عن الإرهاب في مومباي

 

“مصر واحة الأمان والاستقرار” عبارة نسمعها كثيراً على لسان المسؤولين كما نقرأها على صفحات الجرائد، حتى كادت تصبح شعاراً وطنياً. وللإنصاف فإن هذا الوصف ليس بعيداً كثيراً عن الحقيقة، ويكفي أن نقارن الأوضاع في مصر بما يحدث في عديد من دول العالم. فمازالت شوارع القاهرة بملايينها الخمسة عشر ـ أو أكثرـ مكاناً آمناً، وإن أفسدتها فوضى المرور. حقاً، لقد مرت بمصر أحداث إرهابية وحوادث تخريب في نهاية الثمانينات والتسعينات، ولكنها على أي الأحوال توقفت أو انتهت. ومضى على أخطر وآخر هذه الأفعال ـ أحداث الأقصر ـ ما يزيد على عشر سنوات. ولذلك يمكن القول بكثير من الاطمئنان أن الأمور في مصر هادئة ومستقرة مما يعطي للشعار المذكور قدراً معقولاً من المصداقية.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن التساؤل ما يلبث أن يطرح، ولماذا إذن حالة الطوارئ؟ هذا سؤال يدور في أذهان معظم المصريين وكثيراً ما يتردد على الألسنة عندما تسنح الفرصة للتعبير أو تبرز مناسبة للتصريح. ومع ذلك فلم يجد هذا التساؤل إجابة مقنعة حتى الآن، مما أدى بمعظم المصريين إلى الملل يأساً وليس رضاءًَ أو قبولاً، وإن استمرت في النفس غصة.

وحالة مصر في هذا الصدد حالة فريدة بين الأمم. فنحن نعيش منذ أكثر من ستين عاماً في ظل أوضاع استثنائية للأحكام العرفية وقوانين الطوارئ. وقد بدأت هذه الحالة منذ حوالي سبعين عاماً مع قيام الحرب العالمية الثانية 1939، عندما أعلنت الأحكام العرفية واستمرت حتى 1950، وذلك قبل أن تعود من جديد مع حريق القاهرة في 1952، وامتدت مع قيام الثورة وخلال حروبنا المتعددة مع إسرائيل، ولم ترفع إلا لفترة محدودة في نهاية حكم السادات، لتعود مرة أخرى مع اغتيال الرئيس السابق وحتى الآن. وقد وعد الرئيس مبارك برفع حالة الطوارئ بمجرد الانتهاء من وضع قانون للإرهاب. وما يزال الوضع معلقاً. وهذا الوضع الفريد لمصر يؤهلها ـ والحال كذلك ـ للدخول ضمن موسوعة جينس للأرقام القياسية، حيث يصعب أن تنافس دولة أخرى مصر في هذا المضمار.

المفروض في قوانين الطوارئ ـ كما ينبئ أسمها ـ أنها تفرض لمواجهة ظروف استثنائية قاهرة يصعب مواجهتها بالقوانين العادية. فهي إجراءات استثنائية لمواجهة أمور طارئة بمعنى أوضاع “مؤقتة”، في حين يتكفل الدستور والقانون العام بمواجهة الظروف العادية والطبيعية. وليس هناك من شك أن الظروف التي فرضت فيها هذه الأحكام كانت تبرر ذلك، سواء من قيام حرب عالمية، أو القيام بأعمال الشغب وحرق العاصمة، أو قيام حركة عسكرية لتغيير نظام الحكم، أو استمرار العمليات العسكرية مع عدو قابع على الحدود، أو اغتيال رئيس الدولة والقيام بأعمال إرهابية. كل هذا مفهوم ومقبول. ولكن التساؤل يثور حول مدى الحاجة إلى استمرارها طوال هذه الفترة، وحيث زالت الأسباب التي أدت إلى فرضها في أول الأمر.

لقد انتهت الحرب العالمية منذ أكثر من نصف قرن، وتوقفت الحروب مع إسرائيل منذ أكثر من ثلث قرن، ووقعت معاهدة للسلام معها منذ أكثر من ربع قرن. كذلك فإن العمليات الإرهابية انعدمت أو تضاءلت منذ سنوات. فلماذا تستمر حالة الطوارئ؟ حقاً لقد عرفت البلاد موجة من عمليات التخريب والإرهاب، ولكنها انحسرت إلى حد بعيد وتكاد تكون قد انتهت تماماً. وبطبيعة الأحوال، فإن القضاء الكامل والمطلق لأعمال الإرهاب أو التخريب أمر في حكم المستحيل في العصر الحديث سواء في ظل أحكام الطوارئ أو بدونها. فهذه الأعمال تقع بين الحين والآخر في معظم الدول المتقدمة والنامية على السواء. وقد واجهت الولايات المتحدة شيئاً من ذلك كما لم ينج منها دول أخرى مثل انجلترا وفرنسا واسبانيا واليابان وروسيا وتركيا وتايلاند واندونيسيا، وأخيراً الهند.

ومثال الهند له دلالة كبيرة بالنسبة لنا. فالهند، مثلنا، دولة من دول العالم الثالث، وهي تعرف مشاكل وصعوبات متعددة ومعقدة. والهند هي من أكثر دول العالم ازدحاماً بالسكان، كما أنها تعاني من تعدد في الطوائف الدينية والعرقية وحتى اللغوية. وجاءت أحداث مومباي الأخيرة لتعطي هذه الأعمال الإرهابية بعداً جديداً. فحسبما ذُكر في الأنباء يبدو أن وراء الإنفجارات الأخيرة في مومباي عناصر إسلامية متطرفة ربما جاءت من باكستان. وهذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها الهند أحداثاً طائفية بين الهندوس والمسلمين. ومشكلة الهند في هذا الخصوص بالغة التعقيد. فإذا كان المسلمون أقلية في الهند، فإن أعدادهم تقدر بمئات الملايين من البشر. ومشكلة الهند بدأت منذ استقلالها منذ سبعين عاماً، عندما انشقت باكستان عنها بسبب اختلاف الدين، وما تزال المشكلة معلقة بين البلدين وخاصة في كشمير كبؤرة ساخنة للتوتر. وهناك خوف أن يتطور الموقف إلى مواجهة بينهما.

 ورغم كل ما تقدم ومع سخونة الموقف، فإننا لم نسمع ـ حتى الآن ـ أن الهند تفكر في فرض حالة الطوارئ. ومن هنا أهمية طرح السؤال من جديد. لماذا تنجح الهند في مواجهة هذه الظروف الحرجة مع الاحتفاظ بديمقراطيتها وبالدستور والقوانين العادية، ولماذا لم تجد داعياً لفرض حالة الطوارئ؟ هل الوضع في مصر أكثر دقة وخطورة منه في الهند؟ هل اختفت الأمية في الهند في حين أنها ما تزال منتشرة في مصر؟ هل تجاهلت الهند قضية التنمية الاقتصادية في حين أننا منهمكون في تنمية الاقتصاد بحيث أن لا وقت لدينا لإعادة الحياة الدستورية الطبيعية؟ هل أجهزة الأمن عندنا أقل كفاءة ولا تتمكن من ضبط الأمن دون أحكام الطوارئ؟ أسئلة عديدة لابد وأنها تثور في أذهان المصريين.

كثيراً ما يقال أن أحكام الطوارئ في مصر لا تطبق إلا في حالات الإرهاب ومطاردة تجار المخدرات، ولذلك فإنه لا ضرر من بقاء حالة الطوارئ. فلماذا إذن الشكوى؟ هذه الإجابة لا تبدو مقنعة؟ فإذا لم يكن هناك ضرر من وجود حالة الطوارئ ـ وهو أمر مشكوك فيه ـ فإن السؤال، وأين هو النفع من ورائها؟

يتضمن الدستور وكذا القوانين العادية مجموعة من الضمانات لحقوق الأفراد وحرياتهم باعتبار أن النظام القانوني كله قائم لحماية هذه الحقوق والحريات. ولكن المشرع ـ في مصر كما في معظم دول العالم ـ وجد في بعض الظروف الاستثنائية والتي قد تهدد أمن واستقرار البلاد ما يبرر وضع بعض القيود على هذه الضمانات. فدون أمن واستقرار تصبح جميع الحقوق الحريات مهددة. ولذلك جاءت قوانين الطوارئ للتغاضي ـ مؤقتاً ـ عن بعض هذه الضمانات بفرض بعض القيود على الحريات لمصلحة الأمن والاستقرار. فالأصل هو سيادة الدستور والقوانين العادية بما تتضمنه من ضمانات للحقوق والحريات. والخروج على هذا الأصل، إنما هو استثناء مؤقت لا يمكن تأبيده. وهكذا ليس صحيحاً القول بأنه أن لا ضرر من استمرار وجود حالة الطوارئ، بل الصحيح هو أن هناك ضرراً واضحاً، وهو تعطيل العديد من الضمانات التي يكفلها الدستور والقوانين العادية للحقوق والحريات.

ونعود إلى قصة الإرهاب وتجارة المخدرات. فهل صحيح أننا نحتاج إلى قوانين الطوارئ لمواجهة هذه المخاطر ولهذه الفترة الطويلة؟

أشرنا إلى أن “الإرهاب” هو من جرائم العصر وأنه لاتكاد توجد دولة واحدة معصومة منها بشكل مطلق، وأنه ما لم تكن هناك أزمة خطيرة أو توتر حاد، كما في بلاد أخرى مثل العراق أو الصومال أو أفغانستان، فإن جميع الدول، بما فيها مصر، معرضة لحوادث متفرقة هنا أو هناك من هذا النوع. وليست مصر ـ ولله الحمد ـ في وضع أسوأ من معظم دول العالم بل لعلها أفضل. ونفس المنطق ينطبق على مطاردة تجار المخدرات. فمصر ليست كولومبيا حيث يتمتع تجار المخدرات بجيوش ومليشيات. فوضع مصر لايكاد يختلف في ذلك عن معظم الدول. ومن الطبيعي بل من الواجب أن تقوم أجهزة الأمن المصري بدورها في حماية البلاد من هذه المخاطر، كما في معظم دول العالم دون حاجة إلى فرض حالة الطوارئ، ودون حاجة إلى تعطيل العديد من الضمانات الدستورية والقانونية للحقوق الحريات.

ولكن للمشكلة وجه آخر، وهو أننا نتحدث عن حالة “مزمنة” استمرت لما يزيد على نصف قرن. ففي مثل هذه الحالة، وحتى بافتراض أن مخاطر الإرهاب والمخدرات استمرت رغم فرض حالة الطوارئ لهذه الفترة الطويلة، ألا يطرح ذلك التساؤل عما إذا كان فرض الطوارئ قد نجح في علاج مشكلة الإرهاب أو المخدرات؟ فإذا ثبت بعد أكثر من نصف قرن أن العلاج غير فعّال، أليس من الطبيعي أن نبحث عن دواء آخر؟ إذا استمر المريض في تعاطي دواء ثبتت عدم فاعليته في علاج المرض، ألا يعني ذلك أن “الدواء” قد فقد صفته كدواء ليصبح إدماناً.

ولكن استمرار قوانين الطوارئ لايعني مجرد تعطيل في ضمانات الأفراد في ممارسة حقوقهم وحرياتهم، بل أنها تمثل ـ على الأقل عند شريحة واسعة من المواطنين ـ اختباراً لمدى جدية الدعوة للإصلاح السياسي والاقتصادي. وفي وقت نعاني فيه جميعاً من حالة اللامبالاة والسلبية السياسية، فإن استمرار حالة الطوارئ لاتساعد كثيراً على دعم مشاعر الانتماء والجدية والمسؤولية.

لقد جاءت أحداث مومباي، لتذكرنا بأن الهند التي حققت خلال السنوات العشر الماضية نهضة اقتصادية ملفتة، لم تجد ما يبرر التخلي عن الديمقراطية والانتخابات النظيفة. وها هي تواجه الإرهاب، ولا أظنها سوف تتنازل عن دولة القانون. فهل نتعلم من الهند، دون أن نصبح، بالضرورة، هنوداً. الله أعلم.

الأهرام: 21/12/2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *