عن التقدم التكنولوجي واليد الخفية

جاء كتاب “ثروة الأمم” لآدم سميث ليضع أسس علم الاقتصاد الحديث. ويمكن تلخيص أهم أفكار آدم سميث حول محورين أساسيين: الأول يكمن في مفهومه “لتقسيم العمل”، والثاني يدور حول فكرته عن “اليد الخفية”. أما “تقسيم العمل” فإنه يشير إلى أهمية زيادة الإنتاجية عن طريق التخصص وتقسيم العمل، وبذلك يمكن القول أن الإشارة إلى “تقسيم العمل” لاتعدو أن تكون تأكيداً على أهمية “التقدم التكنولوجي”. فالأساس الأول لبناء ثروات الأمم عند سميث هو الأخذ بأسباب “التقدم التكنولوجي”.

وأما المحور الثاني لنظرية سميث فهو فكرة “اليد الخفية”، ومقتضاها أن الأفراد في سعيهم لتحقيق مصالحهم الخاصة وزيادة أرباحهم، فإنهم في نفس الوقت يحققون المصلحة العامة بإشباع حاجات الناس بأقل التكاليف. وكل ذلك يتحقق من خلال المنافسة في الأسواق. فهذه المنافسة تضطر المنتج إلى البحث عن أفضل أساليب الإنتاج وأقلها تكلفة خشية منافسة الآخرين. وتطورت النظرية الاقتصادية وفقاً لذلك حتى وقتنا الحاضر. فجاءت المدرسة التقليدية الحديثة وأدخلت التحليل الحدي وخاصة في تناقص المنفعة مما ساعد على ضبط التحليل في سلوك المستهلكين والمنتجين. وكان الإنجليزي ألفريد مارشال هو الذي حقق، إلى حد بعيد، إعادة صياغة النظرية الاقتصادية على هذا الأساس.

وأبرزت الأزمة العالمية في الثلاثينات من القرن الماضي حقيقة أن الأسواق وحدها غير كافية لضمان توفير العمالة الكاملة وحماية مستوى الدخل القومي، ومن ثم وجب تدخل الدولة لتعويض النقص في الطلب الكلي في الاقتصاد. وهو ما جاء به الاقتصادي الانجليزي كينز، فأضيف “الاقتصاد الكلي” للبحث في مستويات الدخل القومي والعمالة، وذلك إلى جانب “الاقتصاد الجزئي” الذي يتعامل مع مختلف الأسواق على مستوى المشروع.

ومنذ منتصف القرن الماضي بدأت موضوعات “التنمية” في الدول الفقيرة وموضوعات “النمو” في الدول الصناعية تطرح نفسها على الاقتصاديين. وكان هناك اتفاق بين الجميع على أن “التقدم التكنولوجي” هو العنصر الرئيسي لبناء الثروة، يستوي في ذلك جهود “التنمية” في الدول الفقيرة أو سياسات “النمو” في الدول الصناعية. ولاغرو في ذلك فتاريخ تقدم البشرية هو تاريخ تطور التكنولوجيا.

ولكن كيف يعالج موضوع “التقدم التكنولوجي” في سياسات “التنمية” أو “النمو”؟ ثم ما هي علاقته بالمنافسة؟

ونظراً لأن الرأي السائد في الدراسات الاقتصادية يقسم عناصر الإنتاج إلى: عمل وطبيعة ورأس المال، وأن معظم التطورات التكنولوجية إنما تترجم في نهاية الأمر في شكل آلات أحدث ووسائل إنتاج أكثر كفاءة، لذلك اتجه معظم المفكرين الاقتصاديين إلى اعتبار أن “التقدم التكنولوجي” هو أحد مظاهر رأس المال، فعن طريق زيادة تراكم رأس المال (أي الاستثمار) يتحقق التقدم التكنولوجي المطلوب. ولذلك فقد جاءت معظم نماذج “التنمية” و”النمو” معتمدة على زيادة الاستثمار والادخار.
“فالتقدم التكنولوجي” لم يعد ينظر إليه كعنصر مستقل بل أصبح صفة ملازمة لرأس المال ومتضمنة فيه embedded، ، وبالتالي لاحاجة لسياسة مستقلة “للتقدم التكنولوجي”، فيكفي الارتقاء بالأسواق المالية وتحسين مناخ الاستثمار. ورغم ذلك توجد بعض المحاولات للنظر إلى “التقدم التكنولوجي” باعتباره عنصراً مستقلاً، وهي مازالت في البداية.

ويتضح مما تقدم أن الاقتصاديين ـ بشكل عام ـ وكذا الحكومات والمؤسسات الدولية قد تعاملوا مع قضية “التقدم التكنولوجي” باعتباره نتيجة حتمية ولازمة لعمليات الاستثمار وخاصة الاستثمار الخاص. فيكفي لتحقيق “التقدم التكنولوجي” أن نزيد الاستثمارات الخاصة، فهي اللاعب الرئيسي في هذا الميدان. ولكن هل هذا صحيح؟ وهل هو صحيح دائماً؟

نبدأ بالقول بأنه رغم الاعتراف بصحة مقولات آدم سميث ـ بشكل عام ـ عن التوافق بين “تقسيم العمل” واليد الخفية” أو بعبارة أخرى بين “التقدم التكنولوجي” و”تنافسية الأسواق”، فقد تشكك عدد كبير من الاقتصاديين في صحة التلازم بين الأمرين في كل الأحوال. فهناك أحوال لاتصلح فيها أسواق المنافسة لتحقيق “التقدم التكنولوجي” والذي يتطلب أشكالاً من الاحتكارات. ففكرة المنافسة تنطوي على الاعتراف بأن هناك “حجماً” أمثلاً للمشروع تحقق المشروعات عنده أدنى تكلفة للانتاج، وفيما جاوز هذا الحد ترتفع هذه التكلفة. وعلى العكس فإذا كانت التكلفة تنخفض باستمرار مع زيادة حجم المشروع، فمن الطبيعي أن يتوسع هذا المشروع حتى يسيطر على السوق كلياً، ويصبح محتكراً. وهذا هو مفهوم “الاحتكار الطبيعي”، والذي ينصرف إلى الصناعات التي تعرف تناقصاً في التكاليف أو ما يعرف بالغلة المتزايدة increasing returns. ولذلك فإن هناك تعارضاً بين “التقدم التكنولوجي” وبين “المنافسة” في أحوال تزايد الغلة. وكان الاقتصادي الأمريكي ألن يونج قد طرح هذه القضية في محاضرة له سنة 1928 كما تحدث عنها جورج ستيجلز (جائزة نوبل) في مقال له في الخمسينات، ولم يفت الاقتصادي الأمريكي جالبرث الإشارة إلى أن المشروعات الأمريكية التي تمثل فخر الصناعة بتقدمها التكنولوجي هي نفسها التي يزورها المدعي العام بين الحين والآخر لانتهاكها قواعد المنافسة. ويكفي إلقاء نظره على أهم الشركات الأمريكية وأكثرها تقدماً حيث تتمتع كلها بمراكز احتكارية، مثل جنرال إلكتريك، بوينج، AT&T، ميكروسوفت، وجنرال موتورز حتى وقت قريب.

ولكن مشكلة “التقدم التكنولوجي” لاتقتصر على أنها قد تتعارض مع مقتضيات المنافسة، بل هناك جوانب أخرى في طبيعة “التقدم التكنولوجي” تجعله ينفر من مفهوم اقتصاد السوق في ذاته، تنافسياً كان أو احتكارياً. “فالتقدم التكنولوجي” لاينسجم دائماً مع مفهوم “السلعة الخاصة” الذي هو جوهر نشاط السوق. “التقدم التكنولوجي” ينطوي في جوهره، على نوع من “السلعة العامة”. كيف؟

ليس هنا مجال التفصيل في تعريف مفهوم “السلعة الخاصة” و”السلعة العامة”، ولكن يكفي أن نشير إلى أن الأصل في معظم “السلع الخاصة” هو أنها تتمتع بخاصية “الاستئثار” و”المزاحمة”، بمعنى أن صاحبها يستأثر بحق الانتفاع بها والقدرة على حرمان الآخرين منها، وأن انتفاعه بها لا يقبل مزاحمة الآخرين له في الانتفاع بها أيضاً. فإذا كان معك ساندويش فأنت تستأثر به ولك أن تأكله وتمنع الآخرين من استهلاكه، وإذا أكلته فإن الغير لايستطيع الانتفاع به. “فالسلعة الخاصة” هي لي أو لك، ولكن ليس للاثنين معاً. وهذا هو المقصود بالمزاحمة Rival. وعلى العكس فإن “السلعة العامة” لاتعرف في الأصل مبدأ الاستئثار، كما يمكن مشاركة الآخرين في الاستمتاع بها دون إنقاص حقك في الانتفاع بها أيضاً. فأنت تستمتع بالموسيقى في الراديو ولايضيرك أن يستمتع بها الآخرون في نفس الوقت، كما أنك تطمئن إلى سلامة حياتك الخاصة نظراً لاستقرار الأمن وعدالة القضاء، وتمتعك بهذه الخدمات لايخل به تمتع الآخرين بها، بل قد يكون شرطاً لذلك. ومن أهم أشكال “السلع العامة” سلعة المعرفة. فالأستاذ يدخل قاعة المحاضرات ويلقي درسه على طلابه الذين يكتسبون منه “معرفتهم”، ويخرج الأستاذ من الدرس ولم تقل معارفه رغم أنه قد نقلها بالفعل إلى طلابه. هذا هو جوهر “السلعة العامة”.

فماذا عن “التقدم التكنولوجي”؟ التقدم التكنولوجي هو في جوهره “أفكار” جديدة، قد تكون نظريات علمية أو تطبيقات لنظرية معروفة أو وسائل جديدة للإنتاج أو أساليب للإدارة، وهكذا. وإدخال
“التقدم التكنولوجي” في أي بلد يتطلب المعرفة بهذه “الأفكار” ونقلها إلى مكان العمل في شكل آلات أو أدوات جديدة أو أساليب مختلفة أو نظم حديثة. وهكذا يعتمد “التقدم التكنولوجي” على اقتصاديات “الأفكار” أكثر من اعتماده على اقتصاديات “الأشياء”. وعندما تظهر “الأفكار” الجديدة مع التطور التكنولوجي فإن الجميع يمكن أن يفيد منها دون خسارة على صاحبها. والحقيقة أنه يصعب حرمان الآخرين من الإفادة من الأفكار الجديدة إلا بوسائل مصطنعة مثل وضع قيود على استخدام الاختراعات الجديدة (براءات الاختراع) لمدة معينة حمايةً لحقوق المخترع.

وليست هذه على أي الأحوال قضيتنا هنا. فالقضية هي أن “التطور التكنولوجي”هو في جوهره خلق “للمعرفة” ونشرها واستخدامها وتطويرها. وإنتاج المعرفة بهذا الشكل هو إنتاج “لسلعة عامة” حيث لايحفل بها المشروع الخاص إلا في حدود ضيقة. فلا توجد شركات خاصة لإنتاج أو بيع “نظريات علمية”، لأنها مجرد “أفكار” وليس سلعاً خاصة. فليس هناك سوق “للعلم”، هناك فقط سوق للشهادات.  كذلك لايتحقق التقدم التكنولوجي بمجرد شراء آخر الصيحات الفنية للآلات واستخدامها وفقاً لتعليمات البائع. “التقدم التكنولوجي” يتطلب الاستيعاب والإضافة، إن لم يكن باختراع جديد فعلى الأقل بالتطوير والملائمة مع الظروف المحلية. وكل هذا يتطلب معرفة فنية واسعة وخبرة وقدرة تحليلية ونقدية. وهذا لايتحقق إلا بالتعليم والبحث العلمي.

الخطوة الأولى للتقدم التكنولوجي إذن، هي خلق قاعدة واسعة من المعرفة، وهذا يتطلب وجود أساس متين للتعليم العام والبحث العلمي. وهي مجالات لايمكن القيام بها بعيداً عن تدخل الدولة. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقف في المقدمة بين دول العالم في التقدم التكنولوجي فذلك لأنها تخصص
ـ أكثر من غيرها ـ موارد مالية هائلة للتعليم والبحث العلمي. لقد جعلت الحرب الباردة من الانفاق العسكري في الولايات المتحدة الأمريكية أهم مصدر للإنفاق على البحث العلمي، وهي أبحاث لم تقتصر على الأعمال العسكرية البحت بل كان لها أكبر الأثر في التقدم الصناعي الأمريكي والعالمي. فمن خلال الإنفاق العسكري الأمريكي ظهرت علوم بحوث العمليات وأبحاث الفضاء وتطوير الطاقة والاتصالات والانترنت. كذلك لاننسى أن الجامعات الأمريكية “الخاصة” ليست خاصة بالمعنى الموجود عندنا، فهي مؤسسات لاتبحث عن الربح، وهي تتمتع بثروات هائلة وتبرعات كبيرة، وكلها تخصص لأغراض التقدم العلمي، وليس لتوزيع أرباح على المساهمين!

وأختم بالقول بأن التقدم الحقيقي لايتحقق بمجرد زيادة الاستثمارات أو رفع مستوى الادخار مع الاعتماد الكامل على الخارج في كل مقومات الإنتاج. لابد من قاعدة صناعية وتكنولوجية أصيلة قادرة على استيعاب التكنولوجيات القائمة وتطويرها. فالتقدم الاقتصادي ليس مجرد عملية تمويلية بزيادة الاستثمارات بقدر ما هو خلق قاعدة تكنولوجية. وفي هذا لابد أن تلعب الدولة دوراً “محورياً”. فاليد الخفية وحدها لاتكفي. والله أعلم.

الأهرام: 24 يناير 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *