عن القنبلة النووية

 

كثيراً ما تربط الصدف أحداثاً متفرقة لارابط بينها، فإذ بها تبدو كما لو كانت أشبه بقصة متكاملة. كنت أقراً كتاباً عن حياة “أوبنهايمر” ـ عالم الفيزياء الأمريكي الذي أشرف على مشروع مانهاتن لتصنيع القنبلة النووية الأولى ـ عندما سمعت في الأخبار عن عودة الدكتور محمد البرادعي إلى القاهرة بعد أن أنهى عمله في رئاسة الوكالة الدولية للطاقة النووية. وقد حركت عودته ـ فيما يبدو ـ المياه الراكدة في الحياة السياسية في مصر، ولعلها تكون مقدمة لمزيد من الحيوية. وأياً كان الأمر، فإن عودة الدكتور البرادعي إلى القاهرة لابد وأن تطرح قضية السلاح النووي في منطقتنا على الرأي العام وحيث مازال الغموض سيد الموقف بلا رؤية واضحة.

 

ففي منطقتنا العربية حيث يغلب عليها جو من القلق والاضطراب، نجد أنفسنا إزاء أوضاع شاذة بين دولة (إسرائيل) لاتعترف ولكنها لاتنكر أنها تملك ترسانة نووية طبقاً لمذهبها في “الغموض الاستراتيجي”، ودولة أخرى (إيران) تؤكد رغبتها في السيطرة على التكنولوجيا النووية دون تصنيع الأسلحة النووية، والدول العربية في حيرة من أمرها. وهكذا تبدو المنطقة العربية بأكملها رهينة بين ادعاءات متعارضة لحرب استباقية من جانب إسرائيل أو رد حاسم على أي عدوان من جانب إيران، والدول العربية في حالة انتظار وخمول “كالأطرش في الزفة”. ومن هنا فقد رأيت أنه قد يكون من المفيد التذكير بظروف إنتاج القنبلة النووية الأول، وهو ما يتعرض له كتاب “أوبنهايمر”، كخلفية للتفكير في المستقبل.

 

صدر هذا الكتاب منذ أربعة أو خمسة سنوات وحصل على عدة جوائز أدبية كأحسن الكتب في ميدانه. والكتاب ليس فقط سرداً لحياة أوبنهايمر الشخصية بقدر ما هو تسجيل لقصة تصنيع القنبلة النووية الأولى وما صاحبها من صعوبات على المستوى العلمي والتكنولوجي، أو ما أثارته من تعقيدات شخصية ونفسية لأفراد من ميول سياسية متنوعة ومن منابع عرقية وثقافية متعددة. فعدد كبير من العلماء العاملين في هذا المشروع كانوا من اليساريين وبعضهم كان عضواً في الحزب الشيوعي. وقد جاء عدد كبير منهم من أقليات عرقية حيث كان أغلب العاملين فيه من اليهود وعدد كبير منهم من المهاجرين من ألمانيا والمجر وبولندا.

 

ورغم أن القنبلة النووية الأولى كانت أمريكية الصنع، فإن ذلك لم يمنع أن فكرة الانشطار النووي كانت في أصلها، فكرة ألمانية، ولم تلجأ أمريكا إلى تصنيع هذه القنبلة إلا بسبب تخوفها من أن تسبقها ألمانيا إلى إنتاجها، وبالتالي تغيير نتيجة الحرب العالمية القائمة آنذاك.

 

ويروي الكتاب قصة بداية التفكير في صنع القنبلة النووية عندما كان الفيزيائي لويس ألفاريز يقص شعره عند الحلاق عندما قرأ في صحيفة سان فرانسيسكو خبر نجاح اثنين من علماء الكيمياء الألمان في إثبات إمكان انشطار ذرة اليورانيوم. وعند عرض الموضوع على الأمريكي أوبنهايمر ـ وكان أشهر علماء أمريكا في الفيزياء النظرية ـ كان رد فعله المبدئي هو أن هذا غير ممكن “نظرياً”، وقام وكتب عدة معادلات على السبورة لتأكيد استحالة ذلك “نظرياً”، ولكنه لم يلبث ـ بعد أحاديث متعددة مع زملائه ـ أن اقتنع بإمكان ذلك بل وتحمس للفكرة.

 

ويتضمن الكتاب حياة أوبنهايمر ونبوغه المبكر مع حالة نفسية بالغة التعقيد وميل للاكتئاب. وهو قد ولد لعائلة يهودية ميسورة من أصل ألماني، وإن كان يتجاهل في بداية حياته أصوله اليهودية. وكان أوبنهايمر واسع الاطلاع ومتعدد الثقافات مع اهتمام بالشعر والفنون والموسيقى وقدرة هائلة على تعلم اللغات ليس فقط الأوربية مثل اليونانية واللاتينية بالإضافة إلى اللغات الحديثة ـ إنجليزية وفرنسية وألمانية وهولندية واسبانية بل والهندية أيضاً. وكان مولعاً بالفلسفة الهندية القديمة. وكانت له ميول يسارية كما كان على صلة بالحزب الشيوعي دون أن يكون عضواً رسمياً فيه. وقد انعكس ذلك على عمله في “مشروع منهاتن” وما بعده. وإذا كان قد اختير مديراً علمياً وفنياً للمشروع، فقد تم ذلك رغم معارضة شديدة من أجهزة الأمن والمخابرات التي رأت فيه خطراً أمنياً لصلاته مع الأوساط اليسارية والأحزاب الشيوعية. ولذلك ورغم نجاح مشروع إنتاج القنبلة النووية، فقد تم استبعاده من الاستمرار بعد ذلك في إنتاج القنبلة الهيدروجينية لنفس الأسباب الأمنية.

 

وليس هنا محل تفصيل محتويات قصة أوبنهايمر بل الوقوف على بعض النقاط الهامة. ولعل النقطة الأولى الجديرة بالإشارة هي أزمة الضمير التي عانى منها أوبنهايمر ـ وكذا العديد من العلماء ـ سواء عند بداية المشروع أو قبل نهايته ـ عند إلقاء القنبلة على اليابان. وهذه الأزمة راجعة إلى التساؤل عن مسئولية العالم في التوفيق بين العمل العلمي أو التكنولوجي المكلف به من ناحية، وبين قيمه الأخلاقية من ناحية أخرى. فتصنيع القنبلة النووية أو غيرها من أدوات الحرب ليس مجرد عمل روتيني من أجل تقنيات جديدة بل أنه قد يؤدي إلى نتائج تتعارض مع معتقدات العالم الأخلاقية. وفي صدد القنبلة النووية، فإن الأمر لايقتصر على سلاح جديد يستخدم في الحروب ضد جيوش الأعداء، بل أننا بصدد أدوات للتدمير الشامل للحياة للمحاربين وغيرهم من المدنيين إن لم يكن ذلك تدميراً للبيئة نفسها. فماذا يكون موقف العالم؟

 

لقد واجهت هذه القضية أوبنهايمر وغيره من العلماء، وكانت الحجة الرئيسية التي سهلت لهم قبول هذه المهمة الصعبة هي إدراكهم أن القضية ليست إنتاج أو عدم إنتاج القنبلة، بل هي من يسبق بإنتاجها أولاً: الألمان أو الأمريكان. فقد كان هناك اعتقاد راسخ ـ تؤيده بعض المعلومات ـ بأن الألمان يعملون بالفعل على إنتاج هذه القنبلة. وللألمان فضل السبق في هذا المضمار، فلديهم المعرفة العلمية والتكنولوجية بل هم رواد هذا العلم. ولذلك قبل الكثير من العلماء في أمريكا العمل في المشروع استناداً إلى هذه الحجة. ولذلك عندما استسلمت ألمانيا في إبريل 1945، ولم تكن القنبلة قد أنتجت بعد، فإن كثيراً من العلماء رأى أنه لامحل بعد ذلك للاستمرار في العملية. ولعل أبرز مثال على ذلك اليهودي المجري زيلارد Szilard  والذي أعد بالاشتراك مع أينشتين رسالة سرية في بداية الحرب العالمية إلى الرئيس روزفلت يدعوه فيها إلى البدء في إنتاج قنبلة نووية قبل أن يتوصل الألمان إلى ذلك ويتمكنوا بالتالي من السيطرة على أوربا. وكان زيلارد هو نفسه الذي أعد عريضة أخرى وقع عليها عدد كبير من العلماء الأمريكيين يدعو فيها للتوقف عن إنتاج القنبلة النووية لعدم الحاجة إليها بعد استسلام ألمانيا.

 

كذلك نجد العالم الدانمركي نيلز بور Bohr ، واضع علم الكم الفيزيائي ـ وهو الأساس العلمي لإنتاج القنبلة النووية ـ يعلن رفضه لإلقاء القنبلة على اليابان دون إخطارها مقدماً وتخييرها بين الاستسلام أو قبول القصف بالقنبلة. وكان بور يرى كذلك أنه من الخطر احتكار المعلومات النووية بل يجب على العكس مشاركة علماء الدول الأخرى في هذه المعلومات، ومن هنا دعا إلى إنشاء “هيئة دولية” للإشراف على الإنتاج النووي. وظهرت أفكار لتحريم الأسلحة النووية أسوة بتحريم الغازات السامة بعد الحرب العالمية الأولى.

 

وإذا كان العلماء قد واجهتهم جميعاً مشكلة التعارض بين متطلبات التكنولوجيا وبين الاعتبارات الأخلاقية، فيبدو أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للسياسيين والعسكريين. فالولايات المتحدة لم تستكمل تصنيع القنبلة النووية إلا بعد استسلام ألمانيا، وعندما أتمت تجربة هذه القنبلة في شهر يوليو 1945، كانت لدى الحكومة الأمريكية أكثر من إشارة عن رغبة اليابان في الاستسلام، وبالتالي لم يكن هناك أي مبرر عسكري لإلقاء قنابل على اليابان. ولكن كانت هناك اعتبارات سياسية أخرى متعلقة بحرمان الاتحاد السوفيتي من المطالبة ـ بعد الحرب ـ بالمشاركة في غنائم الحرب في الشرق الأقصى. فقد كان هناك اتفاق بين ترومان وستالين على أن يعلن الأخير الحرب على اليابان في 15 أغسطس 1945، ولذلك أسرع الرئيس الأمريكي بإعطاء الأمر بإلقاء القنابل على هيروشيما وناكازاجي قبل هذا التاريخ، بمجرد أن انتهت تجربة القنبلة قبل ذلك بأسابيع. وقد جاء التاريخ اللاحق مخيباً لحسابات الأمريكيين، فلم يتم استبعاد الاتحاد السوفيتي من الشرق الأقصى، بل سقطت الصين بعد أربع سنوات من نهاية الحرب في يد الحزب الشيوعي ومعها كوريا الشمالية وفيتنام. وهكذا خابت تقديرات السياسيين والعسكريين.

 

والآن وفي إطار هذا التاريخ للقنبلة النووية في العالم وحولنا، فما هو موقفنا منها الآن؟ لقد أعلنت مصر ـ وغيرها من الدول العربية ـ أنها تريد شرق أوسط خال من الأسلحة النووية. فهل هذا كاف، وما هي وسائل تحقيقه؟ وهل هو يوفر أمن واستقرار المنطقة؟ لاشك أن وجود الدكتور البرادعي بيننا يمكن أن يساعد على طرح الموضوع برمته للمناقشة العامة من أجل وضع إستراتيجية مناسبة للمنطقة. والله أعلم.

المصري اليوم: 1 مارس 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *