عن العلمانية

أثار اصطلاح “العلمانية” الكثير من الجدل حتى صار تعبيراً مشبوهاً عند البعض كما لو كان معادياً للأديان. ولذلك كثر استخدام الاصطلاح البديل “الدولة المدنية” باعتباره أكثر تهذيباً وربما أقرب إلى مشاعرنا في احترام الأديان والعقائد. والحقيقة أن مفهوم العلمانية قد أدى إلى خلط كبير في الأذهان نظراً لأنه ولد في بيئة مختلفة تماماً – أوروبا – سواء من الناحية العقائدية أو السياسية، ولذلك انتقل إلينا في صورة مشوهة وغير كاملة. ومن هنا فقد يكون من المفيد التذكير بالظروف التي نشأ فيها هذا المفهوم.

يتعلق مفهوم العلمانية – وكذا الدولة المدنية – بقضية الفصل بين الدولة والكنيسة، الأمر الذي ترجم عندنا – تجاوزاً – بأنه الفصل بين الدولة والدين. والحقيقة أن هذا المفهوم هو وليد التاريخ الكنسي في أوروبا في ظل العقيدة الكاثوليكية، وما ارتبط به من صراع بين السلطة السياسية للإمبراطور أو الملك، وبين السلطة الدينية لبابا روما. وقد أدى هذا الصراع بشكل أو آخر إلى انشقاق الكنيسة على نفسها مع قيام الدعوة البروتستانتية، ثم إلى ثورة التنوير التي سعت لتخليص المجتمعات من قيود العصور الوسطى، وانتهاء بالثورات الكبرى في أمريكا (1776) ثم في فرنسا (1789) والتي ساعدت على تأكيد مفهوم العلمانية.

جاء اعتناق الإمبراطور الروماني قسطنطين للمسيحية في الثلث الأول من القرن الرابع دعماً هائلاً للديانة الجديدة مما أدى إلى تحول الدولة الرومانية في أقل من قرن إلى دولة مسيحية تلعب فيها الكنيسة دوراً رئيسياً في الحياة العامة. ومن الضروري هنا التأكيد على الدور المحوري للكنيسة في العقيدة المسيحية الكاثوليكية. فالكنيسة ليست مجرد تجمع أو تنظيم بشري لأفراد يؤمنون بدين معين بل أن لها نفحة إلهية مقدسة. فهذه الكنيسة قد أرساها القديس بطرس الرسول، وهي تمثل – وفقاً للعقيدة الكاثوليكية – “جسد السيد المسيح ومعبد الروح القدس”. ولذلك فإن الكنيسة الكاثوليكية ليست هيئة أو كيان عادي بل هي ركن من أركان العقيدة الكاثوليكية، وبها نفحة مقدسة وهي – وكذا البابا – معصومين من الخطأ. وفي ضوء هذا التصور عمدت الكنيسة – وعلى رأسها البابا – إلى التصرف كسلطة دينية لها ولاية بتفويض إلهي مباشر، فالكنيسة تمارس سلطتها الروحية كاستمرار لدعوة السيد المسيح على الأرض. ومن هنا بدأت تظهر في الإمبراطورية الرومانية ازدواجية في السلطة. هناك سلطة زمنية وهي سلطة مدنية سياسية بشرية يتولاها الإمبراطور، ولكن هناك أيضاً سلطة دينية روحية مقدسة يقوم عليها البابا والكنيسة الكاثوليكية.

ومع سقوط الدولة الرومانية الغربية (476م) أمام هجمات القبائل الجرمانية  دخلت أوروبا مرحلة العصور الوسطى وازداد نفوذ الكنيسة، وأصبحت أهم ركن في تنظيم الحياة الاجتماعية. فبدأت تفرض نوعاً من الضرائب أو الزكاة (العشور Tithe). ولم تقتصر الكنيسة على بيان الحلال والحرام في الحياة الدنيا، بل أنها ذهبت حتى إلى ضمان توفير أماكن في الجنة لمن يدفع، عن طريق بيع “صكوك الغفران”. ولم يحصر البابا تدخلاته على الأمور الدينية البحت بل توسع في كافة شئون الحياة حتى أنه شكل جيوشاً لحسابه، وأصبح البابا – باسم السلطة الروحية – لاعباً سياسياً أساسياً في تسيير أمور أوروبا. وفي هذه الأجواء سادت إشاعة عن وجود وثيقة عرفت باسم وصية أو وديعة قسطنطين Donation of Constantine، يوصي فيها الإمبراطور قسطنطين للبابا سلفستر (313 – 335) والذي اعتنق المسيحية على يديه، وبصفته خليفة للقديس بطرس الرسول بإعطاء البابا حق الرئاسة على كنائس الإسكندرية وأنطاكيا وأورشليم والقسطنطينية، فضلاً عن الاستئثار بحكم الإمبراطورية الرومانية الغربية مع بقاء حكم الإمبراطورية الشرقية لذرية قسطنطين. وقد ثبت لاحقاً أن هذه الوثيقة ملفقة ومزورة. وترتب على هذا وغيره أن زاد نفوذ البابا السياسي والديني في معظم أراضي أوروبا الغربية. ولم يلبث أن توج البابا الملك الجرماني شرلمان إمبراطوراً للدولة الرومانية “المقدسة”. (لاحظ وصف “المقدسة”). وكل ذلك يؤكد تطلعات البابا السياسية ودوره في الحياة العامة الأوروبية. وهكذا فقد كان التاريخ الأوروبي قائماً ليس فقط على ازدواج وصراع على السلطة، بين سلطة زمنية وأخرى دينية، بل أن هذه السلطة الدينية استندت إلى مصدر إلهي مقدس. وقد أصبح هذا جزءاً من العقيدة الكاثوليكية وهي تتمتع وفقاً لذلك بالعصمة ولا تخطئ.

وإزاء هذه الأوضاع ولد الفكر العلماني للحد من نفوذ الكنيسة الكاثوليكية. وقد بدأ الأمر في إطار الكنيسة نفسها حين انقسمت هذه الكنيسة بدعوة مارتن لوثر إلى البروتستانتية – أي الاحتجاج – حتى أنه ذهب إلى حد اعتبار بابا روما عدو السيد المسيح Anti Christ. وفي نفس الوقت بدأ الفكر السياسي في الدعوة إلى الفصل بين الدولة والكنيسة، وبحيث يقتصر دور الكنيسة على الأمور الروحية والدينية دون تدخل في الأمور السياسية. والأمر الذي يستحق التأكيد هنا هو أن التنازع على السلطة بين البابا والإمبراطور لم يكن صراعاً عادياً بين طرفين عاديين بل أن أحدهما (الكنيسة) يستند في دعواه إلى أن سلطته مستمدة من الله مباشرة، فهي سلطة مقدسة ومعصومة من الخطأ. فالمطالبة بالفصل بين الدولة والكنيسة جاءت للتأكيد على أن السياسة هي عمل بشري بين العباد ولا مكان فيه لسلطة تعتقد أو تعلن أنها تمثل وحدها الله على الأرض. السياسة هي عمل المواطنين جميعاً ليس لأحد منهم ميزة أو عصمة، كلهم بشر وكلهم قد يصيب وقد يخطئ، فالعصمة لله وحده. وهذا هو المفهوم العلماني أو المدني. فليس لأحد سلطة مقدسة في أمور السياسة، فأمور السياسة والحكم هي من أمور الحياة الدنيا على الأرض وليس لأحد أن يدعي أن له فيها تفويضاً من السماء أو أن سلطته مقدسة تتمتع بالعصمة.

وبعد الإصلاح الديني وما ترتب عليه من حروب دينية في أوروبا، جاء عصر التنوير والدعوة إلى سيادة العقل حيث بدأ نفوذ الكنيسة الكاثوليكية في التراجع. وقد تأكد هذا الاتجاه مع الثورتين الأمريكية (1776) والفرنسية (1789). وتناول التعديل الأول للدستور الأمريكي بصدد الفصل بين الدولة والكنيسة أن “الكونغرس لن يصدر قانوناً يفرض ديناً أو يمنع الممارسة الحرة للعقائد”، ثم صدر القانون الفرنسي في بداية القرن العشرين (1905) بتأكيد الفصل بين الدولة والكنيسة. وهكذا فإن العلمانية قد جاءت لمنع تدخل الدولة في شئون الكنائس (وبالتالي الأديان)، وبالمقابل بمنع الكنيسة من التدخل في أمور السياسة.

وليس معنى العلمانية بهذا الشكل أنها تنكر الاعتراف بالأديان أو بأهميتها في حياة البشر، بل على العكس فالعلمانية تحترم كل العقائد والأديان ولا تتدخل في شئونها. كذلك فإنه من العبث إنكار أهمية الأديان في حياة الأفراد، فالجميع يعترف بأن الأديان السماوية والعقائد الدينية تلعب دوراً هاماً في حياة الأفراد وفي دوافعهم وسلوكهم. ولا أحد ينكر ذلك أو يعترض عليه. ولكن الاعتراض هو قيام سلطة دينية معصومة تستمد سلطتها من خارج البشر وتفرض أحكامها على الجماعة بمقتضى هذه السلطة الدينية المفوضة من السماء أو باسم الأديان. ولذلك نجد أن الولايات المتحدة – مثلاً – وهي من أكثر الدول حرصاً على الفصل بين الدولة والكنيسة، تعرف آلاف التنظيمات الدينية من كل صنف ولون. والدولة لا تتدخل في شئونها، ولكنها أيضاً لا تساعدها ولا تمولها.

وإذا انتقلنا إلى الدولة الإسلامية فإننا نجد أمراً مختلفاً. فالإسلام لا يعرف كهانة أو كنيسة، فلا وسيط بين الفرد وربه، وليس لأي هيئة أو مؤسسة عصمة أو مكانة خاصة مقدسة. فالإسلام لا يعرف قداسة لغير الأنبياء والرسل، وبوفاة الرسول عليه السلام، فإن الإسلام قد ترك أمور الدنيا في يد البشر وعلى مسئوليتهم وفي حدود قدراتهم، وهم بعد بشر قادرون على الصواب والخطأ. الإسلام وضع مبادئ وقواعد للسلوك. ولكن ليس في الإسلام سلطة دينية أو احتكار للفتوى أو لتفسير هذه المبادئ والقواعد. فالتفسير هو عمل بشري بحت يحتمل الصواب والخطأ، ويتطور مع تطور المجتمعات واحتياجاتها. والإسلام لا يعرف “رجال الدين” بمعنى أهل الكهنوت الذين يتمتعون بعصمة أو قداسة خاصة، وإنما هم رجال علم واجتهاد، لهم أجرهم بقدر علمهم واجتهادهم. وخليفة المسلمين هو رجل سياسة وليس له قدسية دينية، ولم يستطع عمر بن الخطاب إلا أن يعترف “بأن أصابت امرأة وأخطأ عمر”. فمفهوم السلطة الدينية أمر غريب عن الإسلام.

وقد اجتهد علماء الإسلام في تفسير وشرح أحكام الدين، وتعددت الآراء، وكلها تمت تحت راية الإٍسلام ووفقاً لمبادئه العليا. وتعددت المذاهب واختلفت باختلاف الظروف وطبيعة الحياة، بل أن البعض – مثل الإمام الشافعي – قد غير مذهبه عندما حضر إلى مصر لما رآه من أوضاع مختلفة عن الذي عرفه في الشام. وكل هذه المذاهب على اختلافها، اجتهادات صحيحة وليس لأحد أن يقطع بصواب أو خطأ أحد منها.

هذا هو موقف الغالبية من أهل السنة، فلا قدسية ولا عصمة لأحد بعد الرسول عليه السلام. وتخالف بعض مذاهب الشيعة هذا الموقف، حين تعترف بنوع من العصمة للأئمة من نسل علي رضي الله عنه. ومع ذلك فإنه حتى عند الشيعة، فإن عصر الأئمة قد انتهى، ونحن نعيش – وفقاً لآرائهم – في عصر نواب الأئمة – ولا عصمة لهم (انتظاراً لعودة الإمام الغائب). وهكذا فإن الإسلام بسنته وشيعته لا يعرف – الآن – أي عصمة لأي فرد أو هيئة. ولذلك فقد كان جديداً – ومستغرباً – أن تأتي الثورة الإيرانية بمنصب جديد للمرشد الأعلى حيث يتمتع “بولاية الفقيه”، باعتباره الحكم النهائي فيما يجوز وما لا يجوز شرعاً مما يؤسس دولة إسلامية دينية. وهو أمر غريب – على أي الأحوال – على فكر الغالبية من أهل السنة.

ونلخص من ذلك أن الإسلام لا يعرف أصلاً مفهوم “السلطة الدينية” المعصومة من الخطأ، وبالتالي فإن الإسلام قد ترك أمور تفسير وتطبيق الدين للبشر، باعتبارهم بشراً يصيبون ويخطئون. الإسلام قد ولد في بيئة علمانية أو مدنية.

وقبل أن نختم قد يكون من المفيد التأكيد على أن مخاطر التداخل بين الدين والسياسة لا تأتي فقط من تدخل الدين في السياسة بل قد لا يقل خطراً استخدام الدين من جانب السياسيين. ولعلنا نذكر كيف دافع بعض رجال الدين عن “اشتراكية الإسلام” في الستينات، وبعضهم يتحدث الآن عن “الدولة المدنية في الإسلام”. فالإسلام عندهم يتغير مع تغير الفصول، فهو “اشتراكي” في زمن الاشتراكية بقدر ما هو “مدني” في زمن الدولة المدنية. الإسلام لا يعطي لأحد سلطة دينية للحديث باسم “الإسلام”. الحكم هو للجماعة وما تستقر عليه فهو الصواب. وصدق رسول الله عندما قال “لا تجتمع أمتي على خطأ”. وهذه هي الديمقراطية وبشرط أن تتسع للجميع. وحكم الديمقراطية هو حكم الأمة، كما أنه حكم الله.   والله أعلم

الأهرام: 01 أبريل 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *