عن الحجم الأمثل

عن الحجم الأمثل

دكتور حازم الببلاوى

أكتب هذا المقال للتنبيه عن خطر المشكلة السكانية، ذلك أن هناك فيما يتعلق بالسكان ـ كما هو الحال بالنسبة للعديد من الامور الأخرى ـ ما يمكن أن نطلق عليه “الحجم الأمثل”، وأن كل زيادة على ذلك تعرض المجتمعات لمشاكل كبيرة. وقد رأيت أن أمهد لذلك بالحديث عن مفهوم “الحجم الأمثل”  Optimum، وهو مفهوم يجاوز قضية السكان لينطبق على معظم مظاهر الحياة. فيذهب المثل الشعبى للقول بأن “خير الأمور الوسط”. فالمبالغة بالتقتير أو بالإسراف تكون عادة ضارة. ولننظر إلى بعض الأمثلة قبل أن أنهى حديثى اليوم بالإشارة إلى مشكلتنا الحالية عن الإنفجار السكانى وخطورته على مستقبل مصر.

يقول الله تعالى “لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم”، صدق الله العظيم. وإذا كان الإنسان يتميز ـ على بقية الخلق ـ بما يتمتع به من عقل، ولذلك لم يكن غريباً أن تكون نسبة حجم “المخ” ـ وهو الجهاز العضوى المسئول عن العمليات الذهنية ـ إلى حجم الإنسان، هى أعلى نسبة بين الكائنات الحية. فمخ الإنسان والذى لا يتجاوز حجمه 2% من حجم الإنسان، يستهلك أكثر من 20% من الطاقة التى يستخدمها الإنسان. ومعنى ذلك أن كل خلية من خلايا المخ تتمتع بعشرة أمثال ـ فى المتوسط ـ مما يتاح لباقى خلايا الجسم. ومن هنا يتمتع الإنسان وحده ـ دون بقية المخلوقات ـ بقدرات ذهنية لا مثيل لها. فمخ الفيل ـ مثلاً ـ أكبر من مخ الإنسان، ولكن بالنظر إلى حجم الفيل، فإن نسبة حجم مخه تقل بكثير عن نسبتها لدى بنى آدم. ولذلك لم يكن من المتصور أن يكون الفيل أكثر ذكاء من الإنسان. والإنسان، مع ذلك يتمتع بمزايا ليس فقط لكبر مخه النسبى، وإنما لأنه يتمتع أيضاً بأعضاء تسمح له بالحركة السريعة نسبياً، فضلاً عن قدرتها على تطويع البيئة المحيطة به، فيداه أكثر كفاءة فى الإستخدام مما جعله الكائن ـ الوحيد تقريباً ـ القادر على تصنيع الأدوات والآلات التى تمكنه من السيطرة على هذه البيئة. فالإنسان ليس فقط هو “الكائن المفكر” ولكنه أيضاً هو “الكائن الصانع”. ومن هنا قامت الحضارة البشرية التى تعتمد على ذكاء الإنسان من ناحية وإمكانياته فى إستخدام بقية أعضائه للتصنيع والحركة. فهناك توازن دقيق بين حجم المخ وبالتالى قدراته الذهنية، وبقدراته العضوية فى السير والحركة. ومن الصعب أن نتصور أن يكون حجم مخ الإنسان أكثر من ذلك، حيث أن ما قد يحققه من قدرات ذهنية أكبر، قد تفوت عليه إمكانيات إستخدامها إذا فقد قدراته العضوية الأخرى. فلكل شئ “حجم أمثل”.

ومفهوم “الحجم الامثل”، على هذا النحو، هو مفهوم عام لا يقتصر على التكوين البشرى، بل أنه يكاد يشمل كافة مظاهر الحياة. وقد إكتشف الإقتصاديون ـ منذ وقت مبكر ـ أن هناك، بالنسبة لكل صناعة، ما يمكن أن نطلق عليه “الحجم الأمثل” لهذه الصناعة أو تلك. فإذا أقيم مصنع بأقل من الحجم الأمثل لهذه الصناعة، فأغلب الظن أن هذا المصنع لن يستطيع أن يفيد من مزايا الإنتاج الكبير، سواء بإستخدام تكنولوجيات أفضل، أو بإستقطاب أفضل العناصر، أو بتوافر مراكز بحثية للبحث والتطوير، أو بالإنفاق على أجهزة الدعاية والتسويق. ولكن المبالغة فى حجم هذا المصنع وبما يجاوز “الحجم الأمثل”، فإنه قد يؤدى إلى ظهور مشاكل جديدةأكثر تعقيداً مثل الترهل وزيادة البيروقراطية وبطء إتخاذ القرار، وهكذا. وبالمثل إذا كان التخصص مطلوباً للإفادة من مزايا التعمق فى المعرفة ومتابعة آخر التطورات، فإن مزيداً من التخصص ـ خاصة بالنسبة للدول ـ يعنى إمكانيات تعرضها لأزمات خطيرة إذا أصاب القطاع الذى تتخصص فيه مشكلة توريد أحد مستلزمات الإنتاج، أو نقص الطلب العالمى.

فتوزيع المخاطر هو أحد وسائل مواجهتها. ومن هنا التنويع فى مصادر الدخل هو أحد الضمانات للإستقرار الإقتصادى.  وحتى الجيوش لها “حجم أمثل”، وزيادة هذا الحجم بما يجاوز الحجم الأمثل يمكن أن يكون سبباً فى الهزيمة العسكرية . فنابيلون  ـ ورغم عبقريته العسكرية ـ فشل فى حربه مع روسيا لأن جيشه كان أكبر مما ينبغى، مما أدى إلى طول طريق إمدادات بالجيش بما يحتاجة من طعام وسلاح ، وبالتالى فقد قدرته على الإستمرار وعرف هزيمة نكراء أمام جيش روسيا الأقل عددا وعدة. وفيما يتعلق بالأستثمارات المالية، فإن القاعدة الذهبية، هى ضرورة تنويع الإستثمارات توقياً للمخاطر. فالإستثمار المبالغ فيه فى أحد القطاعات ـ ورغم إحتمال فرص نجاحها قد تكون كبيرة ـ  يعرض الإستثمار فيها إلى مخاطر قد تترتب عليها خسارة ضخمة، إذا عرف هذا القطاع صعوبات غير متوقعة. فوضع البيض كله فى سلة واحدة هو مخاطرة كبرى.

وهكذا، نرى أن مفهوم “الحجم الأمثل” هو مفهوم إستراتيجى، وأنه لابد من مراعاة عدم تجاوز هذا الحد، إذا أردنا أن نخفف من حجم المخاطر. وليس معنى ذلك أن هناك أرقاماً محددة وثابتة، وإنما يتوقف الأمر على العديد من الإعتبارات الأخرى. وإذا كان الإقتصادى الإنجليزى، مالتس، هو أول من أشار إلى مفهوم “الحجم الأمثل” للسكان، فليس معنى ذلك أن هناك رقماً سحرياً لهذا الحجم، فهذا الحجم يتوقف إلى حد بعيد على مدى توافر الموارد الإقتصادية الأخرى. وعندما تحدث مالتس عن السكان فى بداية القرن التاسع عشر، فقد كانت الثورة الصناعية فى بداياتها الأولى، وبالتالى ركز مالتس على المقارنة بين عدد السكان وإمكانيات الزراعة.

 وغنى عن البيان أن أهم تطور عرفه السكان إنما يرجع إلى مدى توافر القدرات الإنتاجية. فما هو مناسب من أعداد بشرية فى مرحلة ما قبل الزراعة، يختلف كلية عن الأوضاع بعد إكتشاف الزراعة. وبالمثل فإن إمكانيات التصنيع وما أحدثته الثورة التكنولوجية قد زادت بشكل كبير من إمكانيات الزيادة السكانية. فقبل إكتشاف الزراعة منذ حوالى عشرة آلاف سنة، كان الإنسان يعيش على اللقط والقنص، ومن ثم كان يحتاج هو وأسرته إلى عدة كيلومترات لكى يحصل على قوته وعائلته. ومن هنا عرفت البشرية كثافة سكانية هشة. ومع إكتشاف الزراعة، زادت قدرات الإنسان الإنتاجية، وأصبح قادراً على العيش مع عائلته فى رقعة صغيرة . ومن هنا بدأ ظهور القرى ثم الدول والتى عرفت كثافة سكانية كبيرة نسبياً. ويقال أن مصر الفرعونية، قد عرفت فى أوج نهضتها عدداً من السكان يجاوز خمسة أو ستة ملايين نسمة. ومع الثورة الصناعية زادت إمكانية الفرد الإنتاجية، وبالتالى زاد تركزهم وظهرت المدن الصناعية، وإزداد عدد البشر. ويقدر عدد البشر حالياً بأكثر من سبعة مليارات نسمة، وكانت البشرية قد وصلت إلى المليارالأولى فى بداية القرن التاسع عشر.

وكان مالتس قد أشار إلى التناقض بين معدلات نمو الإنتاج ( وهى فى نظره الإنتاج الزراعى ) وبين معدلات النمو السكانى. فقد لاحظ أنه على حين أن الزراعة تتزايد بما يشبه المتوالية العددية (1-2-3-4—-) فإن الزيادة السكانية تنمو بما يشبه المتوالية الهندسية (2-4-8-16-). وفى السبعينات من القرن الماضى صدر تقرير هام لما يعرف بنادى روما بعنوان “حدود النمو” The Limits to Growth، وإستخدام نفس المفهوم بالقول بأن السكان يتزايدون بمعدل نمو أسي Exponential ، وعبر عن ذلك بمثال صارخ لبيان خطوة النمو الأسى. فإذا كان لدينا مساحة واسعة من الأرض وبها حشرة لا يتجاوز حجمها ـ المليميتر، وحيث تتضاعف أعدادها يومياً، فربما تحتاج إلى عشرات السنوات لكى تحتل نصف هذه المساحة، ولكنها سوف تتضاعف وتحتل كل المساحة فى اليوم التالى ؛ فالنمو الأسى بالغ الخطورة، حيث قد يبدأ متواضعاً لكى ينفجر فى نهاية المطاف وبسرعة. وإذا كان الإنسان المعاصر homo sapiens قد إحتاج إلى أكثر من مائتى ألف سنة، ليصل عدد السكان إلى مليار نسمة، ففى خلال القرنين الماضيين إرتفع عدد السكان أكثر من ستة أضعاف، ليضيف إليها ملياراً جديداً خلال الربع الأخير من القرن العشرين.

وليس معنى ما تقدم أن التزايد السكانى، وهو مازال ظاهرة عالمية الآن، أنه موزع توزيعاً متساوياً بين الدول. فالدول الصناعية فى أوروبا وأمريكا لا تتزايد، وهى فى كثير من الدول الأوروبية تتناقص. ورغم أن شمال أمريكا ما يزال يتزايد سكانياً، فإن نسبة كبيرة منه ترجع إلى المهاجرين الأجانب. وفى جميع الأحوال، فإن نسبة النمو السكانى تتضائل فيها إلى جانب زيادة النمو الإنتاجى، فمعدل زيادة الدخل الفردى تزيد فيها بشكل مستمر.

 ونعود إلى مصر. فبعد أن عرفت فترة من الإضطراب والفوضى فى ظل الحكم العثمانى والمماليك، بلغ عدد السكان فى عهد محمد على ما يتراوح بين 2.5-3.5 مليون نسمة، وصل بعد أكثر من قرن وعند بداية ثورة  1952 إلى حوالى 20-22 مليون نسمة، وقد بلغ سكان القاهرة آنذاك إلى ما يقرب من عدد سكان مصر فى عصر محمد على. وبعد الثورة بثلاثين عاماً، جاء مبارك وقد بلغ عدد السكان أكثر من 42 مليون نسمة، وعدد سكان القاهرة يكاد يوازى عدد سكان مصر عند بداية تلك الثورة. وبعدها بثلاثينن سنة أخرى، وعند قيام ثورة يناير 2011 جاوز عدد السكان 84 مليون نسمة، أى أن عدد سكان مصر يتضاعف كل ثلاثين سنة. فهل هذا وضع قابل للإستمرار؟

هناك بالضرورة نوع من التوازن بين السكان والموارد، وكلما زادت الموارد أمكن زيادة السكان، فضلاً عن أن زيادة الموارد تتوقف بدورها على زيادة عدد السكان وكفاءتهم. فالتقدم التكنولوجى يساعد على زيادة الموارد وبالتالى القدرة على زيادة السكان. وقد أشرنا، إلى أن البشرية فى تقدمها، والإنتقال من مرحلة القنص واللقط إلى إكتشاف الزراعة، ثم بعد ذلك مع الثورة الصناعية، قد زادت من الموارد المتاحة. ولذلك فإننا عندما نتحدث عن الموارد لا نشير إلى أوضاع مؤبدة، فتقدم الإنسان وإمكانياته التكنولوجية تتيح له القدرة على إكتشاف موارد جديدة، وبالتالى إمكانية زيادة السكان. فالجزيرة العربية كانت، وحتى بدايات القرن الماضى، أرضاً بلا موارد، حتى إكتشف البترول، ومن هنا جاءت الآية الكريمة فى وقت إبراهيم عليه السلام : “ربنا أنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم”.

 وإذا نظرنا إلى أوضاع مصر الحاضر نجد أن مواردها الطبيعية محدودة، فهى تعانى من نقص شديد فى موارد الطاقة، كمية محدودة (حتى الآن ) من البترول والغاز، إنعدام فى المساقط المائية والفحم، قليل من الحديد وإحتمالات أكبر للفوسفات، والمعادن الآخرى، وإنعدام للغابات. وهكذا فقدراتها على الزيادة السكانية محدودة. ولا يمنع ذلك من أن المستقبل يمكن أن يدخر لمصر مصادر أخرى هامة وخاصة عندما نصل إلى إستخدامات واسعة ورخيصة للطاقة الشمسية. ولذلك، فإنه، فى ظروف الأوضاع القائمة، هناك عدم توازن بين الموارد الطبيعية المتاحة وبين النمو السكانى المرتفع. وقد أدركت دول أخرى نامية هذه المشكلة، فكان أن واجهتا بصراحة وفاعلية. فهناك مثال الهند والصين، وكلاهما كان يعيش فى كثافة سكانية كبيرة، حيث جاوز عدد السكان فى كل منهما الألف مليون نسمة، وذلك رغم ما تتمتع به هاتان الدولتان من موارد طبيعية كثيرة فى شكل أنهار وأمطار وغابات ومناجم للمعادن. ومع ذلك، فقد بدأت كل منهما بسياسة سكانية واعية، وأحياناً قاسية، حيث فرضت الصين قيوداً شديدة بلغت فى بعض الأحيان عدم الإنسانية. ومع ذلك فبعد عقدين أو ثلاثة أمكن ضبط النمو السكانى فيهما، وخضعت الدولتان فى العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة معدلات كبيرة من التقدم الإقتصادى والتكنولوجى.

ولكل ذلك، فإننا فى مصر فى حاجة إلى إعادة النظر فى سياستنا السكانية. وكانت مصر قد بدأت تتحدث ـ دون سياسة فعالة  ـ عن ضرورة وضع سياسة سكانية شديدة. فنحن لا نستطيع أن نضاعف أعدادنا كل ثلاثين سنة. فقد جاوز عدد السكان الآن التسعين مليوناً، وبعد عقدين أو ثلاثة يمكن أن يجاوز عدد السكان المائة وثمانون مليوناً.

لقد تحدثت أكثر من مرة عن أن مصر تواجه مشاكل عاجلة، لا تقبل الإنتظار أو التأجيل، وفى مقدمتها عودة الأمن والشعور بالآمان، وإستعادة الإستقرار السياسى، وإعادة النظر فى مناخ الإستثمار بما يلزم من تشريعات مناسبة وبنية أساسية لازمة. ولكن، هذه المشاكل العاجلة لا ينبغى أن تنسينا أن هناك أموراً هامة تتطلب سياسات طويلة الأجل لحماية وضمان مستقبلنا، وفى مقدمة هذه الأمور الهامة وضع سياسة سكانية مناسبة، ووضع إستراتيجية للتصنيع وتوطين التكنولوجيا بما يتطلب إعادة النظر فى نظمنا التعليمية وأساليب التدريب. وهذه الأمور الهامة تتطلب سنوات وسنوات حتى تؤتى أكلها. فهى ـ بطبيعتها ـ مشاكل الأجل الطويل. ولكن الأجل الطويل لا يتحقق من تلقاء نفسه، بل لا بد من البدء من الآن لعلاج المشكلة السكانية، مع الإدراك بأن نتائجها لن تتحقق بين يوم وليلة. ولكن لا بد من البدء والعمل بكل جدية، فالمشكلة السكانية هى أشبه بقنبلة موقوتة، وعلينا أن نعمل على تفكيكها الآن، مع العلم بأنها لن تحقق نتائجها فى المستقبل القريب. والمهم هو البداية. فالمشكلة السكانية خطر كامن، والعاقل من إستعد لهذا المستقبل. والله أعلم.

    الاهرام 21  اغسطس 2014

 v

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *