عن القانونِ

عن القانونِ

دكتور حازم الببلاوى

 

تخرجت من كلية الحقوق ثم تحولت إلى دراسة الإقتصاد، ومارست طوال حياتى المهنية التعامل مع الإقتصاد، أستاذاً جامعياً وعاملاً فى مؤسسات دولية إقتصادية، ورئيساً لأحد البنوك، ثم وزيراً للمالية. وفى خلال هذه الرحلة إكتشفت أهمية القانون. فإذا كانت أعمال البنوك تتطلب دراسات الجدوى ومدى الجدارة المالية للمقترض، فإن الأمر ينتهى فى النهاية فى شكل عقد بين البنك والعميل. ومهما كانت الدراسة الإئتمانية دقيقة، فإن الأمر يختصر فى النهاية فى وثيقة عقد بين البنك والعميل، وإذا لم يكتب العقد بكفاءة فقد تضيع حقوق البنك. ولعلى أشير هنا إلى القصة المعروفة عن نجاح بل جيتس الذى أعد برنامج الكومبيوتر الشخصى لشركة. IBMفعندما حاولت هذه الشركة ـ وقد كانت من أكبر شركات العالم ـ الدخول فى ميدان الكومبيوتر الشخصى، رأت أن تتعاقد مع أحد أشهر العاملين فى هذا المجال، وهو جارى كيلدال  Kildall المتخصص فى هذا المجال ولكنه رفض، وإتجهت الشركة إلى بيل جيتس الذى كان يدير شركة صغيرة بإسم “ميكروسوفت”. ووافق بيل جيتس على قبول المهمة. وكان المفروض، أنه طالما قد كلف بعمل لحساب الشركة وحصل على تعويض عن خدماته، فإن ملكية هذا البرنامج تصبح للشركة. ولكنه نجح فى أن يضع فى العقد بندا يخوله الحق فى تسويقه لحسابه، دون أن يكتشف المستشار القانونى هذه الثغرة. ومن هنا أصبح لبيل جيتس، حق تسويق البرنامج لغير شركة IBM، الأمرالذى مكنه من تسويق برنامجه ـ بعد ذلك ـ لشركات منافسة ل IBM. وبعد ذلك تضاءلت IBM نفسها، وإرتفع نجم بيل جيتس، نتيجة لهذه الهفوة القانونية. وقريب من ذلك ما حدث فى صياغة قرار مجلس الأمن الشهير (رقم 242) بعد حرب 1967 بإلزام إسرائيل بالإنسحاب من الأراضى التى إحتلتها، حيث جاء فى الصياغة أن الإنسحاب يكون  من “آراض” محتلة (أو من الأراضى المحتلة) فى صياغة أخرى. ومازالت مشكلة الشرق الأوسط تعانى حتى الآن، نظراً للخلاف بين الجانب العربى والجانب الإسرائيلى حول تفسير القرار. فهنا أيضاً مجرد هفوة مقصودة ـ أو غير مقصودة ـ قد أدت إلى تعقيدات ما زالنا نعانى منها.

وبنفس المنطق فإن وضع السياسة المالية يتبلور فى نهاية الأمر فى عدد من القوانين واللوائح المنظمة للضرائب والرسوم وكيفية ممارسة المهنة، وغير ذلك من القرارات والتى تلعب فيها الصياغة القانونية دوراً خطيراً. وهكذا، فقد تكون الفكرة ـ فى ذاتها ـ جيدة، ولكنها تترجم فى شكل قوانين ولوائح بها ثغرات هنا وهناك. وهكذا، إكتشفت ـ من خلال تجربتى الشخصية ـ أن الأفكار الجيدة وحدها لا تكفى، إذا لم تترجم فى قوانين دقيقة وواضحة، بلا ثغرات. ومن هنا أهمية القانون فى حياتنا. فكل شئ فى السياسة أو غيرها يتبلور فى نهاية الأمر فى شكل قانون أو لائحة.

ولكن ما أود الحديث عنه اليوم يجاوز هذه الظاهرة الإجتماعية للحديث عن مفهوم القانون بمعناه الواسع، ليشمل أهمية مفهوم القانون أو القواعد التى تنظم الكون فى كافة عناصره. فعندما يتعلق الأمر بالظواهر الطبيعية فإن دور الإنسان هو محاولة إكتشاف هذه القوانين ليس فقط من أجل التلاؤم معها، وإنما أيضاً بغرض الإستفادة بها وإستخدامها على نحو يزيد من إمكانياته. ومن هنا بدأت العلوم فى الظهور. فالأيام تدور بين صباح ومساء والمواسم تتغير بين صيف وشتاء، والحياة تتكاثر بين ولادة ووفاة، والأشياء تقع على الأرض ولا ترتفع إلى السماء.. وهكذا. ومن هنا ثار فضول الإنسان ليعرف ما وراءها. لابد أن وراءها خالق، ولكن الخالق لا يدير هذه الأمور بأوامر أو قرارات فردية وإنما وفقاً لقوانين وقواعد. ومن هنا ظهر العلم الذى يبحث عن هذه القوانين التى تنظم الطبيعة. ولفهم هذه القوانين كان لابد من أن نفهم لغتها. فما هى لغة هذه القوانين؟ لا يمكن أن تكون هذه اللغة، هى لغة جماعة أو قبيلة، بل أنها بطبيعتها لغة عالمية تجاوز الجماعات، وكان أن ظهرت الأرقام والحسابات وبدأت فى شكل لغة رياضية . ولذلك جاء ظهور العلوم الطبيعية، وخاصة الفيزياء فى شكل معادلات رياضية. فالطبيعة تخضع لقوانين، ولغتها هى الرياضة، وبقدر ما أدى ظهور الرياضيات إلى تفهم خصائص الطبيعة، بقدر ما أدى ذلك إلى التعرف على خصائص طبيعية لم تعرف خباياها قبل ذلك، بل قد ساعد ذلك أيضاً على تطور علوم الرياضة نفسها لوضع منظومات رياضية جديدة تعكس هذه الخصائص الطبيعية. ومع التعرف على خصائص الأشياء تطور علم الكيمياء، ومن بعده علوم البيولوجيا مع التعرف على طبيعة الكائنات الحية نباتية كانت أو حيوانية. وفى كل هذا كان”العلم” هو مجموعة من القواعد المتكاملة فى شكل منظومات منضبطة. فالطبيعة بكافة مظاهرها تخضع للقانون، ودورنا ـ هنا ـ هو محاولة إكتشاف هذه القوانين ثم إستخدامها لما فيه مصلحة الإنسان.

وإذا تركنا مجال الظواهر الطبيعية وإنتقلنا إلى الظواهر الإجتماعية والبشرية، فنجد أنفسنا هنا إزاء قوانين تحكم هذه الظواهر، وإن لم يكن بدقة العلوم الطبيعية. فالنفس البشرية تخضع لنوازع نفسية ترتبط بالخصائص الوراثية وظروف البيئة المحيطة. ومن هنا تطور علم النفس وعلم الإجتماع لإستخلاص هذه القوانين وصياغتها فى شكل قواعد لعلم النفس أو الإجتماع.  وبالمثل يخضع الفرد فى علاقاته الإنتاجية وسلوكه فى الإنتاج والتوزيع إلى العديد من القواعد التى إستخلصها علم الإقتصاد أو الإجتماع.

وإذا كان الإنسان لم يستطع تحقيق التقدم إلا بقدر ما إستطاع أن يكتشف قوانين الطبيعة المحيطة، وبإستخدامه هذه القوانين نجح فى إخضاع البيئة المحيطة له لسيطرته وخدمته. ولم يحقق الإنسان ذلك إلا بعد أن إستطاع أن يعيش ضمن جماعة أو مجتمع. فالقدرة على إكتشاف القوانين هى “عمل إجتماعى”، لا يستطيع الفرد أن يصل إليها إلا إذا كان يعيش فى جماعة يفيد من خبراتها، ويتم التحقق منها فى إطار العمل الجماعى. فالإنسان الفرد المنعزل، أقرب إلى الحيوان، ولم تظهر صفاته البشرية إلا بوجوده داخل مجتمع بشرى. وهذا ما دعا هوبز المفكر الإنجليزى المعروف إلى القول بأن “الأفراد قبل وجود الجماعة (السلطة) كانوا يعيشون حياة الوحشية”، فالفرد إكتسب إنسانيته فقط من وجوده فى الجماعة وخضوعه لأحكامها وقواعدها.

فتاريخ البشرية هو تاريخ المجتمعات. ولكن المجتمعات لا تقوم إلا إذا إرتبط أعضائها بقواعد محددة ومحددة ومعروفة تنظم علاقاتهم، وتبين ما هو مباح وما هو محرم، فهى تحدد الحقوق والواجبات، أو بعبارة أخرى إرتبط وجود الإنسان وتطوره بوجود “قانون” ينظم هذه العلاقات الإجتماعية. فالقانون هو أساس الجماعة ومبرر وجودها، وفلا جماعة دون قانون أو تقاليد مقبولة ومحترمة. ومع ذلك، فلا ننسى أن الجماعة هى أيضاً مصدر القانون وهى القادرة على تطويره. فبغير قانون، لا وجود للجماعة أو المجتمع، ولكن الجماعة هى أيضاً مصدر القانون. فالعلاقة بين القانون والمجتمع هى علاقة مشتبكة، فلا وجود للمجتمع دون قانون، كما أن القانون يتطور مع الجماعة ويطورها فى نفس الوقت.

وإذا كان ظهور مفهوم القانون قد إرتبط بوجود المجتمعات البشرية، فقد كان هذا القانون يعبر بشكل واضح عن التقاليد والعادات المستقرة. ونظراً لأن المجتمعات البدائية كانت بطيئة التغير والتطور، فقد كانت العادات والتقاليد كافية لآداء الغرض المطلوب. وجاء ظهور “الدولة” ليؤكد معنى السلطة التى بيدها سلطة تنفيذ القانون مع بداية التدخل فى فرض قواعد جديدة تراها لازمة لحماية المجتمع وأحياناً لحماية مصالحها الخاصة. ومع مجئ الثورة الصناعية إزداد معدل التطور والتغير فى حياة البشر، مع زيادة قدرات الإنسان الإنتاجية، حيث إنتشر وجوده على مساحات جديدة مع تحسن وسائل الإنتقال، وزيادة الكثافة السكانية. وكل ذلك أدى إلى عدم الإكتفاء بالعادات والتقاليد تنظيم أمور البشر، وأصبح “التشريع” ـ على نحو متدرج ـ هو أساس القانون. فالقانون المعاصر هو بشكل عام نتيجة للتشريعات أكثر منها تطبيقاً للعادات والتقاليد المستقرة.

وليس معنى ذلك، أن التقاليد والعادات والقيم الأخلاقية قد زال أوانها، بل على العكس فإننا الآن، فى حاجة ربما أكثر من أى وقت لهذه القيم والتقاليد. فمع ظهور “الدولة” السياسية بمعناها الحديث، إتضحت التفرقة بين ثلاثة لاعبين أساسيين فى كل تجمع بشرى، وهم على التوالى : الأفراد والمجتمع والدولة. ففى المجتمعات البدائية كانت “الجماعة” هى الغالبة، والتقاليد والعادات تفرض نفسها على الجميع، وكان الفرد مهمشاً يكاد يخضع كلياً للمجتمع، وكانت أية مبادرة فردية تعتبر خروجاً على الجماعة. فالجميع يخضع للتقاليد والعادات. وجاء تحرر الفرد من قيود الجماعة، كأحد أهم مظاهر التقدم الحضارى، وخاصة مع الثورة الصناعية. كذلك فإن “الدولة الحديثة” هى أحد منجزات التقدم الصناعى، فضلاً عن أنها كانت أحد أسباب نجاح هذه الثورة الصناعية. وإذا كان القانون المعاصر قد أصبح، إلى حد كبير، أحد مظاهر نشاط الدولة، فإن المجتمع مازال هو الرقيب على نشاط الدولة. ويظل الدور الأساسى للمجتمع هو حماية القيم والمبادئ الأخلاقية. فالقانون وحده لا يكفى لضمان الإستقرار الجماعى، ولابد وأن يسانده المجتمع من خلال العادات والتقاليد. ففى كثير من الأحوال يكون “الرأى العام”، هو الأكثر فاعلية فى ضبط سلوك الأفراد. أما أهمية الفرد، فى العصر الحديث، فإنها مرتبطة بأهمية مفهوم حقوق الإنسان وحرياته والتى هى إكتشاف جديد نسبياً.

وهكذا يتضح أن القانون بإعتباره من مجموعة من القواعد واجبة الإحترام، هو أساس الحياة الاجتماعية. وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش منفرداً وإنما عليه أن يعيش فى إطار جماعة، ترتبط وتتماسك فى إطار عدد من المبادئ والتقاليد المستقرة.  وجاء ظهور “الدولة الحديثة” للتأكيد على أن القانون هو أحد ضمانات الحياة الفردية ومصالح الجماعة معاً. ولكن القوانين البشرية ـ وعلى عكس القوانين الطبيعية ـ هى إنتاج بشرى، وبالتالى تشوبها النقائص من جانب أو آخر، ولا بد ـ بالتالى ـ  أن تتمتع بالمرونة والقدرة على التغيير مع مقتضيات الحياة. وفى نفس الوقت فإن تغيير القانون لابد وأن يتم وفقاً للقواعد والإجراءات الدستورية المستقرة وإلا وقعنا فى الفوضى.

كل هذا يصح فى الظروف العادية اما فى احوال الثورة فان الامر لا يقتصر

على المطالبة بتعديل او تغيير قانون هنا او هناك وانما يصبح الهدف هو اسقاط الدولة ذاتها.  وبنجاح الثورة نعود للاوضاع العادية فالثورة المستمرة وهم وحياة المواطنين العاديين لا تستقر الا فى ظل دولة قانون واضحة المعالم.

والقانون هو فى النهاية سعى إلى “العدالة” التى هى القيمة النهائية التى نسعى إليها، وإن كنا لا نحققها بالكامل مع محاولة الإقتراب منها بإستمرار، بتعديل القوانين القائمة وليس بمخالفتها. والعدالة هى أمل نسعى إليه وقد نقترب منه، ولكنه يظل دائماً أفقاً مفتوحاً لمزيد من التطور. ومن هنا الحاجة المستمرة للمراجعة والتعديل. ولكن هذه المراجعة يجب أن تكون فى إطار من الإستقرار، فالفوضى هى النقيض من التقدم، وإن رفعت شعارات مثالية. فتعديل القوانين لا يتم بمخالفتها، وإنما بالمطالبة المستمرة للتعديل والتغيير. وتضمن الدساتير الحديثة للشعوب الحق فى التغيير طالما يتم ذلك فى إطار واضح ومحدد وبإحترام القانون نفسه. ويظل كل شئ محكوم بالقانون والقواعد. فنحن فى حاجة دائماً إلى القانون، كما نحن فى حاجة إلى ضرورة مسايرة القوانين للظروف المتغيرة. والله أعلم.   

الاهرام 18 يوليو 2014   

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *