عن الشفافية المالية: واستمر يعمل بنجاح حتى أفلس

العنوان الجانبي لهذه المقالة هو عبارة مشهورة لأحد فقهاء القانون التجاري – المرحوم محمد بك صالح – في شرحه لموضوع الإفلاس لطلاب كليات الحقوق والتجارة منذ أكثر من خمسين عاماً.  والإفلاس في القانون هو عدم قدرة التاجر المدين على الوفاء بإلتزاماته النقدية.  وكثيراً ما يكون الإفلاس راجعاً لنقص السيولة لدى التاجر بالرغم من إحتمال وجود أصول مالية أُخرى تحت تصرفه، ولكن يصعب تسييلها إلى نقود للوفاء بديونه.  فالتاجر المفلس قد يكون صاحب ثروة كبيرة ولكنها ثروة غير سائلة وبالتالي غير قادرة على دفع مستحقات الدائنين.

وربما تبدو غرابة العبارة السابقة من التقرير بأن التاجر وهو يعمل “بنجاح” فإنه ينتهي مع ذلك إلى الإفلاس.  وقد يكون هذا النجاح ظاهرياً وغير حقيقي، يخفي إختلال أوضاعه المالية، ولكنه قد يكون أيضاً مجرد أزمة سيولة لعدم قدرته على تسييل أصوله إلى نقود لظروف خاصة بالسوق أو لطبيعة هذه الأصول.

ولكن الغالب هو أن يكون نجاح التاجر في مثل هذه الأحوال مجرد خدعة تخفي تردي في الأحوال الحقيقية للشركة أو المؤسسة.  ولعل أبرز أمثلة هذا النجاح الظاهري هو ما حدث لشركة “إنرون” الأمريكية خلال الفترة الأخيرة.  فهي أحد أكبر شركات النفط في العالم، وتقدر عملياتها السنوية بحوالي 70 بليون دولار، وهي ضمن أكبر خمسين شركة في العالم، وقبل إفلاسها بأسابيع وزعت الشركة مكافآت بقيمة خمسة وخمسين مليون دولار على المديرين على أساس أدائهم المتميز.  وما هي إلى أسابيع حتى ظهرت الحقيقة، وهي أن الشركة مفلسة، وديونها متعثرة، وبياناتها المالية مضللة.  وهكذا ثارت واحدة من أكبر الفضائح المالية في الولايات المتحدة الأمريكية.  وأظهرت هذه الحادثة أن الخلل ليس فقط في إدارة الشركة المالية، وإنما – فيما يبدو – هناك أيضاً تواطؤ بينها وبين المراجع الخارجي، وهو بدوره واحد من اكبر شركات المراجعة والتدقيق الخارجي، أرثر أندرسون.  وبالتالي ثارت قضية الشفافية المالية وسلامة أعمال المراقب أو المراجع الخارجي.  كما تبين أن للفضيحة أبعاداً سياسية، حيث أن العديد من السياسييين – في الحزبين الجمهوري والديمقراطي – كانوا من المستفيدين من هدايا وتبرعات – وهو تعبير مهذب عن الرشاوي – والتي إعتادت الشركة أن تقدمه لهؤلاء المسئولين.  وبذلك أثيرت قضية علاقة المال بالسياسة في نفس الوقت الذي ثارت قضية سلامة البيانات المالية.

وإذا كانت قضية إنرون قد أثارت مسألة سلامة البيانات المالية في الشركات، فإن الأمر لا يقتصر على الشركات، فإن الدول أيضاً معرضة لمثل ذلك فهي كثيراً ما تفاجئ العالم بأزمات مالية لم تكن متوقعة، وإذا بنا نكتشف أن الأوضاع المالية لهذه الدولة أو تلك ليست على ما يرام بل أنها تخفي إختلالاً شديداً غير معلن.  وإذا بنا نواجه فجأة بإنهيار مالي لإحدى هذه الدول.  ويذكر التاريخ الحديث الأزمة المالية للمكسيك في 1994 حيث كان الإعتقاد بأن أوضاعها المالية على أفضل ما يكون، وأن نجاحها في الإصلاح الإقتصادي في ذلك الوقت كان نموذجاً للإحتذاء به.  فإذا بالحقيقة عكس ذلك تماماً، وأن مالية الدولة مرتبكة وأن كل ما كانت تعلنه من بيانات مالية إنما كان تلفيقاً في تلفيق.  وفي بداية صيف 1997 أشاد البنك الدولي بأوضاع كوريا الجنوبية كنموذج آخر للنجاح الإقتصادي وماهي إلا شهور إلا وشاهدنا الأزمة الآسيوية حيث إنهار النظام المالي لعدد من دول شرق وجنوب شرق آسيا ومن بينهم كوريا الجنوبية.  وإذا بالبيانات المالية لهذه الدول تظهر كسراب يخفي أوضاعاً مالية متردية للقطاع المصرفي.  وليس بعيداً عن ذلك أوضاع الأرجنتين.  فحتى سنتين أو ثلاثة كانت نموذجاً ناجحاً، حيث إستطاعت أن تحتفظ بإستقرار نقدي رائع ومعدلات نمو مرتفعة طوال عقد التسعينات بعد عقود من التضخم في السبعينات والثمانينات.  وإذا بالأرجنتين في نهاية التسعينات دولة مهددة بالفوضى المالية.  وهكذا نجد عنوان هذه المقالة كما ينطبق على الشركات، كثيراً ما ينطبق أيضاً عل الدول.  فكم من دولة أستمرت تعلن عن نشاطها بنجاح حتى أفلست، وواجهت أشد المشاكل المالية رغم ما كانت تبرزه وسائل الإعلام من إنجازات ونجاحات هنا وهناك، في حين أن الحقيقة – تحت السطح – تنطق بعكس ذلك تماماً.  والسبب في هذا التناقض بين الظاهر والباطن، وبين المعلن والمخفي هو في معظم الأحيان سلامة البيانات المالية.

وفي ضوء هذه التجارب المؤلمة، فإن العديد من المؤسسات المالية الرقابية المحلية والدولية تعمل على ضمان توفيرالحد الأدنى من الشفافية المالية.  فتلجأ معظم الدول إلى وضع معايير وقواعد للمحاسبة وللبيانات المالية وكيفية أداء وظيفة مراجعة ومراقبة الحسابات.  وبالمثل فإن المؤسسات الدولية تؤكد على ضرورة تحقيق الشفافية المالية في حسابات الحكومات حتى تكون البيانات المالية المعلنة دليلاً على حقيقة الأوضاع الإقتصادية والمالية للدولة وليست شعاراً يحجب هذه الحقيقة.

وقد يكون من المناسب أن نشير إلى بعض المبادئ التي وضعها صندوق النقد الدولي – ميثاق الممارسات السليمة في مجال شفافية المالية العامة – لضمان تحقيق الشفافية المالية.  وأهم هذه المبادئ هي :

1-     وضوح الأدوار والمسؤوليات 2- إتاحة المعلومات للجمهور 3- علانية إعداد الميزانية وتنفيذها والإبلاغ عنها 4- ضمانات سلامة البيانات.

فأما عن الأمر الأول وهو وضوح المسؤوليات، فكثيراً ما نلاحظ أن هناك تداخلاً في المسئوليات، فلا يعرف، على وجه اليقين، من المسؤول عن إتخاذ القرار.  فالعديد من القرارات الإقتصادية يتخذ على مستوى البنك المركزي أو غيره من المؤسسات الإقتصادية أو على مستوى الوزارة أو مجلس الوزراء أو حتى رئيس الجمهورية، دون أن يعرف، على وجه الدقة، من هو المسؤول القانوني عن هذا القرار أو ذاك.  وقد دأب كثير من المسؤولين على التخلي عن مسئولياتهم وإلقائها على مظلة “توجيهات الرئيس”، وذلك تنصلاً من هذه المسئولية ولذلك فإن تحديد المسئولية والسلطة المختصة يُعتبر الخطوة الأولى لتحقيق الشفافية.  وهذا الامر يجب أن يكون واضحاً من القوانين السارية وأن تكون هذه القوانين مطبقة تطبيقاً سليماً.  ومع عدم تحديد هذه الأدوار والمسئوليات تسقط المساءلة ويضيع الحساب.  وبالنسبة للمحور الثاني، فإن شفافية المالية تقتضي إتاحة كافة المعلومات للجمهور، وأن يكون ذلك على نحو يمكن المهتمين بالشؤون العامة من معرفة حقيقة الأوضاع والقدرة على متابعتها والتحقق منها وفي وقت مناسب.  فيجب أن تغطى الوثائق المتاحة كل ما يتعلق بالميزانية والحسابات الختامية، وأن يكون تعريف الحكومة المركزية والسلطات المحلية والقطاع العام واضحاً لا لبس فيه.  ويجب أن تقدم هذه البيانات على نحو سهل وقابل للمتابعة.  ويتطلب ذلك أن تقوم الحكومة بإتاحة المعلومات الكافية عن الأنشطة الحكومية الحالية والسابقة والمتوقعة، وأن يتم النشر في الأوقات المناسبة وليس بعد فوات الوقت.  وفيما يتعلق بالمحور الثالث وهو المتعلق بعلانية الميزانية، فإنه يحتل أهمية خاصة في بيانات الحكومة بالنظر إلى الدور الرئيسي الذي تقوم به الميزانية في النشاط الإقتصادي، فينبغي ان تتضمن وثائق الميزانية تحديداً لأهداف سياسة المالية العامة وإطار الإقتصاد الكلي وأساس السياسة الإقتصادية التي تستند إليه الميزانية.  وأهم من هذا وذاك فإنه يجب أن تعرض بيانات الميزانية على نحو يتيسر معه تحليل السياسة الإقتصادية ويعمل على تعزيز مبدأ المساءلة.  ولعله من أهم مبادئ الميزانية العامة هو مبدأ عمومية الميزانية بمعنى أن تتضمن الميزانية جميع عناصر الإيرادات والنفقات ولا تخرج من الميزانية أية بنود.  فالميزانية تتضمن عرضاً إجمالياً لكل ما يدخل أو يخرج من الخزانة العامة، أما ما يجري عليه العمل من إخراج العديد من الإيرادات والنفقات في شكل صناديق خاصة أو غير ذلك من الأساليب فهو يعتبر خروجاً على مبدأ عمومية الميزانية وبذلك يحول دون الرقابة الجادة على مالية الدولة.  وأخيراً فإن محور ضمانات سلامة البيانات يتطلب الحرص على عدد من المبادئ التي تضمن صدق البيانات وسلامتها من حيث وضع المعايير والضوابط المتعارف عليها مهنياً وعالمياً.

والحرص على سلامة البيانات المالية ليس فقط ضمانة لحسن الأداء الإقتصادي ولكنه في نفس الوقت تأكيد لمعاني الديقراطية في رقابة المحكومين على سلوك الحاكم.  فسلوك الحاكم ينعكس في نهاية الأمر في شكل علاقات مالية بفرض أعباء على المواطنين من ناحية وإنفاق الإيرادات المتحصلة على مختلف أوجه الإنفاق من ناحية أُخرى.  والوسيلة الرئيسية لتحقيق المسؤولية السياسية هي فاعلية الرقابة على الميزانية، ودون ذلك تصبح الديمقراطية إسماً على غير مسمى.  وليس غريباً أن تجد الديمقراطية جذورها في رقابة ممثلي الشعب على مالية الحكومة.  فقد بدأت المطالبات الديمقراطية بتقرير حق ممثلي اشعب على الموافقة على أية ضرائب تفرض على الشعب، وقيل يومها بأن لا ضرائب دون تمثيل No taxation without representation ومن وقتها بدأت مسيرة الديمقراطية.

وإذا كانت سلامة البيانات المالية الحكومية وضرورة شفافيتها أمراً لا غنى عنه لسلامة السياسة الإقتصادية وفاعلية المساءلة السياسية، فإن سلامة البيانات المالية للمشروعات وخاصة تلك التي تجتذب أموال الأفراد في شكل مساهمات أو قروض لا تقل أهمية.  فالبيانات المالية – حكومية أو فردية – تعطي صورة عن حقيقة الإقتصاد، وعلى أساس هذه الصورة تتم تصرفات الأفراد وسلوكهم.  وبقدر ما تعكس هذه الصورة حقيقة الوضع بقدر ما تكون مفيدة، وبقدر ما تبتعد عن الواقع بقدر ما تصبح وبالاً على الإقتصاد.  وهكذا يصبح العمل على وضع أسس الشفافية المالية – بشقيها العام والخاص – شرطاً ضرورياً للتقدم الإقتصادي.  لا بأس من إعلان بعض الأخبار السيئة لأن الحياة فيها الحسن والقبيح.  والسئ يمكن إصلاحه بل ويجب إصلاحه.  وهذا هو دور المسئولين.  أما سيل التصريحات الوردية عن إنجازات لا تتوقف وإن كله تمام يا أفندم فإنه لا يخلق نموراً إقتصادية، بل على الأكثر نموراً من الورق، لن تلبث أن تنهار عند أول إختبار.  والله أعلم.

الأهرام:  1 مارس 2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *