عن الانحياز الأمريكي لإسرائيل

ربما تكون بريطانيا هي التي أعطت الصهيونية أهم دفعة لتتحول من مجرد واحد من الأحلام إلى حركة سياسية عندما أعلنت وعد بلفور عام 1917 بالاعتراف بحق اليهود في وطن قومي في فلسطين. وربما تكون روسيا وعدد من دول المنظومة الاشتراكية السابقة وخاصة بولندا وأوكرانيا هي التي زودت إسرائيل بمعظم سكانها من الوافدين من تلك الدول. ولكن لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة التي أقامت هذه الدولة وتعهدتها بالحماية منذ قرار الرئيس ترومان
– على عكس رأي مستشاريه في وزارات الخارجية والدفاع – بالاعتراف بدولة إسرائيل عام 1947، ثم مواقفها التالية وخاصة بعد عام 1967 والتي جعلت من الولايات المتحدة الشريك الاستراتيجي لضمان وجود دولة إسرائيل وتفوقها على جيرانها مجتمعين. ومن هنا التساؤل الدائم في جميع الأوساط خارج الولايات المتحدة الأمريكية، لماذا هذه المساندة غير المشروطة من جانب الولايات المتحدة لإسرائيل في جميع المواقف وتحت مختلف الظروف رغم المصالح الكبرى للولايات المتحدة مع الدول العربية؟

قيل في هذا الصدد هناك نفوذ اللوبي اليهودي وسيطرته على مراكز اتخاذ القرار السياسي على مختلف المستويات؛ الانتخابات المحلية، انتخابات الكونجرس، انتخابات الرئاسة. وقيل أيضاً هناك سيطرة المصالح اليهودية على الإعلام وبالتالي التأثير على تشكيل الرأي العام. وهناك حديث عن المصالح اليهودية في البنوك وعالم المال، والكل يعرف مدى تأثير المال على سلوك الأفراد والجماعات. وظهرت في الآونة الأخيرة موجة من التفسيرات تشير إلى ظهور التيارات الدينية المحافظة سواء من الطوائف البروستنتينية أو حتى المسيحية الصهيونية التي تتشبث بالعهد القديم وترى أن عودة اليهود إلى أرض فلسطين هي وعد إلهي، وهو مقدمة للعودة الثانية للسيد المسيح. ولست أشك أن كل هذه التفسيرات صحيح ويقدم جزءاً من الحقيقة عن أساس هذا التأييد المطلق وشبه غير المشروط من جانب الولايات المتحدة الأمريكية لدولة إسرائيل. ولكني أعتقد أن هذه العوامل – رغم أهميتها – لا تكفي لتفسير هذا التأييد السافر من الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل، بل هناك فوق ذلك اعتبارات من التاريخ الأمريكي نفسه مما يجعل المواطن الأمريكي العادي يشعر بقدر كبير من التعاطف مع الإسرائيليين وأحياناً التمثل به والتوحد معه. ليس الغرض من هذا الحديث تبرير الموقف الأمريكي، وإنما هو محاولة للتفسير.

كيف يمكن لشعب كبير مثل الولايات المتحدة الأمريكية أن ينساق كلية وراء المصالح الإسرائيلية حتى وإن تعارضت مع مصالح جوهرية أخرى له أو تناقضت مع مبادئ طالما آمن بها الشعب الأمريكي. لا يكفي القول بأن الشعب الأمريكي مغلوب على أمره تحركه المصالح اليهودية أو تسيره بعض العقائد الدينية بل لا بد وأن يكون هناك شيء أكثر عمقاً يربط المواطن الأمريكي العادي بدولة إسرائيل. وعلينا – أحببنا ذلك أو كرهناه – أن ندرك هذا الشيء، فهذا أول الطريق لمعرفة كيفية التعامل مع الغير. والنقطة التي أود أن أؤكد عليها في هذا المقال هي أنه بالنسبة لعدد كبير من المواطنين الأمريكيين العاديين، فإن تجربة إسرائيل وخاصة المستوطنات الإسرائيلية هي تكرار أو استنساخ لتجربة أمريكا ذاتها في القرنين السابع عشر والثامن عشر. فما يراه الأمريكي مما يحدث على أرض فلسطين هو تذكير له بما فعله أجداده منذ قرنين أو ثلاثة عندما جاءوا إلى “أرض الميعاد” لإقامة “مدينة على التل” “A city on a hill”.

هناك العديد من الأساليب لقراءة تاريخ أمريكا. فهو من ناحية تاريخ القوى الاستعمارية المتنافسة بين إسبانيا والبرتغال، إلى هولندا وإنجلترا، إلى إنجلترا وفرنسا، ولكنه أيضاً تاريخ نمو التجارة من المواد الأولية من الدخان إلى القطن إلى السكر. وهو ثالثاً تاريخ المغامرين الذين يبحثون عن فرص للكسب والثراء. ولكن يبدو أن الصورة الغالبة في ضمير معظم الأمريكيين هي أن هذا التاريخ هو أول تجربة إنسانية لإقامة مجتمع جديد، مجتمع قائم على الفضيلة والعدل والمساواة. ولعل نموذج ركاب أو حجاج السفينة ماي فلاور عام (1620) وما وضعوه من عهد عن شكل المجتمع الجديد في أمريكا بعد نزولهم إلى البر – هو ما يمثل – في ذهن الأمريكي العادي – تاريخ بلاده. إنه تاريخ “تحقيق حلم”.

فالولايات المتحدة – من هذا المنظور – هي تحقيق “لحلم” البيورتان من الإنجلوسكون الذين أرادوا التخلص من “المجتمع القديم” في أوروبا وإنشاء “مجتمع جديد”. وهو مجتمع قائم على حرية الأفراد في الاعتقاد، وفي تكوين الجمعيات، وفي إدارة شؤونهم. وهذا المجتمع الحر الجديد ليس مجرد مجتمع سياسي، بل إنه يأتي بإلهام من الله، فهم “شعب الله المختار” الجديد، ولذلك فإن ما يقيمونه على الأرض الأمريكية الجديدة ليس بناء دولة جديدة بل هو بعث ” لأورشليم الجديدة”. وفي هذا المجتمع الجديد كانت قيم “العمل” و”النجاح” الموروثة من “الكالفنية” هي قواعد السلوك المطلوبة. وعندما واجه المستعمرون أو المستوطنون الجدد عقبات الطبيعة من برد وشتاء قارس وغابات فقد كانت تجربة مطلوبة لإثبات قدراتهم على العمل. ولكن عندما واجهوا أهل البلاد الأصليين من الهنود الحمر، واجهتهم مشكلة ضميرية، كيف يتعاملون مع هؤلاء؟ هل هم من البشر لهم ما للبشر من حقوق وواجبات، أم أنهم يخرجون عن تعريف البشر، بل وليس لهم روح، وبالتالي فإنه لا يحق لهم الاستفادة من العهود والمواثيق التي اتفقوا عليها لإقامة المجتمع الجديد. وقد ساد في ذلك الوقت الرأي الغالب بأن هؤلاء السكان الأصليون من أهل البلاد لم يصلوا بعد إلى مستوى البشر وبالتالي فلا حقوق لهم. وكان أن عومل أهل البلد الأصليين معاملة وحشية ودون أن يترتب على ذلك تأنيب ضمير. أليس هؤلاء من دون البشر، وبالتالي فلا غضاضة من القضاء عليهم بكل الوسائل ولا بأس من إذلالهم بل والكذب عليهم. فالفضيلة غير مطلوبة إلا عند التعامل مع البشر، أي أبناء الجنس الأبيض، ويا حبذا لو كانوا من أصل أنجلوسكوني. أما ما عدا ذلك، فكل شيء مباح. وجاءت معظم هذه التبريرات من رجال الدين أنفسهم. ويستمر التاريخ الأمريكي محققاً الحلم الأمريكي في النجاح، فتتوسع المستعمرات وتتجه غرباً وجنوباً. وتتأكد العقيدة بأن النجاح يتطلب التوسع حيث لا توقفه عقبات أو حدود. وعندما تحقق الاستقلال الأمريكي في عام 1776 فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة غير معرفة الحدود. وساعد ذلك على توسعها في القرن التالي بابتلاع أراضي شاسعة في الجنوب وفي الغرب كما في أقصى الشمال (ألسكا).

هذا باختصار هو التاريخ الأمريكي كما يبدو للمواطن العادي. فهي دولة بناها عدد من المستوطنين الذين جاءوا “بحلم” ليحققوا على الأرض “وعداً من السماء”، فهم في الحقيقة “شعب الله المختار” لتحقيق وعده على “أرض الميعاد” بإقامة “المجتمع الجديد”، “مجتمع الديمقراطية والحرية والمساواة”، وحيث “العمل” هو القيمة الحقيقية. أما “السكان الأصليين” فمن المشكوك فيه أنهم وصلوا إلى مرتبة البشر، ولذلك فلا بأس من معاملتهم بقسوة بل وربما إزالتهم، فهم عقبة في سبيل التقدم.

إذا كان هذا هو مضمون التاريخ الأمريكي بالنسبة للمواطن العادي. فكيف يكون موقفه النفسي عما يراه أو يسمعه عن الأحداث الجارية في فلسطين. القضية أن شعباً من المهاجرين من بولندا وروسيا وألمانيا يريدون أن يبنوا وطناً في بلد غريب. وهم يرغبون في ذلك تحقيقاً “لحلم” وتنفيذاً “لوعد إلهي” للعودة إلى أرض “الميعاد”. ومن المهم أن تلاحظ المصطلحات المستخدمة، وكلها استعادة للتاريخ الأمريكي نفسه. وماذا في ذلك؟ ألم يفعل أباؤنا وأجدادنا من المهاجرين الأوائل إلى هذه الأرض هذا الشيء بالذات. فهل كان ذلك خطيئة، وبالتالي فإن وجودنا نحن الآن مشكوك في شرعيته! هراء. لقد كانت دعوة إلهية، وقد ترتب عليها أكبر نجاح عرفته البشرية، بقيام الولايات المتحدة بقوتها المادية والروحية. هكذا يفكر الأمريكي العادي. ثم ماذا؟ يبني المستوطنون مستوطناتهم على أرض الغير؟ وماذا في ذلك، ألم يفعل آباؤنا وأجدادنا ذلك بالضبط. وهل نندم على بناء نيويورك الحالية أو بوسطن أو شيكاغو أم كنا نفضل عليها قرى وأكواخ الهنود الحمر. ثم أنظر إلى أية مستعمرة أو مستوطنة إسرائيلية وقارنها بالقرى العربية المجاورة. المستعمرة أو المستوطنة نظيفة، بيوتها جميلة المظهر، الشوارع نظيفة، هناك ملاعب للأطفال، هناك ملاجئ للشيوخ، هناك غالباً كونسرتو للموسيقى، ودائماً مكتبة عامة. وانظر إلى الجانب الآخر، هناك ازدحام بؤس وفقر وقذارة أيضا.ً وليس هذا فقط، في الجانب الأول هناك حرية وديمقراطية ومشاركة ومعارضة، ولكن على الجانب الآخر هناك استبداد وفساد. طبعاً لا أحد يتساءل عن أسباب هذا أو ذاك، فيكفي ما يراه دون الحاجة إلى الغوص فيما وراء ذلك من أسباب. وماذا أيضاً؟ إن حرية الإسرائيليين قاصرة عليهم ولم يمنعهم ذلك من البطش والقتل والتشريد للعرب الفلسطينيين. وماذا في ذلك؟ هل كان آباؤنا يشركون الهنود الحمر – ثم الزنوج الآفارقة من بعدهم – في حياتهم السياسية، وهل منع ذلك من أننا – في أمريكا – نعرف أفضل النُظم الديمقراطية وأكثرها احتراماً للحريات. وماذا أيضاً؟ إسرائيل بلا حدود، وتتوسع كل يوم لابتلاع أراضي جديدة من دول الجوار. وما الغريب في ذلك، ألم تستمر الولايات المتحدة بلا حدود رسمية لأكثر من قرن بعد استقلالها، ألم يساعدها ذلك على ضم تكساس وأجزاء من كاليفورنيا وشراء لويزيانا وألسكا. هذا أمر طبيعي نعرفه في تاريخنا الوطني ولا عيب فيه.

وهكذا نجد أن المواطن الأمريكي وبصرف النظر عن اللوبي اليهودي والسيطرة على المال والإعلام، وبصرف النظر عن الاتجاهات الدينية الجديدة – هذا المواطن يجد في التجربة الإسرائيلية ما يذكره بتاريخ أجداده، فلا يجد غضاضة من التعاطف مع هذه التجربة.

ولكن هناك شيء آخر وهو أن “الحلم الأمريكي” قائم بالدرجة الأولى على “النجاح”، فكل شيء ناجح هو صحيح وربما أخلاقي أيضاً، وكل شيء فاشل هو غير صحيح وقد يكون غير أخلاقي كذلك. ولذلك فلعل أكبر سبب للتأييد الأمريكي لإسرائيل يعود إلى “النجاح” الإسرائيلي “والفشل العربي”. فقد ظل المشروع الإسرائيلي مشروعاً مشكوكاً فيه حتى حرب 1967، وعندها –فقط- تراجع المتشككون في سلامة هذا المشروع، واعتقدوا في سلامته وجدواه. ولذلك فليس غريباً أن الموقف الأمريكي – ورغم تأييده لإسرائيل منذ ولادتها – إلا أنه تغير تغيراً نوعياً بعد عام 1967 لكي يصبح تأييداً معلناً بلا تحفظ. فحتى عام 1967 كانت أمريكا ملتزمة بالاتفاق الثلاثي بين انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة بعدم تسليح الدول المتحاربة، ولذلك لجأت إلى ألمانيا في عام 1964 لتزويد إسرائيل بصفقة أسلحة. أما بعد عام 1967 فقد أصبح انحياز أمريكا لإسرائيل مطلقاً. وأحد أسباب هذا التحول هو “النجاح الإسرائيلي” في حرب عام 1967 وفشل العرب المهين في تلك الحرب. ولم يقتصر الفشل العربي على استعادة الأراضي السليبة بل ظهر في معظم جوانب حياتهم: اقتصادياً وسياسياً. النجاح وحده يجذب التأييد ويضمن الاحترام. فلا أحد ينحاز للفاشلين وإن كانوا على حق، ربما فقط على سبيل الصدقة. والصدقات حظها في السياسة قليل.

هذه بعض أسباب الانحياز الأمريكي لإسرائيل وهي ليست محاولة تبرير هذا الانحياز، بل هي محاولة للفهم والتفسير وذلك حتى لا نقع في أوهام لا محل لها. والله أعلم.

 الاهرام: 19.12.2004

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *