عن الحريات وهيبة الدولة

الله أعلم:

عن الحريات وهيبة الدولة

دكتور حازم الببلاوى

www.hazembeblawi.com

أكتب هذا المقال فى أثر ما أعلن عن إختطاف لبعض الجنود المصريين فى سيناء، ومطالبة الخاطفين الحكومة المصرية بالإفراج عن بعض المسجونين لقاء الإفراج عن الرهائن. ولا أدرى ماذا سيكون الموقف لعدة أيام قادمة حين يجىء موعد نشر هذا المقال. وأيا كانت النتيجة، فقد أثارت هذه الواقعة الخطيرة موضوع هيبة الدولة، ومفهوم دولة القانون، والعلاقة بين السلطة والحريات العامة.

وقد يكون من المفيد فى هذا الصدد إستدعاء بعض الأفكار الأساسية فى السياسة وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين السلطة السياسية والحريات العامة. فالإنسان يرنو بطبيعته البشرية نحو الحرية (متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً). وربما كان الفليسوف توماس هوبز هو أول من أشار ـ فى الفكر الحديث ـ إلى العلاقة بين الحريات الفردية من ناحية والسلطة من ناحية أخرى. وقد ظهر كتابه فى النصف الاول من القرن السابع عشر فى ظل الملكية الإنجليزية المطلقة. ورغم أنه بدأ تحليله بالإعتراف بحقوق وحريات الأفراد، فقد إنتهى ـ للغرابة ـ إلى تأييد الحكم المطلق. وإستند فى تحليله إلى أن الأفراد كانوا يعيشون فى حالة من الفطرة غير المقيدة، قبل ظهور الدولة السياسية، وذلك فى ظل نوع من البدائية والوحشية، وحيث يسيطر القوى ويخضع الضعيف، والكل فى حالة خوف وفزع من الآخرين، “فالكل فى حرب ضد الكل”. وبنوع من التوافق الضمنى تنازل الأفراد عن بعض حرياتهم وحقوقهم للحاكم أو الملك لضمان بقية حقوقهم من خلال القانون الذى يفرضه الحاكم على الجميع. وبذلك، فإن القانون يحدد الحريات ويمنع الإعتداء عليها ويعاقب من يتعرض لحقوق الآخرين. وهكذا، فإن الحقوق والحريات تتطلب “سلطة سياسية” تفرض على الجميع إحترام حقوق الأفراد وحرياتهم. ولكن ما هى حدود سلطات الحاكم إزاء شعبه؟ هنا إنتهى هوبز إلى تلك النتيجة الغريبة، وهى أن سلطات الحاكم ينبغى أن تكون مطلقة، وأن أى معارضة للحاكم قد تعيد الأفراد إلى مرحلة الفوضى والوحشية أى إلى قانون الغابة. وهو نفس المنطق الذى كنا نسمعه قبل الثورة، حين كان الكثيرون يقرون بأخطاء النظام القائم آنذاك، ولكنهم يبررون ذلك بفزاعة “الفوضى”.

وجاء جون لوك بعد ذلك بعدة عقود خلال مرحلة “الثورة المجيدة” فى إنجلترا، وقدم الفكر الديمقراطى، وإنتقد هوبز فى دعمه للحكم المطلق للملك، بحجة الخوف من الفوضى أو العودة للوحشية، مؤكداً بأن البديل للإستبداد هو الحكم الدستورى الذى يعترف للأفراد بحقوق وحريات أساسية لا يمكن التعرض لها، وذلك بأن تأتى الحكومة بإختيار المحكومين وتخضع لرقابتهم، لضمان هذه الحقوق والحريات. وهكذا تتحقق الحريات وحقوق الأفراد فى ظل سلطة القانون وتوقيع الجزاء على المخالفين. وبذلك تتمتع الحريات بحماية وضمان “القانون”، ولكنه ليس أى قانون، بل القانون الدستورى الديمقراطى، وبما يوفر للحريات أسنان بل وأنياب تدافع عنها فى شكل القانون الدستورى الديمقراطى. فالحرية دون ضمانات وسلطة تحميها هى مجرد أمانى وأحلام، الحرية تتطلب سلطة تحميها وتعاقب كل من تخول له نفسه الإعتداء عليها.

وما جاء به لوك من تجديد فى الفكر السياسى لم يقتصر فقط على معارضة “الحكم المطلق” ورفض القول بأن البديل لهذا الحكم هو الفوضى، بل أن البديل الحقيقى للإستبداد ـ عند لوك ـ هو الحكم الدستورى. وهنا جدد لوك أيضاً فى مفهوم الديمقراطية نفسه، فقد كان المتوارث عن الفكر الإغريقى، هو أن الديمقراطية هى حكم الأغلبية بصرف النظر عن مضمون القوانين. وهنا أكد لوك أن جوهر الديمقراطية  هو إحترام حقوق وحريات الأفراد، وأن إجراءات الإنتخابات والأغلبية هى مجرد وسائل لحماية هذه الحقوق والحريات. فالأغلبية لا تملك ـ فى أى حال وبأية أغلبية ـ الإعتداء على الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. وهذا هو دور الدستور الذى يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الحقوق والحريات، بل أن هناك نظاماً طبيعياً يجاوز القوانين الوضعية فى ضرورة إحترام حقوق الفرد وكرامته، وأى تشريع يصدر منافياً لهذه الحقوق والحريات الأساسية هو قانون باطل وغير دستورى. فليس للأغلبية، ولو جاوزت %99 من الأصوات، للسماح بالإعتداءعلى الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. هناك قانون إنسانى لا يجوز لأية سلطة تجاوزه ولو بالأغلبية. ولنتذكر أن هتلر جاء إلى السلطة بعد حصول حزبه فى ألمانيا، على أكبر نسبة من أصوات الناخبين مقارنة بالأحزاب الأخرى. ومعروف تاريخ النازى مع الحريات. فالديمقراطية ليست مجرد شكل وإنتخابات، بل هى مضمون أيضاً بإحترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. وقد تبلورت فى العصر الحديث مجموعة من المبادىء الواضحة والمستقرة فى العالم حول مفهوم هذه الحقوق والحريات، كما ظهرت فى المواثيق الدولية.

وهكذا يتضح أن الحديث عن الحقوق والحريات ليس حديثاً مجرداً، بقدر ما يتطلب “سلطة” سياسية قادرة على حماية وصيانة هذه الحقوق والحريات. فالدولة المعاصرة هى الضمان للحقوق والحريات، فالحديث عن الحرية دون سلطة قادرة هو أضغاث أحلام. ولذلك لم يكن غريباً أن أكثر الدول إحتراماً وتقديساً للحرية، هى نفسها أكثر الدول صرامة فى تطبيق القانون، وإحترام إستقلال القضاء، وشدة فى معاقبة المخالفين للقانون. كثيراً ما يقال أن الولايات المتحدة هى من أكثر الدول ديمقراطية، ولكنها أيضاً أعلى الدول فى نسبة عدد السجناء المحكوم عليهم فى جرائم الإعتداء على حقوق الآخرين. الحديث عن “دولة القانون” ليس حديثاً عن كثرة القوانين والتشريعات، وإنما هو حديث عن الصرامة فى تطبيق هذا القانون مع التأكد بأن هذا القانون لا يخالف المبادىء الدستورية المستقرة فى حماية الحقوق والحريات.

وأخيراً فلا ينبغى أن ننسى أن التخاذل فى تطبيق القانون على المعتدين على الحريات لا يعنى فقط ضياع هذه الحقوق والحريات، ولكنه يعنى أيضاً سقوط هيبة الدولة نفسها بل وتحللها. وعندما نتحدث عن هيبة الدولة فإننا لا نقصد فقط السلطة التنفيذية، ولكننا نشير أيضاً إلى السلطة القضائية القائمة على تطبيق القانون، فهذه أيضاً من أهم عناصر إحترام هيبة الدولة. ومع سقوط هيبة الدولة نعود من جديد لقانون الغابة والفوضى. ومن أسف فقد بدأنا نسمع فى الفترات الأخيرة تعريضاً بالقضاء دون تقديم وقائع محددة وواضحة، ودون سلوك الطريق الطبيعى لتحقيق هذه الإتهامات. هذا هدم لمؤسسات الدولة، وهو أشبه باللعب بالنار.

لا وجود للحقوق والحريات دون سلطة قوية وقادرة على تنفيذ القانون، ولا سلطة قوية دون دولة رشيدة تراعى القانون وتخضع له، ولا قانون سليم دون إحترام المبادىء الأساسية المستقرة فى الضمير العالمى عن حقوق الأفراد وحرياتهم، وأخيراً فلا إحترام كاف للمبادىء الأساسية للحريات دون قضاء مستقل ونزيه. وبهذا فقط تعود هيبة الدولة. والله أعلم.

 الاهرام 3 يونيو 2013

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *