عن التطور الثقافى

التطور هو سنة الحياة، فلا شيء يبقى على حاله. فالمجتمعات تتغير وتتطور في علاقاتها مع أفرادها ومع المجتمعات الأُخرى، والفكر البشري يتطور معها، أو بالأحرى يطورها. فالإنسان هو محرك التطور والتغير كما أنه موضوعه. والمجتمع المعاصر لما بعد الحداثة ليس هو المجتمع الصناعي التقليدي الذي جاء مع الثورة الصناعية. وجاء هذا المجتمع الصناعي مختلفاً عن المجتمع الزراعي السابق والذي كان الأساس في ظهور الحضارات الأُولى.

وكثيراً ما كان يقال أن أهم ثورتين في حياة البشرية كانتا الثورة الزراعية قبل حوالي عشرة آلاف سنة ثم الثورة الصناعية منذ أقل من ثلاثمائة سنة. فالثورة الزراعية بدأت في مكان ما من الشرق الأوسط، ربما في جنوب تركيا أو على حدود بحر قزوين، أو في بلاد الرافدين، وهناك من يعتقد أنها بدأت في مصر القديمة. ومع هذه الثورة الاقتصادية الأُولى لم يعد الإنسان عبداً للطبيعة يقتات بما تفيء به عليه بما يلتقطه من ثمار أو ما يقتنصه صيد، بل أصبح الإنسان مع الزراعة، شريكاً للطبيعة، فهو يمهد الأرض ويبذر البذور ويوالي الزراعة بالحرث والري وأخيراً الحصاد. ومعها بدأ الإنسان يستقر في موقعه مما أدى إلى نشأة المدن، وبدأ تقسيم العمل بين الرجال والإناث، وظهرت السلطة كما صاحبها العديد من المعتقدات الدينية. وهكذا بدأت الحضارات الكبرى في مصر الفرعونية كما في بابل وبلاد الشام ثم الحضارة الإغريقية والفارسية وبعدهما الرومانية. وظهر الإسلام في الجزيرة العربية في بيئة للتجار، فقامت حضارة هائلة، بعد أن أسقطت الدولة الفارسية وقلصت من حدود الدولة الرومانية ثم تسيدت العالم حتى منتصف القرن السابع عشر. وبدأ انتقال مركز الثقل إلى أُوروبا منذ هذا التاريخ بعد نهاية عصر النهضة ومع بداية عصر التنوير في أُوروبا، وذلك قبل أن تنفجر الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر في انجلترا ثم فرنسا ومن بعدهما مختلف الدول الأُوربية ثم أمريكا.

ومع الثورة الصناعية عرفت البشرية قفزة نوعية جديدة لم يعد معها الإنسان خاضعاً تماماً للطبيعة كما في المجتمعات البدائية، ولا حتى شريكاً معها كما في المجتمعات الزراعية، بل أصبح أو كاد أن يصبح سيداً للطبيعة، يخضعها ويشكلها وفقاً لمعارفه العلمية. وها نحن ندخل في مرحلة ما بعد الصناعة مع ثورة المعلومات، وحيث لم تعد الصناعة إضافة إلى قوى الإنسان العضلية، بل أصبحت التكنولوجيا الحديثة إضافة إلى إمكانياته العقلية. وتنوعت اهتمامات الإنسان، وكان اختراع الماكروسكوب والميكروسكوب رمزاً لاهتمام الإنسان المعاصر بالآفاق الكونية على اتساعها من ناحية، والخوض في أكثر أجزائها صغراً من ناحية أُخرى. وتعددت اهتمامات الإنسان من أبحاث الفضاء إلى تكنولوجيا النانو، فنزل الإنسان على القمر وأرسل المركبات الفضائية للإبحار في الفضاء في نفس الوقت الذي انغمس في أصغر مكونات المادة وأجزائها للبحث عن أسرارها.

وإزاء هذا المشهد المبهر لم يكن غريباً أن يصبح موضوع “التطور” هو أحد أبرز اهتمامات المفكرين خلال القرنين الماضين. فالإنسان كائن متطور كما أن العالم، بل والكون نفسه، في تطور مستمر، وبالتالي فلا بد وأن نتساءل عن الفكر البشري وهل يعرف هو الآخر تطوراً مماثلاً. فماذا عن التطور الثقافي، وهل يختلف عن التطور البيولوجي مثلاً؟

وقبل أن نجيب على هذا التساؤل قد يكون من المفيد أن نتذكر أن موضوع التطور قد شغل الساحة الفكرية خصوصاً منذ منتصف القرن التاسع عشر. حقاً، إن فكرة التغيير والثبات قد شغلت الفلاسفة منذ الإغريق. فالمعروف أن الفيلسوف هيراقليتس Heraclitus، قال كلمته المشهورة “بأنك لا تستحم في نفس النهر مرتين”. فكل شيء يتغير، وعندما تنزل في المرة الثانية فأنت تستحم في نهر جديد. على أن مفهوم “التطور” أخذ شكلاً أوضح منذ الثورة الصناعية، ويمكن أن نفرد هنا مكاناً خاصاً لكل من كارل ماركس وشارلز داروين. فالأول تحدث عن أن ظهور النظام الرأسمالي القائم حينذاك لم يكن سوى مرحلة في تطور النظم الاقتصادية، وإنه إلى زوال، فيما عبر عنه “بالحتمية التاريخية”. وكان ماركس مع زميله أنجلز قد أصدرا بيانهما الشيوعي في 1848، مؤكدين أن هذا النظام قام على أشلاء النظام الإقطاعي، وأنه سوف يتطور ليتحول إلى الاشتراكية والشيوعية تحت تأثير التطور التكنولوجي وتركز رأس المال. وبعد هذا البيان بعشر سنوات أصدر البريطاني داروين 1859 كتابه عن “أصل الأنواع”، مبيناً أن الكائنات الحية تتطور وفقاً لنظريته في “الانتخاب الطبيعي”. وبعد ذلك بمائة عام اكتشف العالمان جيمس واطسن وفرانسس كيرك التركيب العضوي للجينات الوارثية وما يعرف بالحمض النووي DNA، وكيفية اكتساب الخصائص الوراثية وتطورها. ومع هذا الاكتشاف العلمي الأخير أصبح موضوع التطور الوراثي أحد أهم مشاغل المفكرين. وبذلك أعيد التساؤل عن التطور الثقافي للمجتمعات، وهل يعرف هذا التطور الثقافي نمطاً مشابهاً أو مقارباً للتطور الوراثي للجينات في العلوم البيولوجية؟
عندما نتحدث عن الثقافة فإننا نتحدث عن مجموعة من الأفكار السائدة في المجتمع والتي تحدد نمطاً معيناً للسلوك لأفراد هذا المجتمع يميزه عن غيره من المجتمعات. ولذلك عندما نتحدث عن ثقافة مجتمع فإننا نتحدث عن أنماط للسلوك تكونت واستقرت عبر فترات ممتدة والتي تتغير بشكل بطيء وغير ملموس. وقد تكون هذه الأفكار متعلقة بالنظرة إلى الطبيعة المحيطة ومدى الاعتقاد في فاعلية العلوم أو العادات المستقرة، كما قد تتعلق بالأخلاق وما هو حسن وما هو قبيح، أو بالذوق الفني في الرسم أو النحت أو الغناء أو الموسيقى، وهكذا. وبطبيعة الأحوال فإن الثقافة بهذا المعنى ليست قالباً جامداً بل هي تتمتع بقدر غير قليل من السيولة والقابلية للتغير والتطور. والسؤال هل تنتقل الثقافة من جيل إلى آخر بشيء من الوراثة من الأجيال السابقة كما في حالة الجينات؟

لفهم الإجابة علينا أن نتذكر كيف تنتقل الخصائص الوراثية للكائنات الحية من خلال الجينات وفقاً لآخر تطورات علوم البيولوجيا. فيرى علماء الجينات أن أهم صفاتها هي أنها تحدد أهم صفات الإنسان، وأنها فضلاً عن ذلك تقوم بنسخ نفسها فهي أشبه بآلة التصوير أو النسخ Replicator، وبحيث يتم نقلها من الأب والأم إلى المولود الذي يحمل نفس الصفات الموروثة من الأبوين. وهكذا تتحقق الوراثة من خلال هذه الجينات والتي تؤدي إلى توليفة جديدة للمولود من صفات كل من الأبوين. وكان رأي داروين أن “التطور” يحدث نتيجة لتغير مفاجىء أو طفرة Mutation في هذه الصفات الموروثة. وجاء العلماء المحدثون للتأكيد بأن هذه الطفرة قد تحدث نتيجة اختلال في نسخ الجينات التي تنتقل من جيل لآخر. فرغم أن الوظيفة الرئيسية للجينات هي نسخ نفسها ونقلها من جيل لآخر، فهناك أحوال يحدث فيها بعض الخلل في النسخ مما يؤدي إلى ظهور صفات جديدة في الجينات المنقولة إلى الوليد. وإذا صادف أن كانت هذه الصفات الجديدة أكثر مناسبة وملائمة للبيئة فإن هناك فرصة أكبر لكي يتمتع أصحابها بقدرة أكبر على التعايش والتكاثر، وبذلك تمثل هذه الصفات الجديدة تطوراً جديداً في خصائص الكائن الحي.

والسؤال الذي طرح نفسه على العديد من علماء البيولوجيا، هل هناك أسلوب مشابه لتحقيق التطور الثقافي بنوع من الوراثة بين الأجيال كما هو الحال بالنسبة للتطور البيولوجي؟

وقد رأى أحد العلماء المحدثين للعلوم البيولوجية ـ ريتشارد دوكنز Dawkins ـ في كتاب له ظهر بعنوان ” الجينات الأنانية” Selfish Gene ، أن أهم ما يميز هذه الجينات، هو أنها أشبه بآلة ناسخة تعيد نسخ نفسها وتنتقل هذه النسخ الجديدة للأجيال التالية، وبذلك تنتقل الصفات الوراثية فيما بين الأجيال. وقد رأى دوكنز أن هناك من “الأفكار” ما يمكن تشبيهه “بالجينات” القادرة على إعادة نسخ نفسها لكي تنتقل من جيل لآخر. وقد سك لهذه الأفكار اصطلاحاً جديداً ـ ميم Memes ـ فالوليد يتعلم من أبيه ومن الوسط الذي يعيش فيه اللغة كما يكتسب من المجتمع قيمه الأخلاقية للتميز بين ما هو حسن وما هو قبيح، وبالمثل فإن ذوقه الفني يتشكل ـ عادة ـ من خلال حياته الاجتماعية، ونفس الشيء بالنسبة للعديد من العادات والتقاليد والتي تمثل جزءاً كبيراً من ثقافة الفرد. وهكذا فإن هذه “الأفكار” (الميمات) تنتقل في المجتمع من جيل لآخر كما تنتقل الصفات الوراثية من خلال الجينات. وكما أن انتقال الصفات الوراثية للجينات يمكن أن يخضع لبعض الطفرات مما يؤدي إلى تطور بيولوجي في حياة الكائنات، فإن “الأفكار” وهي تنتقل من جيل لآخر قد تخضع هي الأُخرى لطفرات مما يؤدي إلى إحداث نقلة في التطور الثقافي.

ورغم طرافة الفكرة في المقارنة بين انتقال الصفات البيولوجية بالوراثة بين الأجيال عن طريق الجينات وبين انتقال المكونات الثقافية بنوع من الوراثة عن طريق “الميمات”، فإن هناك اختلافاً جوهرياً بين الأمرين. فانتقال الجينات من الأبوين للأبناء يتم بشكل بيولوجي وشبه ميكانيكي وغير إرادي، في حين ان انتقال العناصر الثقافية يخضع ـ بعض الشيء ـ لحرية التقدير عند المتلقي. وعادة ما يختلف الأمر وفقاً للجو الثقافي العام السائد في المجتمع.وبعبارة أخرى، فإن الوراثة الثقافية تتوقف على البيئة الاجتماعية السائدة. ففي بعض المجتمعات السلطوية المغلقة، والتي تقوم على التربية الصارمة للأبناء وعدم إتاحة الفرصة للجدال والحوار وحيث تغلب السلطة الأبوية على حرية الآراء، فإن التأثير الثقافي للأجيال القديمة يكون أكبر وأعمق وأشد جموداً. وعلى العكس فإن المجتمعات التي تقوم على احترام حرية الرأي وتشجيع تعدد الأفكار وحرية المناقشة والنقد، فإن التأثير الثقافي للأجيال القديمة يكون خلاقاً وبما يساعد على مزيد من التنوع لدى الأجيال اللاحقة، مع قدرة أكبر على الإبداع والابتكار.

وهكذا يتضح أن الجدل السائد حول دور كل من الوراثة والبيئة في السلوك الاجتماعي يرتبط أيضاً بطبيعة القيم السائدة في المجتمع. فحيث تسود قيم السلطة والتقيد والخوف من الجديد والغريب، فإن القيم الموروثة لا تقتصر الصفات البيولوجية الموروثة بل قد تمتد أيضاً إلى الخصائص الثقافية القديمة المنقولة عن الآباء والأجداد. وعلى العكس فحين تسود قيم النقد والتجديد والابتكار والمغامرة، فإن المجتمع يكون أقدر على تجديد وتطوير ثقافته الموروثة. ومن هنا خطورة التعليم في المدارس ومدى اعتمادها على أسلوب الحفظ والذاكرة والاستناد إلى كل ما هو قديم، أو على العكس تشجيعها على تنمية وتطوير القدرات النقدية وتعدد الآراء وحرية التعبير واحترام رأي الآخرين. فالأولى أقرب إلى المجتمعات التقليدية الراكدة، والثانية تمثل المجتمعات الديناميكية والمتطورة. ولذلك فإن قضايا التعليم والإعلام وحرية الرأي والنقد هي في مقدمة ضرورات الإصلاح الثقافي. والله أعلم

الشروق 2 يوليو 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *