عن الإصلاح والمصالحة

أما وأننا نتحدث عن الإصلاح، فإن السؤال يطرح نفسه؛ هل يمكن أن يتم الإصلاح كاملاً وسليماً دون مصالحة عامة بين أبناء الأمة؟ هل يمكن أن يتحقق إصلاح فعّال وناجح في حين أن شق من الأمة – كبير أو صغير – يشعر بأنه مستعبد من المشاركة في العملية السياسية؟

التوافق ضروري ومطلوب. والتوافق لا يعني الاتفاق الكامل على كل صغيرة وكبيرة. فالاختلاف، فضلاً عن أنه طبيعي، فهو أيضاً ضروري لتقدم الأمم بإفساحه المجال لبدائل متعددة لمواجهة المشاكل. ولكن التوافق – وإن لم يتطلب هذا الاتفاق – فإنه يفترض أيضاً قبولاً للخطوط العامة لتوجهات المجتمع، وإن للجميع حقوقاً متساوية في تحديد مستقبل هذا الوطن. وإذا كانت مصر قد جلست إلى جانب إسرائيل في عملية مصالحة تاريخية لمناقشة قضية السلام بينهما، أفلا يجب – ونحن نتحدث عن الإصلاح السياسي – أن تدعي كل شرائح الأمة لعملية مصالحة كبرى؟ والمصالحة كما ذكرنا لا تعني – قطعاً – التسليم بكل ما يقوله الآخر، ولكنها لا تعني أيضاً استبعاده كلية وإسقاطه تماماً من المعادلة. المصالحة تتطلب الحوار، وحسن النية، بحيث يكون حواراً صادقاً ومنفتحاً للوصول إلى توجهات عامة مقبولة، ولو في خطوطها العامة.

والغرض من طرح هذه القضية الآن هو إعادة الحديث عن العلاقة بين الدولة وبين الاتجاهات السياسية الإسلامية. فلا يكفي إعلان أن الدين لا يتدخل في السياسة، وترك شرائح متعددة من المجتمع في الخلاء خارج اللعبة السياسية وكأنهم غير موجودين، ومواجهتهم فقط بالإجراءات الأمنية من اعتقال ومطاردة حيناً، أو التسامح معهم بتركهم يصلون إلى بعض المراكز في النقابات أو حتى المجالس النيابية مع التلويح بإمكان سحب هذا التسامح في أي وقت حيناً آخراً. سواء أحببنا أو كرهنا، فإن لهذه الاتجاهات وجوداً حقيقياً في المجتمع وفي الشارع المصري – كما العربي – وتجاهل هذه الحقيقة لا يعني اختفاءها. ومن هنا جاءت هذه الازدواجية في تعاملنا معهم ومع كل ما يتعلق بالدين. فقد يعتقل فرد أو أفراد بتهمة الانتماء إلى حزب محظور (الإخوان المسلمون) في حين تجري الانتخابات لانتخاب مرشد لهذه الجماعة ومكتب للإرشاد تحت سمع وبصر السلطات

وتعقد المؤتمرات الصحفية باسمهم جهاراً نهاراً. فكيف نعيش هذه الازدواجية؟ فالدولة لا تعترف – قانوناً – بهذه الاتجاهات، ولكنها تتعامل معها – في الواقع – باعتبارها قوة سياسية تفاوضها أحياناً، وتعتقلها أو تنكل بها أحياناً أخرى، وتساوم معها أحياناً ثالثة. وكل ذلك في إطار من عدم اليقين أو الوضوح. فلا أحد يعرف حدود أو مواقيت التسامح أو تلك المتعلقة بالتنكيل.

إن علاقة الدين بالسياسة علاقة شائكة ودقيقة وتثير كثيراً من الحساسيات في معظم دول العالم، وهي في الدول العربية– ومنها مصر – كما في معظم الدول الإسلامية أكثر حساسية من غيرها، وخاصة خلال نصف القرن المنصرم. وهنا ينبغي أن نتذكر أن وضعنا في هذا الشأن ليس فريداً، وإن كان يمثّل في اللحظة الحالية وضعاً أكثر تأزماً من غيرنا من الدول والمجتمعات. فلا أحد ينسى دور الدين في الحياة السياسية الأوروبية، والاضطهاد الديني الذي عرف في إسبانيا في القرن السادس عشر والذي استمر ما يقرب من ثلاثة قرون بدرجات متفاوتة، أو الحروب والصراعات الدينية حول المذاهب المختلفة (كاثوليك وبروتستانت) بين الدول الأوروبية (الحروب الدينية) أو حتى داخل نفس الدولة، بل أننا نرى أن الولايات المتحدة تشاهد في هذه اللحظة ارتفاعاً ملحوظاً في نبرة الحديث الديني في الخطاب السياسي. ولذلك فإن ما نواجهه في بلادنا ليس أمراً غريباً وإن كان الآن أكثر احتقاناً وأشد تأزماً ممن عداها من المجتمعات. ويرجع ذلك، إلى حد بعيد، إلى تأزم الأوضاع السياسية وصعوبة الظروف الاقتصادية مما يجعل الدين يبدو كما لو كان الخلاص من هذه الحالة البائسة.

ولكن صعوبة الحالة وتأزم الموقف يتطلب مزيداً من الخيال والجرأة والمصارحة، وليس التهرب من المواجهة وتجاهل الواقع باعتباره غير موجود، أو غير شرعي، وكأن ذلك التجاهل كافياً لإلغاء الظاهرة. لقد أخذت ظاهرة الحركات الإسلامية مظهراً تنظيمياً منذ حوالي ثمانية عقود (مع قيام جماعة الإخوان المسلمين)، وواجهتها الحكومات المختلفة بكافة إجراءات التنكيل والاضطهاد والمصادرة من سجن وتعذيب وإعدام وأحياناً القتل (اغتيال الشيخ حسن البنا بأيدي السلطة). فماذا حدث؟ لقد زادت أعداد هذه الجماعات وتجذرت في معظم المجتمعات واتجه العديد منها إلى العمل السري، واكتسبت في نظر العديدين الكثير من العطف نتيجة للتعاطف الطبيعي مع الضحية والمقهور بل وأدت هذه الإجراءات القمعية إلى تغليب الاتجاهات الأكثر تشدداً على حساب العناصر الأكثر اعتدالاً وواقعية.

لا جدال في أن خلط – وأؤكد هنا على لفظ “خلط” – الدين بالسياسة يؤدي إلى إفساد كل من الدين والسياسة. فهناك خطر كبير في أن يؤدي هذا “الخلط” إلى أن يضفي أحد التيارات السياسية على اختياراته السياسية قدسية خاصة وذلك باسم الدين وبما يحول دون المناقشة والحوار. وقد عرف الإسلام شيئاً من ذلك في عصوره الأولى، وحيث أصبح الالتجاء إلى الأحاديث النبوية المكذوبة والمدسوسة أحد وسائل الصراع السياسي، حتى أن كلاً من مسلم والبخاري راجعا أكثر من ستمائة ألف حديث منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وانتهيا إلى ما لا يجاوز أربعة آلاف حديث مقبول لديهما. فاستخدام الدين لأغراض السياسة قديم وليس ابن اليوم. والحوار السياسي يدور غالباً حول قضايا دنيوية تختلف فيها المصالح والمسارات، ولا يجوز لأحد أن يرجح مساراً أو مصلحة بالاستناد إلى قدسية ينسبها إلى الدين. ومن هنا فقد جاءت الأديان عادة في شكل قواعد أخلاقية عامة، وكانت أحكامها – في معظم الأحوال – بشكل مجمل مما يحتاج إلى تفصيل، كما أنه يمكن أن يخضع لتفسيرات وتأويلات متعددة. فالقرآن – كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه – حمال أوجه. وفي هذه التفصيلات أو التأويلات والتفسيرات لا يجوز أن يدعي أحد – وهو بشر – قدسية لما يقوله بإسناده إلى العلي القدير. وإذا أضفنا إلى ذلك أن هناك مصالح فئوية – خاصة من رجال الدين – الذين يرون في خلط الدين بالسياسة إضفاء لمزيد من السلطة والجاه عليهم. فقد كان رجال الدين في أوروبا في العصور الوسطى هم أيضاً رجال السياسة والحكم (ريشيلو ومازارين في فرنسا مثلاً) وهم يشرفون الآن على مختلف مناحي الحياة في إيران بما في ذلك القضايا الفنية (الإشراف على البرنامج النووي الإيراني). وهكذا فإن خلط الدين بالسياسة خطر داهم لأنه يعطي لفرد أو مجموعة من الأفراد قدسية – باسم الدين – لما يقولون، وبالتالي ينعدم الحوار والمناقشة الحرة السليمة. ويصدق هذا على جميع الأديان بلا استثناء؛ اليهودية، والمسيحية والإسلام. السياسة أمر بشري ودنيوي وهي تتطلب الحوار والمناقشة والأخذ والرد بين أفراد من مستوى البشر بلا قدسية أو ادعاء باسم الدين.

ولكن هل يكفي إعلان هذا “المبدأ” بعدم خلط السياسة بالدين حتى تحل المشاكل؟ يجب الاعتراف بأن هناك تيارات سياسية هامة لا توافق تماماً على هذا “المبدأ”، وتعتقد أن هذه الفكرة هي في جوهرها مستوردة من الخارج، وأنها في حقيقتها قد تكون، في أحسن الأحوال، قوله حق يراد بها باطل. فالغرض منها – هكذا يفكر البعض – ليس هو الحرص على نقاء الدين وعدم استغلاله لاعتبارات سياسية، وإنما الغرض هو استبعاد تيار شعبي من ممارسة حقوقه السياسية أو حتى الرغبة في القضاء على الهوية الإسلامية للمجتمع العربي.

وهكذا نجد أنفسنا أمام وجهتي نظر متعارضتين. الأولى ترى أنه دون الفصل بين الدين والسياسة فإن أمور المجتمع وإدارة شئون وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم قد تتعرض للإهدار. وفي مواجهة هذا الرأي تقوم دعوات أخرى تؤكد أن لا أحد يحتكر الحديث باسم الدين، ولكن لكل دين أخلاقياته ومبادئه وأن كل مجتمع يجب أن يحرص على حماية هذه الأخلاقيات والمبادئ وأن يستوحي بها. ولذلك فإن التيارات السياسية الإسلامية لا تريد أن يكون الحكم في شكل دولة ثيوقراطية تحكم باسم الدين، وإنما فقط أن تستوحي المبادئ الإسلامية كمرجعية عامة لا أكثر ولا أقل.

من الواضح أن هناك تعارض في الرؤية. إذن ما العمل؟

استخدمت خلال نصف القرن الماضي سياسة استبعاد التيار السياسي الإسلامي من المشاركة الحقيقية في الحياة السياسية، باستخدام القمع غالباً، وبالتسامح أحياناً بقبول القيام ببعض الأنشطة تحت الرقابة المستمرة مع التهديد بالعودة إلى القمع. وفي أحسن الأحوال يجري الحوار – إذا رؤى تهدأة الأمور – بين هذا التيار وبين الدولة ممثلة في أجهزتها الأمنية، باعتبارها قضية أمن واستقرار للنظام، وليست باعتبارها قضية سياسية لتنظيم المشاركة السياسية لأبناء هذا البلد في أمور بلدهم. فماذا كانت النتيجة؟ ازداد الاحتقان، وتضخم حجم التيارات الإسلامية، كما تعددت الفرق ذات التوجه المتشدد وأحياناً المتطرف. وفي نفس الوقت أدت هذه الحالة المضطربة إلى رهن البلد كلها في ظل قوانين استثنائية، بمقولة أن الأمن مهدد من هذه الجماعات المتطرفة. فحتى بافتراض وجود مثل هذه الجماعات، فإن العقاب – ممثلاً في القوانين الاستثنائية وضمور الحريات بشكل عام – هو عقاب جماعي للمجتمع في مجموعه وبما يشمل جميع أفراد الشعب، المتطرف منهم والمعتدل. وقد ترتب على ذلك ضمور شديد للحياة السياسية أدى إلى حالة من الركود والجمود والكآبة أيضاً.

لذلك فإنني أتساءل، ونحن نتحدث عن الإصلاح، ألم يحن الوقت للمصالحة أيضاً، بفتح حوار جاد وصادق مع التيارات الإسلامية لإدماجها في الحياة السياسية، وبما لا يتعارض مع احترام قواعد الديمقراطية في تداول السلطة واحترام الحقوق والحريات الفردية دون أي مساس. لقد جربنا القمع دون نجاح يذكر، فهل نفتح باب المصالحة؟ الحوار يفتح أبواباً كثيرة للاعتدال والعقلانية.   والله أعلم

الأهرام: 22.5.2005

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *