عن الفوضى العقارية

 

عن الفوضى العقارية
 
ماذا لونزل أحد كائنات الفضاء إلى أرض مصر المحروسة وألقى نظرة على الأوضاع العقارية فيها؟ فماذا سيجد؟ لاشك أن أهم ما سيسترعيه هو تنوع المشهد العقاري إن لم يكن التناقض الشديد في مكوناته. فماذا يرى زائرنا الفضائي؟ ربما تحط مركبته الفضائية على أطراف مصر على سواحلها الشمالية أو على شواطئ البحر الأحمر.
 
 فماذا سيكون المشهد الأول لواقعنا العقاري أمام هذا الوافد الفضائي؟ المشهد هنا معروف. منتجعات سياحية أو ترفيهية ومدن جديدة تنتشر على مختلف الأطراف، في الساحل الشمالي، وعلى سواحل البحر الأحمر، وفي سيناء، وفي العين السخنه وربما في فايد. وهي فيلات وقصور تباع بملايين الجنيهات وأحياناً بملايين الدولارات. وقد سبق أن تعرضت لبعض هذه المظاهر في مقال سابق بما لا محل لاعادة ترديد ماورد به. وهنا يغلب قانون الطلب والعرض بل لعله قانون العرض وحده حيث يسود البائع فيحدد الأثمان والطراز، والمشترون يتزاحمون ويتسابقون كالقطعان للحصول على حجز قبل أن تفوتهم الفرصة وترتفع الأسعار من جديد. فالأسعار هنا لاتعرف إلا اتجاهاً وحيداً، وهو الارتفاع المستمر وأحياناً بصورة مجنونة. ومهما تعددت القرى والمنتجعات، ومهما ارتفعت الأسعار، فان هناك طلباً مستمراً وطوابير لاتنتهي من الراغبين في الحجز. ومع ما تعرفه هذه العقارات من فخامة وحدائق ومارينا لليخوت وحمامات السباحة وملاعب للتنس والجولف، فان مشاهدنا من الفضاء الخارجي سيختلط عليه الأمر، ويتصور أنه ربما اخطأ العنوان ونزل في جزر الكاريبي أو مرابيلا، أو موناكو وغيرها من مراكز جذب الأثرياء وأصحاب الملايين. ولكنه بمجرد أن يعود إلى مركبته ويتنقل قليلاً بمركبته الفضائية في المناطق المجاورة فانه يكتشف أنه في مصر بالفعل، وأن المشهد العقاري التالي سيكون مختلفاً تماماً وذلك عندما ينتقل إلى المدن المصرية  في القاهرة والإسكندرية، والسويس وطنطا وغيرها، وربما يقتصر زائرنا على بالقاهرة والإسكندرية، فماذا يجد؟ 
 
هنا نجد انفسنا أمام صور مختلطة بين القديم والحديث وبين الأنيق أو (ماكان أنيقاً) والقبيج. ففي القاهرة نجد احياء تحمل آثار وذكريات ما كان يبدو عريقاً و أحياناً جميلاً، كما هو الحال بالنسبة للعمارات الخديوية في وسط القاهرة أو العمارات القديمة في ميدان مصطفى كامل أو الأوبرا أو في شارع قصر النيل أو عماد الدين. وهي آثار وذكريات تغلب عليها حاضر بائس من الإهمال وعدم الصيانة. وبالمثل هناك أحياء كانت أنيقة مثل الزمالك وجاردن ستي ومصر الجديدة وهي لا تعرف فقط العمارات العريقة والأنيقة بل مازال بها أيضاً عدد محدود من الفيلات والقصور والتي تتناقص يوماً بعد يوم ليحل محلها عمارات طويلة وقبيحة غالباً. وإلى جانب هذه الأحياء التي عرفت ماضياً مزدهراً فأن اغلب أحياء القاهرة الأخرى من العباسية إلى الحلمية الجديدة هي لسكان الطبقة الوسطى في بيوت قديمة، غير مرتفعه، شيدت في بدايات القرن الماضي وحتى الستينات قبل أن تظهر منذ السبعينات موجة البناء غير المنتظم، من عمارات عالية – غالباً بالمخالفة لقوانين البناء  وأحياناً تظل بلا طلاء على الطوب الأحمر. وجاءت مدينة نصر نموذجاً لذلك بأبراجها العالية وبغير ذوق أو طراز. وانتشرت مع هذه الموجة فئة المقاولين القناصة الذين يغيرون على أية فيلا أو قصر أو بناية قديمة لهدمها وتشيد برج سكني محلها بعد دفع مبالغ مغرية للسكان والملاك مع نصيب محترم لبعض الموظفين. وإلى جانب الأحياء الراقية القديمة وأحياء السكن للطبقة الوسطى فان الأحياء الشعبية تضم غالبيةً السكان في مساكن قديمة بعضها يعود لعدة قرون مضت فهذه هي مراكز التراث السكنى. وإذا كان هذا هو الحال القاهرة، فأن الإسكندرية لا تختلف كثيراً.  ًفالرمل تمثل الإسكندرية الحديثة والتي نمت منذ القرن التاسع عشر، وتظل الإسكندرية القديمة والتراثية على الناحية الأخرى حيث تعطي ظهرها للبحر. وهكذا النمط في معظم مدن مصر، مركز تراثي أصبح شعبياً، ومركز تجاري حديث نسبياً ثم نمو عشوائي في مختلف الاتجاهات.
 
ولا يقتصر الفارق بين ظروف الإسكان في المنتجعات السياحية والمدن الجديدة وبين المدن المصرية القديمة على اختلاف مستوى الحداثة ومظاهر الترف، ولكن كلاً منهما يعيش في ظل نظام قانوني واقتصادي مختلف. فإذا كانت المنتجعات السياحية والمدن الجديدة تخضع للقانون الرأسمالي للطلب والعرض ليس فقط في أسعار العقارات و إنما أيضاً في مستويات الإيجار، فان معظم المباني في المدن المصرية تخضع للقانون الاشتراكي لتحديد الإيجارات. وقد بدأ تحديد الإيجارات السكنية في المدن المصرية منذ بداية الأربعينات مع الحرب العالمية الثانية. ولذلك فليس غريباً أن تجد شققاً سكنية في احسن أحياء القاهرة في الزمالك أو جاردن سيتي ولايجاوز إيجار الشقة فيها عشرة او خمسة عشر جنيهاً. ومازال يسكن في هذه الشقق بالإيجارات القديمة أحفاد المستأجرين الأوائل في الأربعينات أو الخمسينات ويدفعون قروشاً أو عدة جنيهات لاحفاد الملاك لهذه العقارات الذين اصبح العديد منهم في حكم المعدمين المستحقين للضمان الاجتماعي. وبطبيعة الأحوال فأن هذه المباني لاتعرف شيئاً عن الصيانة، فأهملت تماماً وتدهورت مداخلها ومصاعدها، وشاخت مرافقها الصحية وقد أصبح العديد من هذه المباني مظهراً للقبح بعد أن كان بعضها رمزاً للأناقة والجمال. فهي أقرب إلى عزيز قوم ذل. وفي هذه المساكن القديمة لا يوجد شئ اسمه الايجار. فالمستأجر وأولاده وأحفاده باقون لا يخرجون إلا بحكم قضائي أو مع خلو رجل. فعقود الإيجار لاتتغير، والتعامل يتم هنا عبر التملك أوالتنازل مع خلو الرجل.
 
ولكن المشاهد العقارية لا تتوقف عند هذين المشهدين، فهناك مشهد ثالث اكثر غرابة وأشد بؤساً. وهذا هو مشهد الإسكان العشوائي في القبور وفي أطراف المدن. فماذا عن هذا المشهد للسكن العشوائي؟
 
ظاهرة الإسكان العشوائي حديثة نسبياً في مصر. فعلى عكس العديد من الدول النامية التي عرفت الإسكان العشوائي على أطراف المدن الكبيرة، فقد نجحت مصر نسبياً في تجنب هذه الظاهرة حتى السبعينات من القرن الماضي. وكانت حرب 67 وما ترتب عليها في نزوح الكثير من عائلات مدن القناة مقدمة لهذه الظاهرة، ثم بدأت بالتزايد بعد ذلك. فظهر السكن في القبور ثم تكدست العشوائيات في الأراضي الزراعية المتاخمة للمدن وكذا على أطراف المدن الكبرى، فضلا عن أن أحياء شعبية قديمة تحولت بفعل التكدس السكاني إلى عشوائيات. ويقدر عدد سكان هذه العشوائيات بأكثر من خمسة ملايين في القاهرة وحدها، وما لايقل عن خمسة عشر مليون على اتساع القطر. و إطلاق وصف العشوائية على هذه المساكن جاء مناسباً تماماً، فهي عشوائية في كل جانب من جوانبها، فلا احترام لقواعد البناء أو التنظيم، كما أنها لا تعرف مرافق صحية أو خدمات عامة أيضا،ً وهي موضع للاستغلال بين المتعاملين فلا يحكمها قانون إيجارات، و إنما قانون العرض والطلب العشوائي. فأسعار الإيجارات فيها بالغة الارتفاع بالنسبة إلى ما توفره من منافع، فهي تمثل أحد أشد أنواع الاستغلال. فيكاد يزيد إيجار الحجرة في مثل هذه الظروف البائسة على مائتي جنه، في الوقت الذي ماتزال أجرة شقق في جاردن ستي والزمالك في حدود عشرة أو خمسة عشر جنيهاً. 
 
هذه المشاهد العقارية التي يقابلها زائرنا الفضائي عند زيارته لمصر ليست وهماً و إنما هي حقيقة، وهي تعكس فوضى عقارية وقانونية واقتصادية. فنحن إزاء عوالم مختلفة تتعايش في نفس البلد. هناك عالم المنتجعات والمدن الجديدة، وهو عالم الأثرياء، حيث يخضع لقوانين السوق وقوى الطلب والعرض ويغلب عليه المضاربات والمبالغة في الأسعار. ولكن هناك أيضاً عالم العقارات القديمة في معظم المدن وهو عالم الاقتصاد الموجه، ولايعرف سوقاً منظمة تخضع للطلب والعرض وإنما تحايلا على قواعد الملكية وحيث يعتبر خلو الرجل هو سيد الموقف، والملكية الفعلية انتقلت إلى المستأجرين وأحفادهم حيث يتربص بهم ملاك العقارات التعساء وأحفادهم. وهناك أخيراً عالم الإسكان العشوائي وهو عالم المهمشين الذين لا يخضعون إلى أي نظام قانوني أو اقتصادي واضح. فالبناء يتم على أراض غير واضحة الملكية، والبناء لا يعترف بأي تنظيم عمراني، ولا يتمتع  بمرافق ولا يعرف خدمات حكومية. وفي هذا العالم العشوائي تظهر أبشع أنواع الاستغلال فيما بين هؤلاء المهمشين بعضهم البعض. وهي بيئة تشجع على الجريمة والفساد.
 
أنه عالم غريب.في مشهد نجد تسامحاً مع قوانين الطلب والعرض الرأسمالية إلى حد السفه، وفي مشهد آخر نجد تمسكاً إلى حد الغباء بقوانين شبه اشتراكية موروثة منذ نصف قرن، وفي مشهد ثالث لا مجال إلا لقوانين الفوضى إذا كان لهذه الفوضى من قوانين.
 
هذا ما يمكن أن يشاهده كائن الفضاء في زيارته لمصر وبعد أن أطلع على أوضاعها العقارية، لابد أنه سوف يقع في حيرة شديدة. كيف تتعايش مثل هذه الأنماط في دولة واحدة في ظل حكومة واحدة؟ ماذا يكتب في تقرير عودته عن مشاهداته للأوضاع العقارية في مصر؟ هل هي دولة غنية مثل أمريكا أوسويسرا، أم هي دولة فقيرة مثل بنغلادش ؟ هل دولة رأسمالية أم اشتراكية؟ أو لعلها دولة ” بزرميط”؟ وغالباً فأنه لن يكثر من التساؤل، ويقرر العودة من حيث جاء.
 
أما نحن، أبناء هذا البلد، فعلينا أن نتعايش مع هذا الوضع الغريب.
 
الوضع القائم لايستقيم ولابد من سياسة إسكانية واضحة المعالم تعيد التجانس إلى الأوضاع العقارية في مصر. أن الأوضاع العقارية في مصر هي أقرب إلى الكوميديا، ولكنها نوع من الكوميديا السوداء. وشر البلية ما يضحك.والله اعلم    
الأهرام 14 أكتوبر 2007

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *