغريزة وليس بالإختيار. أما الإنسان، فهو وإذا كان أيضاً مقيداً بظروفه البيولوجية والبيئية، فإن لديه مساحة من حرية الإختيار بالعمل والإختراع والتجريب، ثم بالعلم والمعرفة، حتى أصبح إلى حد بعيد سيد الموقف. ولكن هذه السيادة ليست منحة من الطبيعة بل هى نتيجة عمل وتجربة ونجاح وفشل. وإذا كان ثمة دروس من هذه التجربة البشرية، فيمكن إستخلاص درسين ـ على الأقل ـ الأول منها هى أن أوضاع الإنسان ليست قدراً محتوماً بل أن لديه القدرة على التغيير وتطوير هذه الأوضاع بالعمل والتجربة والخطأ. ومعنى ذلك أن “التقدم” ليس منحة من السماء بل هو نتيجة “عمل” الإنسان وإجتهاده وفشله. وأما الدرس الثانى فهو أن الكمال لله وحده، ومهما تحقق من نجاحات ستظل هناك شوائب ونقائص تحتاج إلى مزيد من التعديل والتغيير، وأنه إذا أمكن علاج بعض أوجه النقص، فإن نفس العلاج سوف يؤدى إلى ظهور مشاكل أخرى جديدة تحتاج إلى علاج جديد.

وكان المؤرخ البريطانى أرنولد توينبى قد أصدر دراسته فى التاريخ فى إثنى عشر جزءا، وهى تختصر فى مقولة أساسية وهى أن تاريخ البشرية هو تاريخ “التحدى والإستجابة”. فالبشر فى كل مكان وزمان يواجهون بمشاكل وصعوبات، يختلف نوعها وطبيعتها، ويبذلون الجهد والعرق لتحسين أحوالهم، ولكننا لن نصل أبداً إلى الفردوس على الأرض. هناك دائماً نقص وقصور وتحدى. والقدرة على الإستجابة لهذه التحديات هى ما يميز الحضارة البشرية. فهناك دائماً ما يتطلب الإصلاح والعلاج، وهو أمر لا ينبغى أن يزعجنا، فهذه هى الطبيعة البشرية وهى أكبر نعمة أنعم الله بها علينا. فنحن دائماً نتطلع إلى الأفضل ، وهناك دائماً ما هو كذلك، ولكن النجاح لا يكون بالتمنى، وإنما بالعمل والتضحية والألم. وعندما ننجح، فإن نجاحنا هو ثمرة عملنا وليس مجرد هبة من الطبيعة. هذه هى سنة الحياة. وفى العهد القديم يقول الرب لآدم “بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك”. )سفر التكوين).

 ومن حقنا أن نسعد بكل نجاح لأنه ثمرة عرقنا وجهدنا وخيالنا. فنحن نتحمل الآلام بإختيار واردة لأننا نعتقد أننا نستحق ما هو أفضل، ونحن قادرون على ذلك. وكم تصبح حياة البشر مملة إذا كان كل شئ على ما يرام وليس فى الإمكان أبدع مما كان. وكم تصبح مأساة إذا قبلنا أوضاعنا المتردية بإعتبارها قدر محتوم. فمن حقنا أن نأمل فى مستقبل أفضل، ولكن من واجبنا أن نعمل من أجل ذلك. فالآمال العراض تستحق التضحية والألم. وبدلاً من الشكوى والصياح، علينا ـ كل فرد منا ـ أن يسأل نفسه هل قام بواجبه قبل أن يسأل الآخرين. أما أن الحياة بها آلام، فهذا صحيح ولا مفر منه. والعلاج هو أن تكون لنا آمال، وأن نعمل على تحقيقها. فالألم والأمل هما معاً ما يعطى للحياة مذاقاً ومعنى. ولكن علينا أن نتذكر دائماً أن الطريق لتحقيق الآمال هو بالقدرة على تحمل الآلام. والله أعلم.    

الاهرام 2 اكتوبر 2014      

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *