عن الإقتصاد الإسلامى

 

هل هناك إقتصاد إسلامى؟ وما هى معالمه الأساسية؟ هذا سؤال كبير، ولن تكون الإجابة عليه سهلة. ومن الممكن، بل من الطبيعى، أن تختلف الإجابة على هذا السؤال بحسب تخصص الكاتب، والزاوية التى ينظر من خلالها إلى المشكلة. فإجابة المتفقه فى العلوم الشرعية قد تختلف عن رؤية الباحث فى التاريخ السياسى مثلاً. وكل منهما يمكن أن يقدم رؤية مفيدة من خلال منظوره المهنى وفقاً لأدواته العلمية وخبرته العملية. وغنى عن البيان أن ما أحاول أن أقدمه فى هذه المقالة القصيرة سيكون من خلال نظرة إقتصادى إكتسب خبرته العلمية فى إطار المفاهيم النظرية التى إستقرت لدى الإقتصاديين. وسوف يكون من المصلحة أن نستكمل هذه الرؤية بآراء أخرى من أصحاب تخصصات أخرى لا تقل أهمية. كذلك فإن موضوعاً خطيراً مثل هذا، لا يكفى فيه مقال فى صحيفة يومية، والأمر يتطلب مجالاً أرحب. ومع ذلك، فإنه نظراً لأهمية هذه القضية فى الوقت الحالى، فلا بأس من بعض الملاحظات العامة من وجهة “نظر إقتصادى”. كذلك آمل، ولا أتوقع، أن تكون التعليقات موضوعية ولا تتعرض للتكفير أو الجهل، وأن تعتمد على الوقائع المحددة والمنطق السليم.

وأبدأ بالقول بأن العلوم الإجتماعية، وبوجه خاص علم الإقتصاد، لا يتناول حقائق طبيعية كما هو الحال فى العلوم الطبيعية مثل الفيزياء أو الكيمياء والبيولوجيا والتى تتعلق بظواهر طبيعية لا تختلف من عصر إلى عصر، بل هى حقائق ثابتة خاضعة لقوانين طبيعية لا تتغير. وليس الأمر كذلك مع الإقتصاد، فهو علم إجتماعى يتأثر بما لحق المجتمعات البشرية من تطور خاصة من ناحية الفن الإنتاجى السائد وشكل التكنولوجيا المستخدمة ووسائل الإتصال، وكذا التطور السكانى ومدى كثافته وإنتشاره.

وإذا كان “علم الإقتصاد” يتناول كيفية تدبير الناس لمعاشهم من حيث الإنتاج ووسائله وكيفية توزيعه، فمن الطبيعى أن نتوقع أن يتطور هذا العلم مع تطورهذه الأساليب الإنتاجية. فمفهوم “علم الإقتصاد” فى مجتمع بدائى يعتمد على اللقط والقنص يختلف عنه فى مجتمع رعوى يعيش على الرعى والتنقل عبر مساحات شاسعة بحثاً عن الكلأ. وهذا يختلف بدوره عن مجتمع زراعى مستقر، وبالتالى ظهور مفهوم الملكية العقارية وإستخدام طاقة الحيوان للقيام بأعمال الحرث والنقل. وفى كل هذا إستعان الإنسان بطاقات الرياح والأنهار والحيوان لتسهيل عمليات النقل ورفع المياة، كما صاحبها فى جميع تلك المجتمعات تسخير الإنسان نفسه فى شكل عبيد من الأعداء أو لغيرهم للقيام بالأعمال الصعبة التى تتطلب سخرة. وكل هذا تغير بعد ظهور الصناعة وإكتشاف طاقة التجار مع الفحم والكهرباء مع المساقط المائية ثم البترول والغاز والطاقة النووية وغيرها. وفى هذا إنتقلت البشرية إلى مرحلة جديدة من التطور وصاحبها أشكال إقتصادية غير معروفة مسبقاً، من ظهور طبقة العمل وتعدد المدن وتطورها، وتراجع أهمية الزراعة.

ومنذ “الثورة الصناعية” إنقلبت الأحوال وتغيرت طبيعة الإقتصاد وظهرت أمور جديدة لم تكن معروفة سابقاً أو تطورت وتعمقت على نحو غير مألوف فى السابق. وليس من السهل تلخيص أهم هذه التغيرات فى عبارات موجزة. وإكتفى بالإشارة إلى بعض أهم هذه المظاهر الجديدة. ولعل أهم هذه المظاهر هو أن المجتمعات الصناعية تعيش على “التغيير” المستمر فى شكل أدوات الإنتاج كما فى الأذواق. وذلك بعكس المجتمعات التقليدية السابقة التى كانت تعيش فى ظل أوضاع مستقرة رتيبة تكاد لا تتغير لآلاف السنين. فأسلوب حياة الفلاح المصرى فى ظل الحضارة الفرعونية لا يكاد أن تغير بين الأسرات القديمة والأسرات الحديثة، بل لعله قد تراجع فيما بين خوفو ومنقرع بالمقارنة بالأسرات الحاكمة الحديثة بعد ألفى عام. كذلك فعلى حين أن عنصر “العمل” كان العنصر الحاسم فى الإنتاج وفى التقدم الإقتصادى، فإذا بنا نعيش فى عصر الصناعة والعنصر الحاكم للتقدم هو رأس المال الإنتاجى من آلات وأدوات وبالتالى من تقدم فى التكنولوجيا. وقد إستتبع ذلك أن ظهرت أهمية “التكوين الرأسمالى” بمعنى الإستثمار فى بناء قاعدة إنتاجية متقدمة بناء على آخر تطورات التكنولوجيا المتاحة. وقد ترتب على ذلك أن إحتل موضوع “الإستثمار” مركز الصدارة فى تقدم الأمم. ومع زيادة الحاجة إلى الإستثمار وتعاظم القيم المطلوبة لتوفير الإستثمارات المرغوب فيها وإستحالة أن يوفرها شخص أو أشخاص قليلين، كان من الطبيعى أن يقوم بتدبير “المدخرات” عدد هائل من المواطنين لكى تتجمع هذه المدخرات من أجل توظيفها فى عدد محدود من المشروعات العملاقة. وهكذا تميزت المجتمعات الحديثة، بظهور أعداد كبيرة من صغار ومتوسطى المدخرين، والذين يوفرون المدخرات للإستثمارات الكبرى. وظهرت “الأسواق المالية” التى توفر أدوات مالية من أسهم وسندات وأوراق تجارية وخيارات وغيرها من الأدوات المالية والتى تسمح بتجميع هذه المدخرات الهائلة ووضعها تحت تصرف المستثمرين فى شكل شركات مساهمة أو صناديق أو غير ذلك من المؤسسات المالية. وهكذا، فإن التقدم المزهل الذى ولد مع قيام “الثورة الصناعية”، لم يكن ممكناً دون ثورة إقتصادية أخرى فى شكل “ثورة مالية” بظهور الأسواق المالية وما تتضمنه من أدوات مالية متعددة للإستجابة لإحتياجات —— المدخرين الواسع والمتنوع من ناحية، وبما يناسب متطلبات الإستثمار وتمكينهم من إستقلال هذه المدخرات بكفاءة عالية من ناحية أخرى. وبذلك يتضح أن الحديث عن “الإقتصاد” ليس حديثاُ مجدداً فى المطلق، وإنما يتعلق بمرحلة التطور التاريخى وخاصة من حيث شكل التكنولوجيا السائدة ومتطلباتها. فالإقتصاد فى مرحلة الرعى غيره فى ظل الحضارات الزراعية القديمة، وهذا بدوره يختلف عن متطلبات فى ظل الثورة الصناعية الأولى، وقطعاً فى إطار الثورة الصناعية الجديدة سواء فى ميدان المعلومات والإتصالات.

وهنا نعود إلى تساؤلنا المبدئى، هل هناك إقتصاد إسلامى؟ وهل ما عرف من ترتيبات إقتصاديةفى ظل الدولة الإسلامية والتى إستمرت منذ القرن السابع وإزدهرت منذ القرن التاسع تسيدت العالم، وبدأت فى التراجع منذ القرن الثالث عشر مع سقوط بغداد، وإستعادت بعض عافيتها، ورغم سقوط الأندلس، منذ القرن السادس عشر مع الدولة العثمانية والتى تراجعت بعد ذلك بقرنين.

الحديث عن الإقتصاد يتطلب الإشارة إلى جانبين أساسيين. هناك جانب مبدئى أو أخلاقى يمثل البنية الأساسية للنشاط الإقتصادى من حيث بواعث النشاط والهدف والقيم التى تحكمه. ولكن هناك جانب فنى يمثل الأدوات والمؤسسات اللازمة للنشاط الإقتصادى.

فأما عن الجانب الأخلاقى للنشاط الإقتصادى فإننا نرى أن تعاليم الإسلام تدعو إلى كافة المبادىء الضرورية للنجاح الإقتصادى، وفى مقدمتها إعلاء قيمة العمل، وأهمية الصدق والأمانة فى المعاملات والوفاء بالعهود وضرورة كتابة وتوثيق المعاملات. وقد ولد الإسلام فى بيئة للتجار، وعمل الرسول، عليه السلام، بالتجارة، وكانت زوجته ـ خديجة ـ تعمل بدورها بالتجارة مما يوضح إلى أى حد يعترف الإسلام بالتجارة ـ التى فيها تسعة أعشار الرزق ـ بل يقوم بها أشرف الناس. كذلك فإن الإسلام يعلى من قيمة العمل الدنيوى ولا يرى تعارضاً بينه وبين العمل الآخر. أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، ولآخرتك كأنك تموت غداً. وكان معظم الصحابة يعملون أيضاً بالتجارة التى هى صلب العمل الإقتصادى. وكان الخلفاء على فهم ووعى كامل بتطور الأزمان، وأن ما يصلح لوقت قد لا يصلح لوقت آخر. ومن المعروف عن الخليفة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أنه أوقف صرف سهم “للمؤلفة قلوبهم” رغم ما ورد من نص قرآنى عن سهم لهم. ورأى عمر أن الإسلام وقد قويت شكوته وإشتد عوده لم يعد بحاجة إلى مجاملتهم. كذلك فإن عمر نفسه خرج على المألوف من سنة الرسول، عليه السلام، فى توزيع غنائم الحرب على المحاربين عند فرصة “الخراج” على أرض العراق بعد فتحها تعزيزاً لدولة الإسلام، وكرر نفس الشىء مع فتح مصر.

وإذا كانت مبادىء وقيم الإسلام تساعد على دعم أى نظام إقتصادى ناجح، فهل تجربة الدولة الإسلامية تتضمن من الأدوات والأساليب التى تسمح بالتعامل مع التطورات الإقتصادية المعاصرة؟ رأينا أن أهم ما يميز الإقتصاد المعاصر هو نتيجة للثورة الصناعية وما إرتبط من تقدم مستمر فى التقدم التكنولوجى، وهى ظاهرة حديثة بدأت منذ منتصف القرن الثامن عشر. كذلك فإن الثورة المالية وما نشأ عنها من أدوات ومؤسسات مالية لا غنى عنها لأى إقتصاد حديث هى أيضاً ظاهرة حديثة ليست لها سوابق تاريخية وإزدهرت منذ القرن التاسع عشر وعرفت إنطلاقة هائلة خلال القرن الماضى. فليس فى التاريخ الإسلامى ما يسمح بتوفير سوابق تاريخية عن التعامل مع الأسواق المالية أو السياسات النقدية، أو مع أهم مظاهر الإستثمار الحديث. هذه كلها ظواهر حديثة لم تعرف إلا خلال الفترة المعاصرة. وكما أنه من العبث أن يحاول قائد الطائرة أن يبحث عن سوابق إسلامية فى قيادة الطائرات، فلا يقل عبثاً أن يحاول سياسى أن يجد حلولاً لمشاكل الأسواق المالية أو السياسية النقدية فى كتب الفقه. والله اعلم

الاهرام 31 ديسمبر 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *