عن الثقافة والسياسة

العمل السياسي ليس بالأمر الهين. فهو يتطلب مهارات متعددة وقدرات خاصة لا تتوافر عند الجميع. فهناك صفات القيادة وما تتطلبه من إمكانيات للإقناع والحوار، وهناك القدرات الشخصية للاتصال بالآخرين وخاصة الجماهير والتعبير عن تطلعاتها، وهناك المرونة – وهو ما يطلق عليه أحياناً بانتهازية السياسيين – والقدرة على تغيير المواقف في الوقت المناسب مع إعلان “الثبات على المبادئ”! ويرتبط بهذا وذلك القدرة على البقاء والاستمرار survival وتجاوز المحن والأزمات. وقد أوضح ميكيا فيلي منذ ما يقرب من خمسة قرون أهم صفات الحاكم في كتابه الشهير عن “الأمير”.

ومع ذلك يظل توافر الثقافة العامة والإحساس التاريخي بمهمة السياسي في عصره وفهمه لقوى التغيير في المجتمعات الإنسانية من أهم ما يميّز “رجال الدولة” من السياسيين والذين لعبوا دوراً هاماً في التأثير على المجتمعات. وإذا نظرنا إلى القرن العشرين الذي مضى نجد أنه حفل بأسماء عدد كبير من السياسيين، ولكن لن يحتفظ التاريخ سوى بأسماء قليلة تميزت قاماتها عن الآخرين. وفي مقدمة هؤلاء الإنجليزي ونستن تشرشل والفرنسي شارل ديجول، وهما معاً يمثلان أهم الشخصيات السياسية لذلك القرن وحيث حافظ أحدهما على روح الشعب البريطاني وأخرجها إلى النصر في حين بعث الثاني روحاً جديدة في الشعب الفرنسي بعد أن كاد يفقدها اللهو وعدم المسؤولية – في سنوات ما بين الحربين – عن استمرار دورها. ولعل أهم ما يميّز الرجلين هو أنهما لم يكونا مجرد رجال سياسة، بل كان كل منهما رجل دولة قارئ لتاريخ أمته مستلهماً لروحها ثم متقمصاً لهذه الروح ومعبراً عنها، فكان لكل منهما نظرة تاريخية ثاقبة تجاوز الأحداث اليومية لتغوص في أعماق التاريخ الماضي قبل أن تحلق في آفاق المستقبل. ومع كل هذا فقد كان الرجلان على سيطرة كاملة بناصية اللغة وروحها بحيث كانا أقرب – في حديثهما أو كتاباتهما – إلى الأدباء منهما إلى السياسيين المحترفين. فكتابات تشرشل أو ديجول ليست مجرد كتابات في التاريخ أو الاستراتيجية بل هي قطع أدبية راقية، فلم يكن غريباً أن يحصل تشرشل على جائزة نوبل في “الأدب” وليس في السياسة عن “السلام” كما كان يتمنى. وبالمثل فقد اكتسبت كتابات ديجول في الاستراتيجية قيمتها من ذوقها الأدبي الرفيع بنفس القدر الذي عكست فيه عمق نظرته الاستراتيجية لإعادة تسليح الجيش الفرنسي فيما بين الحربين. وقد كان لتجاهل الحكومات الفرنسية لهذه الآراء علاقة مباشرة بهزيمة فرنسا العسكرية في الحرب العالمية الثانية.

وليس الغرض من هذه المقالة مناقشة هذه القضية المحورية حول أهمية الثقافة العامة للسياسي وضرورة وضع قراراته السياسية في سياقها التاريخي العام، فهذه أمور معروفة للقاصي والداني ولا حاجة لتكرارها. ولكن الغرض هو إشراك القارئ المصري حول بعض الوقائع التي كان للجهل الثقافي للحاكم في مصر ما كاد يعصف ببعض ثرواتها القومية.

السيدة كريستيان ديروش نوبلكور هي مديرة قسم الآثار المصرية بمتحف اللوفر الفرنسي، وهي إحدى أهم الباحثات في التاريخ المصري القديم حيث قامت بالعديد من الاكتشافات الأثرية الهامة فضلاً عن مؤلفات متعددة عن الحضارة المصرية. وكلنا يعرف صلة الفرنسيين وولعهم بالحضارة المصرية منذ شامبليون. وقد أصدرت السيدة نوبلكور ما يشبه ذكرياتها مع الحضارة المصرية في كتاب حديث بعنوان “في كنف الآلهة”. وقد استوقفني في هذه المذكرات بعض الوقائع، التي إن صحت، فهي تقطع بخطورة انعدام الحس الثقافي أو غياب الرؤية التاريخية عند السياسي أو الحاكم. ففي صدد الإشارة عن أوجست مارييت – أو مارييت باشا – الذي تولى الإشراف على إنشاء المتحف المصري في عهد الخديوي إسماعيل، تَذكُر السيدة نوبلكور بعض الوقائع الغريبة. وقد كان مارييت (باشا) – قبل عمله في مصر – أستاذاً للتاريخ في بولونيا بإيطاليا وكتب حينذاك إلى مدير قسم الآثار المصرية باللوفر الفرنسي عن بعض أبحاثه عن الحضارة المصرية، فاستدعاه إلى باريس وعرض عليه وظيفة في اللوفر ثم أرسله في بعثة إلى مصر حيث حقق بعض الاكتشافات الهامة إلى أن عهد إليه بإدارة المتحف المصري. أما الواقعة التي أود الإشارة إليها فهي أنه عند اكتشاف أحد المقتنيات من المقابر المصرية القديمة كان من بينها قلادة يتدلى منها سلسلة ذهبية في وسطها جعران، وكانت فيما يبدو مملوكة لإحدى الأميرات المصرية. وعند عرض هذه التحفة على الخديوي إسماعيل، لم يبد اهتماماً بها، ولكن إحدى محظياته من الحريم أبدت إعجابها بهذه التحفة، فما كان من الخديوي إلا أن أمر بإعطاء القلادة لها. ولكن مارييت – الفرنسي – رأى في هذا تبديداً لثروة قومية، فأرسل في اليوم الثاني إحدى معاونيه لإبلاغ المحظية المحظوظة بأن هذه القطعة ملعونة وتجلب التعاسة لكل من يلبسها، فكان أن تخلت عنها فوراً. وعادت السكينة إلى قلب مارييت. ولكن لم ينتهي الأمر عند ذلك. فقد كان الخديوي يستقبل في هذه الأيام الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته أوجيني. ورأى الخديوي أن يعرض عليهما بعض مقتنيات مصر، فإذا بالإمبراطورة أوجيني تبدي إعجابها وتعلقها بهذه الحلية بالذات. فما كان من الخديوي – جرياً على التقاليد الشرقية – إلا أن قال لها: “إنها لك يا سيدتي”. ولكن مارييت باشا الذي كان واقفاً إلى جواره قطب حاجبيه وأبدى امتعاضاً واضحاً لاحظه الخديوي، فاستطرد قائلاً لمحدثته بعد أن عرض عليها الحلية “طبعاً بعد موافقة الحكومة المصرية”. وهنا سأل نابليون ومن هو الذي يمثّل الحكومة المصرية، فرد مارييت باعتباره المسؤول عن المتحف المصري – بأنه لا يجوز التنازل عن هذه القطعة “لأنها ثروة مصر”. وتذهب نوبلكور في مذكراتها إلى أن أوجيني لم تيأس، فأوعزت لزوجها بعد عودتها إلى باريس إلى إغراء مارييت ببعض المناصب الهامة في فرنسا لتعديل موقفه من هدية الخديوي، فكان أن عرض نابليون عليه رئاسة القسم المصري في متحف اللوفر ثم لوح له بمنصب مدير متحف اللوفر. ولكن مارييت باشا رفض وصمم على موقفه. وبقيت القلادة في المتحف المصري.

وهكذا نجد أجنبياً يفهم معنى التراث التاريخي يدافع عن مصالح البلد أكثر من رجل سياسي وطني يفتقد هذه الرؤية ويحرص فقط على كسب رضاء دولة كبرى في ذلك الوقت – فرنسا.

ولكن مذكرات السيدة نوبلكور لا تتوقف عند هذه الواقعة بل تذكر أيضاً أنه في صدد الإعداد للاحتفال بافتتاح قناة السويس، أراد الخديوي أن يكون هذه الاحتفال معلماً مثيراً لمخيلة ضيوفه من الملوك والأمراء من أوروبا. فطلب، في أحد نزواته، من أحد المهندسين الفرنسيين، هدم الهرم الأكبر واستخدام أحجاره في بناء سد هائل على النيل، وإن لم تكف أحجاره فلماذا لا يهدم الهرم الثاني؟ وكان أن فزع المهندس الفرنسي من هذه الحماقة الكبرى، فكتب تقريراً مطولاً كذب فيه مؤكداً أن الحجارة المستخدمة في بناء الأهرام هي من نوعية رديئة لا تصلح لإعادة الاستخدام. وهكذا أنقذت أهرام مصر – عن طريق تقارير علمية كاذبة – من نزوات حاكم لا يرى من التاريخ أبعد من ظله. هل يمكن تصديق ذلك؟ ولكن لما لا؟ ألم تقم حكومة أخرى منذ سنوات قليلة – حكومة طالبان – بنسف تماثيل أثرية لبوذا استناداً إلى معتقدات خاطئة؟

هاتان الواقعتان وردتا في مذكرات السيدة نوبلكور المنشورة في باريس العام الماضي. وقد تكون هذه الوقائع صحيحة أو مبالغ فيها. ولكن الرسالة واضحة. العمل السياسي دون نظرة تاريخية ودون خلفية ثقافية يمكن أن يكون وبالاً على الأوطان.   والله أعلم.

الأهرام: يوليو 2004

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *