عن الفشخرة

ازدادت مظاهر البذخ والإسراف في الفترة الأخيرة مما دعا رئيس الدولة إلى التحذير من مخاطر “الفشخرة” والمظاهر الكاذبة التي يلجأ إليها بعض رجال الأعمال وغيرهم من الأغنياء الجدد “ومحدثي النعمة”.

والحقيقة أن “الفشخرة” أو المفاخرة والادعاء بالتميز عن طريق الإنفاق على المظاهر الخارجية من قصور وحفلات سيارات ويخوت وغيرها من مظاهر الاستهلاك والهوايات غير الشائعة هي ظواهر اجتماعية حديثة نسبياً عرفتها معظم الدول وخاصة في فترات الانتقال والتحول الاجتماعي. ونظراً للحداثة النسبية للظاهرة فقل أن نجد لفظاً أو تعبيراً مستقراً ومتفقاً عليه للتعبير عنها في معظم اللغات.

 وقد عرفت الانجليزية هذه الظاهرة منذ حوالي القرنين عند بداية الثورة الصناعية وبزوغ البورجوازية التجارية والصناعية، وأطلق عليها الروائي البريطاني ويليام ثاكري Thackeray  لفظاً جديداً هو Snob، وهو لفظ مشتق ـ فيما يبدوـ من اللاتينية   Sine Nobilitate أي الشخص من غير طبقة النبلاء.

فهو شخص وإن كان من غير النبلاء فإنه يتشبه بهم ويتظاهر بالانتماء إليهم. وسك ثاكري لفظ Snob للتعبير عن ظاهرة “الفشخرة” أو التعالي من الطبقات الجديدة الطامعة في الارتقاء الاجتماعي بعد أن توافرت لديهم الثروة المالية. وأصبحت هذه الظاهرة أحد الموضوعات الأثيرة للكتاب، ولعل أشهرها رواية موليير عن “البورجوازي النبيل”، Le Bourgeois Gentilhomme. فالسيد جوردان ـ وهو تاجر حقق ثروة مالية كبيرة ـ لايكتفي بما حققه وإنما يريد أن يعامل معاملة النبلاء وأن يتصرف مثلهم.  وقد انتقلت هذه الظاهرة “للفشخرة” من إنجلترا إلى فرنسا ـ رغم ما بينهما من منافسة ـ ضمن ما عرف بولع الفرنسيين بكل ما هو إنجليزي Englomania وخاصة بعد الثورة الفرنسية. وسوف نلاحظ أن أحد مظاهر”الفشخرة” في معظم الدول هو محاولة تقليد الأجانب. فالطبقة الراقية في فرنسا تقلد الارستقراطية البريطانية، وفي نفس الوقت فإن أغنياء الإنجليزية يتحدثون بالفرنسية وخاصة عندما يتعلق الأمر بقائمة الطعام.

وكانت فرنسا ـ قبل الثورة ـ هي بلد الملكية المطلقة، كما كان بلاط لويس الرابع عشر هو قمة الشكلية في مراسم الاستقبال وإجراءات البروتوكول، وكان ترتيب الأشراف والنبلاء معروفاً لايسهل التحايل عليه. ورغم ذلك، لم يخل الأمر من بعض المحاولات للغش و”الفشخرة”، بالادعاء ـ كذباً ـ بالانتماء إلى طبقة النبلاء. فلم يكن من المقبول أن يستقبل الملك في قصر فرساي أحداً من غير النبلاء في حفلات الاستقبال التي كان يقيمها بشكل مستمر. ومع ذلك، فقد كان الملك يستقبل ـ أحياناً وعلى سبيل الاستثناء ـ بعض الأعيان من غير النبلاء مع منحهم لقب كونت “مؤقت” لغرض حضور الحفل فقط. وكثيراً ما كان يدعي بعض هؤلاء بأنهم نبلاء “أصليين” استناداً إلى بطاقة الدعوة.

وهي أحوال استثنائية على كل حال، ولم تكن تخل على أحد.  بدأت “الفشخرة” في فرنسا على نحو واسع بعد الثورة وإلغاء الملكية والألقاب، حين قامت هوجة أو هوس لحمل الألقاب النبيلة ـ كذباً وادعاء في معظم الأحوال. وبعد أن أعلن نابليون نفسه إمبراطورا على فرنسا أعاد الألقاب للإمبراطورية الجديدة، وبعد سقوطه وعودة الملكية القديمة، عاد معظم النبلاء “القدامى” من المهجر ومعهم جمهور كبير من المدعيين والمحتالين من أصحاب الألقاب الكاذبة. وأصبحت “الفشخرة” والادعاء بالانتماء إلى الأرستقراطية القديمة أحد أهم اهتمامات الطبقة الثرية وخاصة خلال القرن التاسع عشر.

وبدأت تجارة الألقاب القديمة أو الاستيلاء على الألقاب المهجورة وغير المستعملة. ومن أشهر من استولوا على هذه الألقاب والد الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان، حيث دخل والده “أدموند” في نزاعات قضائية طويلة للاستيلاء على أحد هذه الألقاب (دي ستان).  وليس بعيداً عما تقدم ما حدث في مصر بعد قيام الثورة وإلغاء الملكية والألقاب حيث انتشر التعامل مع “البكوات” و”البشوات” الجدد. فالكل “باشا”، ولكل موقع “باشا كبير” إلى جوار معاونيه من “الباشوات الصغار”. ولم يتوقف الأمر على هذه الألقاب الاجتماعية بل أصبحت الألقاب العلمية مالا شائعاً، وخاصة في تعاملات منادي السيارات، فإذا لم تكن ـ في نظره ـ “باشا”، فأنت غالباً “دكتور” أو “باشمهندس”. وبطبيعة الأحوال فإن جميع الوزراء يحصلون على “الدكتوراه” عند دخول الوزارة، كما تمتلئ صفحات الوفيات بأسماء عائلة المرحوم من الباشوات والبكوات والمديرين والمحافظين السابقين.  ولم تتوقف “الفشخرة” على محاولات حمل الألقاب النبيلة بل امتدت ـ تشبهاً بالإنجليز ـ إلى ظاهرة النوادي الخاصة. وهكذا تأسس في فرنسا نادي الجوكي للفروسية ليضم أرقى العائلات وكذا نوادي السيارات وغيرها من التجمعات المغلقة. ولم تتخلف مصر عن الركب، حيث سارعت هي الأخرى، متابعة للتقاليد البريطانية، فتأسس نادي محمد على ونادي السيارات ونوادي الجزيرة وسبورتيج، وهكذا. ولم تتميز الطبقة الجديدة فقط بالألقاب بل أصبح لها مجتمعاتها الخاصة واتسع الأمر لأماكن السياحة الشتوية والصيفية، بل وأحياناً مناطق سكنية جديدة وراقية ومسورة تفصل بين الطبقة الجديدة و”فشخرتها” وبين العامة.  ولكن بقدر ما تحب الطبقة الجديدة الخصوصية والانعزال عن “العوام”، فإنها مغرمة أيضاً بالدعاية والإعلان عن نشاطها. ومن هنا ظهرت المجلات التي تتحدث عن أخبار الطبقة العليا High Life، وهي تضم إلى جانب هؤلاء من أصحاب الثورات الجديدة نجوم الفن في السينما والمسرح ومشاهير الأدباء، وربما العلماء أيضاً الذين يدعون إلى حفلات هذه الطبقة كنوع من “الديكور” و”المباهاة”.

ونظراً لأن حفلات الزواج تتم بمعدلات بطيئة وغير منتظمة فجاءت حفلات أعياد الميلاد تسد نقصاً خطيراً في الحياة الاجتماعية للطبقة الجديدة. كذلك ساهمت الفضائح في إضفاء مزيد من المذاق والإثارة في أخبار هذه الطبقة.  ومنذ الثلاثينات من القرن الماضي أصبحت “الموضة” La mode في الملابس وتسريحات الشعر أحد أهم مظاهر “الفشخرة” للطبقة الجديدة. وأصبحت صناعة “الموضة” أحد أهم الصناعات العالمية، حيث تصدر باريس أو نيويورك أو لندن أو ميلانو آخر صيحات الموضة للعام القادم. وهي لم تعد تقتصر على تحديد ملابس الصيف والشتاء بل تتضمن أيضاً تحديد الألوان المطلوبة لكل عام، فضلاً عن أشكال الحقائب والأحذية وأنواع العطور. وكان الأغلب على الموضة أن تهتم بملابس النساء، فإذا بها تقتحم أيضاً عالم الرجال والشباب.

وأصبحت “موديلات” الموضة من فتيات وشباب هم نجوم المجتمع الجديد، بل ودخلت إحدى هؤلاء “الموديلات” قصر الليزية لتسكن فيه زوجة للرئيس.  ولم تتوقف أشكال “الفشخرة” على المسكن والملبس والنوادي الخاصة والمصايف والمشاتي، بل أن هناك أشكالاً “الفشخرة” الثقافية. ففكرة الطليعة Avant-garde لم تقتصر على تلك المظاهر المادية بل هناك “صرعات” ثقافية في الفنون والآداب.

 وكلما بعدت الشقة للفنون والآداب الجديدة عن المألوف واستحال فهمها على “العامة”، كلما كان لهذه “الفشخرة الثقافية” من سحر لدى الطبقات الجديدة. فجاءت صرعات الرسم المجرد والرسم التكعيبي وغيرها من أنواع الرسم غير المفهومة لتلقى إقبالاً كبيراً من “الأغنياء الجدد” للحصول عليها بأثمان خيالية. كذلك ظهرت صرعات جديدة في الأدب والفلسفة والفكر مثل أدب اللامعقول أو الأدب العبثي والتعبير الرمزي والهيكلية والتفكيكية وغير ذلك من الأوصاف الغامضة للصرعات الأدبية الحديثة. وغير بعيد ذلك الموسيقى الحديثة، وإن كانت في مصر قد أخذت منحى غريب ومختلف ـ ومتخلف أيضاًـ من السوقية والابتذال في الأغاني. وجاءت العولمة، فأضفت على هذه الفنون والآداب الجديدة مسحة عالمية. وعندما أعلنت وفاة مايكل جاكسون المغني الأمريكي الأسود الذي أصبح أبيض البشرة بالعمليات الجراحية، جاءت وفاته كصدمة لملايين المعجبين على اتساع العالم. وكان جاكسون قد اشتهر بأغانيه إلى جانب سجل حافل بالفضائح والقضايا، واضطر إلى قضاء فترة من الوقت متخفياً في إحدى إمارات الخليج العربي. وهناك كذلك صرعات للمذاهب السياسية والفلسفية أيضاً.

فالوجودية أخذت حظها بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت الأحزاب اليسارية والثورية محل افتتان دائم من العديد من أبناء الطبقات الثرية بل وأحياناً الأرستقراطية. فالكونتيسة جرامون Gramon وهي تحمل أحد أقدم وأعرق الألقاب النبيلة في فرنسا، ويطلق عليها أيضاً الكونتيسة الحمراء، شاركت في مظاهرات “الجبهة الشعبية” للأحزاب الاشتراكية في فرنسا في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، لكي تعود للمشاركة من جديد في مظاهرات الطلبة في باريس في مايو 1968. وينبؤنا التاريخ بأن الثورات وحركات التمرد قد استقطبت دائماً أعداداً من أبناء الطبقات الارستقراطية والثرية. فشواين لاي رئيس حكومة الصين في عهد ماوتسي تونج ينحدر من أصول ارستقراطية، كما كان لينين نفسه يحمل جذوراً نبيلة، وكانت الأمريكية باتريشيا هيرست هي وريثة أحد أغنى العائلات الأمريكية قد شاركت في أعمال القتل والتخريب لإحدى الجماعات الثورية الأمريكية ثم دخلت السجن لتخرج منه وتتزوج زواجاً تقليدياً من أحد الأثرياء، بل لعلنا لا ننسى أن بن لادن نفسه هو أحد أبناء كبار الأثرياء في المملكة السعودية.  وأياً كان شكل “الفشخرة” وسواء كانت تطلعاً للطبقات الأعلى اجتماعياً في محاولة للتشبه بها، أو كانت رغبة في متابعة ما يحدث في دول “الغرب”، أو مسايرة للموضة وآخر الأزياء، أو قبول آخر الصرعات الفكرية أو الفنية، فإن أبرز ما يميز هذه “الفشخرة” هي أنها مقلدة وتابعة وغير أصيلة. “فالفشخرة” هي “صورة” وليست “أصلاً”، وإن كانت أحياناً “مسخاً”، وهي بالتالي متغيرة ومتلونة. “فالفشخرة” دائماً بلا أصالة أو ريادة وهي إحدى خصائص سلوك “القطيع”.  وإذا عدنا إلى مصر الحديثة منذ محمد على، فإننا نجد أنفسنا إزاء بلد لايكاد يعرف النظام الطبقي من الأشراف والنبلاء. فعندما وصل محمد علي إلى الحكم كانت سلطة الحكم ـ بشكل عام ـ في يد المماليك وممثلي السلطان العثماني.

 أما الشعب المصري ـ في غالبيته ـ فقد كان يعيش على الزراعة في الأرياف، وإن عرفت المدن طبقة صغيرة من التجار وعلماء الدين الذين تميزوا عن القاعدة العريضة من الفلاحين وصغار الصناع والحرفيين بقدر معقول من الثراء والعلم. فالطبقة الوحيدة التي تميزت عن القادة العريضة من جمهور المصريين كانت هي طبقة التجار والعلماء. ومع محمد علي وأولاده بدأت تتشكل طائفة من كبار الموظفين فضلاً عن أفراد العائلة المالكة وعدد من أحفاد عائلات الشراكسة والمماليك الذي استخدمهم محمد علي وخلفائه ومنح بعضهم “أبعاديات” على حواف الوادي من الأراضي المستصلحة.

وبدأ ظهور الملكيات الزراعية على حياء مع سعيد باشا، ثم توسع الأمر مع بيع أراضي الدائرة السنية في عهد الخديوي إسماعيل وولده توفيق، ومعها بدأت الملكيات الزراعية الكبيرة ـ لأول مرة ـ بالنسبة للمصريين. فكان أول ظهور للأعيان من المصريين من كبار الملاك الزراعيين هو بداية القرن العشرين. وفي نفس الوقت بدأت تتميز العائلة المالكة وإصهارها في أعداد قليلة من العائلات الأرستقراطية ـ نوعاً ـ وأغلبها من أصول تركية وشركسية. وبدأت مشاركة المصريين بشكل أكبر في الصناعة والتجارة وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى وإعلان الاستقلال في 1922. وجاءت الحرب العالمية الثانية، وقبلها التعريفة الجمركية 1930 وإنشاء بنك مصر، مما أدى إلى تنوع النشاط الاقتصادي وبزوغ قدر من الصناعة المحلية، وإن ظل وجود الأجانب فضلاً عن اليهود والشوام غالباً على معظم النشاط الاقتصادي الصناعي والتجاري. وفي هذه الأثناء بدأ الحكم الملكي المصري ـ تشبهاً بالملكيات الغربية ـ في منح الألقاب لكبار العائلات الزراعية ورجال المال وبوجه خاص لرجال السياسة وكبار الموظفين، وهكذا. لقد كان تاريخ الأرستقراطية المصرية تاريخاً قصيراً ونحيفا بلا جذور عميقة أو تقاليد صارمة.

وقامت الثورة في 1952، وكان من أوائل أعمالها إلغاء الألقاب ثم تقليص دور الأجانب ـ تدريجياـ في الهيمنة على مقدرات الاقتصاد الوطني، بدءاً بالتمصير ثم بالتأميمات وبداية العهد الاشتراكي منذ الستينات في القرن الماضي. وبهذا كاد يعود المجتمع المصري ـ من جديد ـ ليصبح مجتمعاً بلا طبقات: هناك فقط حاكم ومحكومون يتمثلون في طبقة متوسطة محترمة من الموظفين والتجار من المدن، مع طبقة واسعة من الشعب العامل في الزراعة أو في المدن. ولم تكن هناك أية طبقة أرستقراطية، فالعائلة المالكة استبعدت تماماً من الحياة العامة، كما اختفت الملكيات الزراعية الكبيرة، وتم تأميم أهم الصناعات. فمنذ نهاية الستينات اختفت الأرستقراطية تماماً من الحياة العامة، وهي كانت على كل الأحوال ارستقراطية حديثة معظمها من أصول غير مصرية، وتاريخها قصير يقل عن المائة عام.

ومنذ منتصف السبعينات من القرن الماضي وخاصة منذ التسعينات، بدأت تتشكل طبقة جديدة من “الأثرياء الجدد”. وهي طبقة بلا تقاليد راسخة وعمرها الزمني لا يجاوز عمر “الجيل الأول” أو “الجيل الثاني” في أحسن الأحوال. وقد تحققت معظم الثروات الجديدة في تجارة الخردة والوكالات الأجنبية، وبشكل عام أعمال التجارة وخاصة استيراد المواد الغذائية والتموينية فضلاً عن أعمال المقاولات والمناقصات الحكومية، واستجد في العقد الأخير المضاربة على أراضي الحكومة والنشاط العقاري، ويقال أن تجارة السلاح وأيضاً الغاز والبترول ساهمت بدور ملحوظ في نشأة هذه الطبقة. وتحقق الكثير من هذه الثروات بتواطؤ صريح أو ضمني مع مسئولين حكوميين.

وعلى حين جاءت امتيازات الأرستقراطية الأوربية في إطار قانوني “للنظام القديم” الإقطاعي الذي كان يحمي هذه الامتيازات ويقننها، فقد تجمعت الثروات الحديثة في بلادنا في ظل نظم قانونية تتحدث عن المساواة وبالتالي تحققت معظم الثروات بالتحايل على القوانين والخروج عليها.  وقد بدأت هذه الطبقة الجديدة والحديثة تمارس علميات “الفشخرة” على نطاق واسع وإن كانت ممارستها في كثير من الأحول فجة وأقرب إلى السوقية. فليس لأبناء هذه الطبقة اهتمام خاص بالعلوم والمعرفة أو الفنون والثقافة بشكل عام، كما أنها لم ترث تراثاً بالاهتمام بهذه القيم، وذلك على عكس الأرستقراطية ومن بعدها البورجوازية الأوربية التي كانت راعية للعلوم والفنون ومختلف مظاهر الثقافة. فكبار الموسيقيين من باخ وموتزارت وبتهوفن وغيرهم ازدهرت فنونهم في بلاط ملوك بروسيا وأمراء ألمانيا، وكان الأمراء ينافسون على رعاية الفنون والفلاسفة والعلماء. وكانت صالونات الأرستقراطية هي صالونات للآداب والفكر. فالكتاب من أمثال كورنيل وراسين عملوا في رعاية ملوك فرنسا، كما كان كبار المفكرين والأدباء من أمثال مونتاني ومونتسكيو هم أنفسهم من أصول أرستقراطية، وكان فولتير يجد ملاذاً عند فردريك الأكبر أو كاترين قيصرة روسيا، كما كان ليبنز يعمل في حماية أمراء ألمانيا. لقد كان الأمراء ينافسون على رعاية العلماء والأدباء وإنشاء الجامعات.

كذلك لم تولد الثورة الصناعية في أوربا في حضن تجارة الخردة أو مافيات الاستيراد، وإنما جاءت من رواد الصناعة الذين خاطروا بأموالهم في تكنولوجيات جديدة ومحاولة الاستفادة من التقدم العلمي لأغراض الصناعة. وهكذا افتقد أثرياؤنا “الجدد” لهذه التقاليد الأوربية في رعاية العلوم والفنون. وبالمثل فإنهم لم يعرفوا العادات التي أرساها أثرياء أمريكاـ وهي دولة لم تعرف تاريخاً أرستقراطياً ـ وذلك بالقيام بأعمال البر والتبرع بالثروات الطائلة لإقامة الجامعات ومراكز البحوث والمتاحف والمكتبات العامة، مثل مؤسسة فورد أوروكفلر أو كارنيجي وأخيراً بيل جيتس.

 وهكذا لم يجد أثرياؤنا الجدد سوى تقليد أنماط السلوك الاستهلاكي المادي في بناء القصور واقتناء المجوهرات وشراء اليخوت وأحياناً الطائرات الخاصة وتدليل الأبناء وإقامة الحفلات وغير قليل من الفضائح، وربما أقصى ما يمكن عمله هو التبرع لأحد النوادي وشراء أحد لاعبي كرة القدم.

“الفشخرة” مرض عرفته معظم المجتمعات، ولكنها في دولنا الفقيرة أقرب إلى المأساة/الملهاة Tragico-comic، ليس فقط لأنها تتم وسط بحر من البؤس والفاقة، وإنما بوجه خاص لأنها تفتقد إلى الذوق السليم وتدعو في كثير من مظاهرها إلى الغثيان بأكثر مما تثير من الحنق. والله أعلم.

المصري اليوم: 2-3 أكتوبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *