عن الدولة فى مصر

عن الدولة فى مصر

دكتور حازم الببلاوى

 

بعد تخرجى من الجامعة وإختيارى فى بعثة للحصول على الدكتوراة، ذهبت إلى بعض أساتذى للإسترشاد بنصائحهم، وأذكر فى هذا الصدد أستاذين، مازالت كلماتهما حاضرة فى ذهنى. وكان الأول هو الدكتور حسين خلاف، أستاذ المالية العامة، وهو صعيدى مثلى، وهناك علاقة مصاهرة بين عائلتنا، وأذكر أنه قال لى بالحرف، “لا تنسي وأنت فى البعثة، أن الفلاح المصرى (أبو زعبوط أزرق) – وهذه كلماته – هو الذى يدفع تكاليف بعثتك، وعليك ألا تنسى هذا أبداً”. وقد ظلت هذه الكلمات معى، ترن فى أذنى. أما الدكتور زكى شافعى، فقد قال لى، آنذاك، ” إذا أردت أن تصبح إقتصادياً ناجحاً، فعليك بتوسيع ثقافتك خارج الإقتصاد. فالتميز فى أى فرع من فروع المعرفة هو كالإرتفاع فى البناء يتطلب توسيع القاعدة، فلا يمكن أن يرتفع بناء إلا إذا كانت قاعدته عريضة، وبقدر ما تتنوع ثقافتك خارج الإقتصاد، بقدر ما يمكن أن تتميز فى الإقتصاد ذاته.” ولم أنسى أيا من هذه المقولات حتى الآن. فبدأت فى دراسة الرياضة، بل والتحقت – كطالب مستمع – بكلية العلوم فى جامعة الكويت، وخصصت جزءاً كبيراً من وقتى للقراءة فى التاريخ والفلسفة، والأديان والعلوم الطبيعية. ولم أندم، بل أعتقد أن فهمى للإقتصاد قد إزداد عمقاً.

 والسبب فى هذه المقدمة الطويلة، هو أن ما أود أن أسطره هنا يتناول أموراً فى التاريخ والجغرافيا خارج تخصصى، وآمل ألا تتضمن أخطاء فادحة، فأرجو من أصحاب التخصص المعذرة، وسوف أكون سعيداً إذا صحح لى أحدهم بعض المعلومات إذا لم تكن دقيقة.

ما أود أن أقوله فى هذه المقالة، هو أن عبقرية مصر خلال تاريخها الطويل ترجع إلى ” قوة الدولة”. فظهور الدولة المصرية هو أهم إختراع مصرى. ولذلك فلم يكن غريباً أن تكون “الدولة المصرية” هى أقدم الدول وأطولها عمراً.

بدأت الحضارة البشرية الحقيقية مع ظهور الزراعة قبل حوالى عشرة آلاف سنة. أما قبل ذلك، ورغم وجود مجتمعات بشرية متعددة تقوم على اللقط والقنص، فإننا لا نستطيع أن نتحدث عن حضارة بشرية. فهذه التجمعات لم تكن قد إستقلت عن الطبيعة، بل هى خاضعة تماماً لها. وإذا كان الإنسان، يقوم – حينذاك – بأعمال القنص واللقط بصدد ما يجده من حيوانات أو أسماك أو ما يقطفه من ثمار أو حشائش، فإنه لم يكن يختلف فى ذلك  نوعياً عن غيره من الحيوانات، والتى كانت تعيش هى الأخرى على أنواع من القنص واللقط. وربما الإختلاف الوحيد هو أن الإنسان كان يعتمد كثيراً فى ذلك على دهائه وتعاونه مع الآخرين، وليس على قوته البدنية وحدها. فلم تكن للإنسان قوة الأسد أو سرعة الغزال أو حجم الحوت، ولكنه كان أكثر مكراً ودهاء. ومع ذلك فقد ظل خاضعاً بشكل كامل للبيئة المحيطة به يعيش على ما تجود به عليه.

أما مع الزراعة فقد تغير الأمر، فالزراعة ليست عملاً للطبيعة وحدها بقدر ما هى عمل بشرى، وإن كان للطبيعة دور كبير من حيث توافر المياة والأمطار وصلاحية المناخ والبيئة. وتظل الزراعة أول عمل بشرى حضارى يقوم فيه الإنسان بدور فعال يغير من شكل الحياة، فهو يمهد الأرض، ويختار البذور، ويرعى المحاصل، ويخترع الأدوات من فأس وشادوف  وطنبور أو ساقية، كما أنه إستأنس الحيوان من إبل أو خيل أو ماشية وسخرها لمصلحة فى الزراعة والنقل.

وإذا كانت الزراعة هى أول وأهم بداية للحضارة البشرية، فإن هذا الإكتشاف لم يبدأ فى مصر، وإنما غالباً فى شمال بلاد الرافدين ربما فى شمال العراق أو جنوب تركيا أو حول بحر قزوين. ومع ذلك أصبحت مصر ـ ربما نتيجة لظهور الدولة ـ هى أهم الحضارات الزراعية. ولعل ذلك يرجع ـ إلى حد بعيد ـ إلى ظروف جغرافية ساعدت على وجود دولة قوية ومستمرة فى مصر على عكس بلاد الرافدين التى ظلت منقسمة إلى دويلات متنافسة ومتحاربة.

وهنا نتذكر خصائص نهر النيل التى ساعدت على قيام دولة مركزية موحدة فى مصر. فنهر النيل وفر وسيلة مواصلات متصلة بين الدلتا والصعيد. فتيار المياة يندفع من الجنوب إلى الشمال، فى نفس الوقت الذى تهب فيه الرياح من الشمال إلى الجنوب، مما جعل النيل وسيلة للإتصال من الجنوب إلى الشمال وحيث يجرف تيار المياة فى هذا الإتجاه، فى حين أن رفع الشراع يسمح للمراكب بالسير من الشمال إلى الجنوب. وبذلك كان النيل وسيلة إتصال من الشمال والجنوب، على عكس دجلة والفرات وحيث تيار تدفق المياة ـ كما الرياح ـ تتجه من الشمال إلى الجنوب فقط. وبذلك فقد كان ركوب دجلة أشبه بتذكرة سفر فى إتجاه واحد، أما ركوب النيل فقد تضمن تذكرة ذهاب وإياب. ومن هنا لم تتمكن أية سلطة مركزية من أن تتكون ما بلاد الوافدين وذلك حتى قيام العراق كوحدة سياسية لأول مرة فى القرن العشرين. وقد أدى إنعدام وجود دولة مركزية قوية ومستمرة فى العراق إلى فقدانها حتى خصوبة أراضيها لعدم وجود سلطة قوية تقوم بأعمال الصرف والصيانة مما أدى إلى ملوحة الأراضى فى جنوب العراق. وعلى العكس، فقد ساعدت الطبيعة فى مصر، على إستمرار خصوبة أراضيها، فقد كان الفيضان يقوم بغسل الأراضى بشكل سنوى فضلاً عن قيام الدولة بأعمال الصيانة وتوفير الأمن والإستقرار. ولعلنا نذكر هنا، كيف أن النيل، وما يصاحبه من فيضان، قد ساعد على إستمرار خصوبة الأراضى وتغذيتها. فخصوبة أراضى الوادى ـ وهى وسط الصحراء ـ إنما جاءت نتيجة ما يرسبه النيل من خلال الفيضان من الطمى. وهنا نتذكر أن النيل فى قوته وإندفاعه من أراضى الحبشة كان يرسب الصخور والأحجار الكبيرة قرب المنبع، ويحتفظ بالعناصر الأكثر نعومة وخصوبة لكى تترسب على أراضى الوادى والدلتا بعد أن يفقد النيل قوة إندفاعه. ويشاء القدر أن تتحقق خصوبة الأراضى المصرية من هذه الترسيبات التى  نظراً لنعومتها وصفاؤها، وبالتالى ثراؤها ساعدت على تكوين تربة قوية متماسكة فضلاً عن خصوبتها. ولكن هذه الترسيبات وبسبب هذه النعومة فى عناصرها كان يمكن أن تقتل الزراعة نظراً لتماسكها الشديد وبما يجعلها صماء بما يحول دون إمكان تهوية الأراضى فى الباطن، ويهدد بقتل الزراعة التى تحتاج إلى تهوية فى التربة. وهنا نجد أن النيل حمل علاجاً لهذا الخطر، لأنه يتضمن ضمن مكوناته عناصر من الكالسيوم والذى يؤدى إلى تشقق التربة عند غمر الأرض بالمياه خلال الفيضان أو من خلال الري. وبالتالى يوفر إمكانية للتهوية وإستمرار حياة النباتات. وهكذا تضافرت قوى الطبيعة من جانب ووجود سلطة مركزية قوية من جانب آخر على توفير أفضل الظروف لحضارة زراعية هائلة. وبذلك فقد كانت مصر ـ كما قال هيرودوت ـ هى “هبة النيل”، والحقيقة هى أنها هبة المصريين أيضاً بقدرتهم على إنشاء دولة مركزية قوية ومستمرة، كانت بدورها السبب فى إزدهار الزراعة فى مصر وإستمرارها.

وقد سقطت الدولة المصرية قبل عدة قرون من بداية العصر الميلادى، حيث تعرضت لغزوات من المناطق المحيطة من ليبيا والنوبة والفرس قبل أن يستقر الأمر فيها للإغريق ثم الرومان، وبعد ذلك جاء الفتح العربى حيث تحولت مصرإلى مجرد ولاية فى إمبراطورية كبرى، بإستثناء فترة الفاطمين حيث إستعادة إستقلال البلاد، لتعود من جديد تحت حكم المماليك ثم الدولة العثمانية.

وإذا كانت مصر حاضرة وقوية عند بداية ظهور الحضارة مع إكتشاف الزراعة، فإنها لم تكن كذلك عندما قامت الطفرة الحضارية الثانية، مع بزوغ بوادر  “الثورة الصناعية” منذ منتصف القرن الثامن عشر، حيث كانت الدولة فى مصر قد تراجعت لتصبح مجرد ولاية فى إمبراطورية عثمانية بدأت، هى الأخرى،تتهاوى، إلى أن سقطت فى الربع الأول من القرن العشرين. ولم تعد بدايات “الدولة المصرية المعاصرة” إلا منذ بداية القرن التاسع عشر مع محمد على الذى لم يلبث أن هزم وحوصر بعد معاهدة 1840 ثم جاء الإحتلال البريطانى مع ثورة عرابى وبعدها قامت ثورة 1919 وإستمرت الأوضاع حتى سقوط الملكية فى منتصف الخمسينات وقيام الجمهورية، على ما هو معروف. ولذلك فرغم الجذور التاريخية العميقة “للدولة المصرية”، فإن “الدولة المصرية المعاصرة”  تأخرت عن ملاحقة بدايات “الثورة الصناعية”، ووصلت متأخرة نوعاً ما. ولذلك فإن هذه الدولة فى حاجة إلى الدعم والمساندة مع التطوير حتى تتمكن من المشاركة الجادة فى هذه الثورة الجديدة، كما فعلت مع “الثورة الزراعية”. فمصر لن تلاحق التطور الصناعى والإقتصادى ما لم تستعيد “الدولة” من جديد قوتها وحيويتها. ولذلك فإن ما شاهدناه خلال الشهور الماضية من محاولات للنيل من هيبة الدولة هو عمل خبيث وخطير فى لحظة دقيقة وخطيرة من تاريخنا. فنحن أوحج ما نكون الآن إلى دولة قوية ثابتة ومستقرة، وقادرة على تعويض ما فاتها فى لحظات الضعف والإرتباك.

ومع ذلك، فإنما عندما نتحدث عن “الدولة”، فإن نتحدث عن واحد من اللاعبين الأساسيين فى الحياة المعاصرة، فهناك أيضاً من ناحية “الأفراد”، ومن ناحية أخرى “المجتمع”. هؤلاء ثلاثة لاعبين أساسيين، ولابد من تحقيق التوازن والقوة بينهم. فدولة قوية بلا ضمانات وقيود قد تستحق الأفراد وحرياتهم وتهدد حقوقهم ومصيرها إلى التدهور والإنهيار. ولكن هناك أيضاً “المجتمع”، الراعى للقيم والمبادىء والذى يحفظ تماسك المجتمع ويحدد هويته. ومن هنا، فإننا بصدد ثلاثية تتكون من : “الأفراد”، و”المجتمع”، و”الدولة” يتكاملون فيما بينهم، ويمثل كل منهم قيداً ورقيباً على الآخر، ولكل منهم مجال يتفوق فيه. فربما يكون “الأفراد” هم الأقدر على رعاية مصالحهم الشخصية ولكن هذه المصالح كثيراً ما تتعارض وتتضارب فيما بينها، ولابد من تنظيم لها. كذلك، فهناك قيم إجتماعية ومبادىء أخلاقية تحفظ تماسك “المجتمع” وعدم إنفراطه. وأخيراً، فإن الدولة هى السلطة السياسية والحكم لتحقيق التوازن بين حقوق “الأفراد” وحرياتهم من ناحية وبين مصالح “المجتمع” ومبادئه وقيمه. فإذا كانت الحياة الإجتماعية تدور بين إعتبارات الإقتصاد والمصلحة، ومتطلبات السلطة والسياسة، وضوابط المبادىء والقيم والأخلاق، فهناك لاعبون ثلاثة هم “الأفراد” و”الدولة” و”المجتمع”، وكل منهم يبرز دوره بشكل أوضح فى واحد من هذه المجالات: فدور “الأفراد” أوضح فى الإقتصاد، و”الدولة” أكثر فاعلية فى السياسة، و”المجتمع” هو الأنسب فى حماية الأخلاق والقيم. ويظل دور الدولة هو رمانة الميزان بين هذه القوى، فإذا إنصلحت “الدولة”، فهناك أمل كبير فى إعتدال “الأفراد” فى سعيهم لتحقيق مصالحم الشخصية دون إفراط أو جشع، وبالمثل فغالباً ما ينجح “المجتمع” فى فرض قيمه ومبادئه الأخلاقية على المجتمع دون تعصب أو تطرف. ولكن “الدولة” بدورها لا تنجح فى فرض سلطتها إلا إذا إحترمت حقوق وحريات الأفراد، ومكنت المجتمع من رعاية  القيم والمبادىء الأخلاقية اللازمة للنجاح. وكما قال مونتسكيو بأن السلطة توقف السلطة، فإن وجود دولة قوية من ناحية، وحقوق أفراد مصونة من ناحية ثانية، ومجتمع قادر وفعال من ناحية ثالثة، كفيل بتوفير مقومات التقدم والنجاح.

 وفى هذه الفترة العصيبة التى تعرضت فيها “الدولة” لمعاول الهدم فإننا أحوج ما نكون لضمان إستقرارها وعافيتها. ومن هنا، فمن واجبنا أن نقف وراء الدولة لحمايتها من أى إعتداء عليها من ناحية، مع منعها من تجاوز حدودها فى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم ـ من ناحية ثانية ـ وضمان الحيلولة دون التفريط فى المبادىء والقيم الأساسية للمجتمع من ناحية ثالثة. والله أعلم. ورمضان كريم.      

الاهرام 26 يونيو 2014 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *