عن المسؤولية والاستقالة

استرعى انتباهي ثلاثة أخبار متفرقة من الشرق والغرب. أما الخبران الأولان فأحدهما وقع في ألمانيا في الغرب والثاني في اليابان في الشرق، وأما الحدث الثالث فقد جاء من مصر ـ بطبيعة الأحوال. وكان الخبر الأول عن استقالة رئيس جمهورية ألمانيا، والثاني هو عن استقالة رئيس وزراء اليابان. أما الخبر الأخير فقد كان من مصر ولم يكن متعلقاً بأية استقالة وإنما بصدور قرار اتحاد كرة القدم الدولي بإدانة مصر وفرض غرامة عليها إزاء معالجتها لمباراة مصر الجزائر والتهديد بحرمانها من المشاركة في الدورة القادمة لكأس العالم. ولايحتاج القارئ إلى فطنة كبيرة لكي يدرك العلاقة بين هذه الأخبار الثلاثة. ففي الحالتين الأولى والثانية يظهر هناك إحساس مفرط بالمسؤولية السياسية، وفي الحالة الثالثة هناك غياب تام لذلك.

أما في الحالة الألمانية، فإن منصب رئيس الجمهورية هو منصب شرفي كرمز للبلاد، والرئيس بذلك لايتدخل في السياسة التي هي مسئولية الحكومة والبرلمان. وكان الرئيس الألماني كولر أحد كبار العاملين في وزارة المالية الألمانية قبل أن يختار مديراً لصندوق النقد الدولي ثم اتفقت الأحزاب الألمانية الممثلة في البرلمان على اختياره رئيساً للجمهورية. وهو رجل بالغ التهذيب وعلى درجة عالية من الثقافة، مع اهتمام خاص ـ بطبيعة الأحوال ـ بالقضايا الاقتصادية والمالية. وفي الأسابيع الأخيرة صدر عنه تصريح يفسر فيه إرسال ألمانيا ـ وهي دولة مسالمة ـ لقوات عسكرية إلى أفغانستان، مؤكداً أن هذه المشاركة إنما جاءت لضمان مصالح الشعب الألماني الاقتصادية في المستقبل. وقد أثار هذا التصريح بعض الانتقادات في الصحافة الألمانية باعتباره تدخلاً من جانبه في أمور السياسة التي هي من اختصاص الحكومة والبرلمان. وانتهت المسألة دون أي صخب، ولكن الرجل وجد في هذا الانتقاد ما يتضمن نوعاً من المساس بمركز رئيس الدولة وبالثقة فيه، وهو لايقبل على نفسه ألا يكون محل ثقة كاملة من “جميع” المواطنين، ولذلك قدم استقالته من منصبه. وأعلنت المستشارة الألمانية ـ ميركل ـ عند إصراره على الاستقالة، عن أسفها البالغ عن افتقادها لمثل هذا الرجل الفاضل، لما كانت تجد عنده من نصائح غالية.

 

وفي الحالة اليابانية قصة مشابهة، فقد جاء رئيس وزراء جديد منذ فترة وجيزة مدعوماً بشعبية كبيرة. وكان قد أعلن خلال حملته الانتخابية بأنه سوف يعمل، إذا وصل إلى منصب رئيس الوزراء، على إنهاء وجود القاعدة العسكرية الأمريكية في أوكيناوا. وعندما تولى منصب رئاسة الوزارة بالفعل، وبدأت المفاوضات مع الجانب الأمريكي لم يستطع أن يتوصل إلى تفاهم مع الأمريكيين لإخلاء القاعدة في ضوء المصالح المشتركة والمتبادلة بين الطرفين، وقدر أن تحقيق مثل هذا الهدف قد يترتب عليه فقد مزايا هامة أخرى للاقتصاد الياباني، ولذلك اضطر ـ في إطار تقديره لحسابات الكسب والخسارةـ إلى تجديد فترة بقاء القوات الأمريكية في القاعدة. ولكنه أدرك، في نفس الوقت، أنه يخل بذلك بتعهد قطعه على نفسه أمام الناخبين أثناء حملته الانتخابية، ولذلك أعلن عن أسفه وقدم اعتذاره للشعب لعدم الوفاء بما تعهد به. ولكن يبدو أن شعوره بالخجل كان أعمق من مجرد تقديم الاعتذار للشعب، فقدم استقالته من رئاسة الوزارة. ولحسن الحظ، فإن شعوره بالخجل اقتصر على تقديم الاستقالة، ولم يذهب إلى مدى أبعد ـ كما فعل أحد أسلافه ـ حينما أقدم على الانتحار عند سقوط أحد الجسور، وكان وزيراً للنقل آنذاك.

ونجد في الحالتين نموذجين من الحساسية لدى المسئولين السياسيين تجاه شعوبهم. فبمجرد أن يشعر المسؤول السياسي بأنه لم يحقق تطلعات الناخبين، فإنه يسرع ـ احتراماً للشعب الذي منحه الثقة ـ بتقديم استقالته من منصبه. وهكذا تصبح المسئولية السياسية القائمة على الانضباط الذاتي للمسئول السياسي أحد أهم مظاهر النضج السياسي في الدول الديمقراطية. “فالمسئولية” هي تعبير عن نوع من الجزاء الذي يوقع على المسئول عند الإخلال بتطلعات الناس. وفي حالة الاستقالة الاختيارية فإن المسئول هو أول من يوقع هذا الجزاء على نفسه بما يتضمنه هذا من تعبير عن أعلى درجات الاحترام ليس فقط لجمهور المواطنين وإنما للمنصب نفسه.

ولايخفى أن الحديث عن المسئولية، هو حديث عن مفهوم قانوني. ومازالت ذاكرتي تحتفظ بما تعلمته في كلية الحقوق عن معنى “المسئولية” منذ نيف ونصف قرن. ومازالت ترن في أذني نبرة المرحوم الدكتور حشمت أبو ستيت وهو يحدثنا عن المسئولية والتمييز بين “المسئولية التعاقدية” و”المسئولية التقصيرية”. فأما المسئولية التعاقدية فهي تقع عند إخلال أحد المتعاقدين بما يترتب عليه من التزامات منصوص عليها في العقد، وأن هذه الالتزامات تنقسم بدورها إلى نوعين. فهناك “التزامات بعناية” بمعنى أن المدين يلتزم فيها ببذل العناية المطلوبة، ولكنه لايسأل عن النتيجة المتحققة مادام قد بذل ما في وسعه من عناية مناسبة. ولكن هناك التزامات أخرى وتعرف “بالالتزام بنتيجة”، وفيها يلتزم المدين بتحقيق نتيجة محددة، وإذا لم تتحقق هذه النتيجة، فهو مخل بالتزاماته، ويتحمل المسئولية أياً كان الجهد المبذول. وأما المسئولية التقصيرية” فإنها تقع إذا أصيب أحد بضرر دون وجود عقد بينه وبين الفاعل.وقد كان الأساس في “المسئولية التقصيرية” يقوم، في أول الأمر، على وقوع خطأ من الفاعل، فهو مسئول فقط عن أخطائه. ولكن مع تطور الحياة الحديثة، أصبح الفاعل مسئولاً في كثير من الأحوال عن تعويض الضرر للغير ولو لم يصدر عنه أي خطأ، أخذاً بالقاعدة الشرعية “الغنم بالغرم”. فصاحب المصنع قد يتخذ كافة الاحتياطات الكفيلة بحماية العامل، ولكن القانون يفرض عليه المسئولية عما يصيب العامل من أضرار أثناء العمل أو بسببه. هذه ذكرياتي عن مفهوم “المسئولية القانونية” كما درسته في كليات الحقوق. فماذا عن “المسئولية السياسية”؟

الحقيقة أن علاقة الحاكم بالمحكومين هي أشبه بالعلاقة التعاقدية. فالمفروض أن الحاكم يحكم بإرادة المحكومين. فالمحكومون يولون الحاكم السلطة لكن يقوم بحماية مصالحهم في الأمن والاستقرار والعدالة والنمو والرخاء. وهكذا فإن العلاقة بين الحاكم والمحكومين هي نوع من “العقد الاجتماعي” وحيث يلتزم الحاكم بمجموعة من الالتزامات إزاء شعبه. فإذا أخل الحاكم بالوفاء بهذه الالتزامات قامت مسئوليته. وهنا يثور التساؤل، هل التزام الحاكم أمام شعبه هو “التزام بعناية” أم هو “التزام بنتيجة” وفقاً للتفرقة المعروفة في “نظرية العقد”. فهل يكفي أن يبذل الحاكم “العناية المطلوبة” في أداء وظيفته بصرف النظر عما يتحقق من نتائج، أم أنه ملتزم “بتحقيق نتيجة” محددة، وهي حماية مصالح المحكومين في الأمن والاستقرار والعدالة والنمو والرخاء؟ في الحالة الأولى هو مسئول بقدر ما يبذل جهد وعناية في أداء وظيفته، وفي الحالة الثانية هو مسئول عن تحقيق النتائج، فإذا فشل في ذلك، أياً كانت الأسباب، فإن مسئوليته قائمة. وهذه قضية هامة.

هناك ما يشبه الاتفاق بين علماء السياسة، بأن العمل السياسي يختلف عن العلاقات الشخصية التي يكون المعيار فيها هو النوايا. فالعلاقة بين الأصدقاء أو بين الأزواج مثلاً، تقوم على حسن النية وصدق النوايا، بصرف النظر عن النتائج. أما في السياسة فإن العبرة هي بالنتائج. فالنجاح والفشل في السياسة يقدر بمدى النجاح أو الفشل في تحقيق النتائج المرجوة، وذلك بصرف النظر عن حسن أو سوء النوايا. فليس من المقبول سياسياً أن يتخلص رجل السياسة من مسئوليته عن تحقيق النتائج بالقول بأنه كان حسن النية! فالعبرة في السياسة هي بالنتائج، وبالتالي فإن التزام رجل السياسة أمام مواطنيه هو “التزام بنتيجة”، فإذا لم تتحقق النتائج المأمول فيها فهو مسئول. 

وإذا نظرنا إلى المثالين السابقين في ألمانيا واليابان فإننا نجد أن الرئيس الألماني كما رئيس الوزراء الياباني، لم يرتكبا أي خطأ من ناحيتهما وكانت نواياهما طيبة، ولكنهما شعرا بأنهما لم يحققا ما هو مطلوب أو متوقع منهما، ومن هنا وجبت عليهما الاستقالة. فالأول اعتقد أنه بتصريحه وما أثاره هذا التصريح من انتقادات، قد مس من منصب رئيس الجمهورية وما يفترض فيه من ترفع فوق الأحداث، واعتقد الثاني أنه أخل بعهد قطعه على نفسه أمام ناخبيه وبالتالي أخل بالثقة الواجبة بينهما. وفي الحالتين أسرع الرجلان بتقديم استقالاتهما حماية للمنصب واحتراماً للناخبين، رغم أن أحدهما لم يرتكب خطأ أخلاقياً.

وإذا قارنا هاذين المثالين بما يحدث عندنا فلا بد أن نشعر بغير قليل من الخجل إن لم يكن من الاكتئاب. فإننا مازلنا نتذكر في الماضي القريب حوادث لغرق العبارات، أو اصطدام للقطارات، أو انهيار للمساكن، أو اندلاع الحرائق في المسارح، ولا تقدم استقالة واحدة من مسئول، ربما باستثناء استقالة وزير النقل السابق. ويأتي في هذا السياق من الأمثلة المتعددة صدور قرار اتحاد كرة القدم الأخير بإدانة مصر في إدارتها لمباراة مصر الجزائر وفرض غرامة عليها وتهديدها بالحرمان من المشاركة في مسابقات كأس العالم القادمة. وهي نتيجة تتعارض تماماً مع ما بدا على أثر تلك المباراة من تسرع العديد من بعض القيادات لإلقاء التهم على الفريق الضيف على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون. وبدلاً أن نسمع عن استقالات أو اعتذارات للشعب عما حدث بعد صدور قرار الاتحاد الدولي، فإذا بنا نسمع من يقول لنا أن هذه النتيجة تعتبر نصراً لمصر، لأننا كنا نتوقع الأسوأ. وجاءت هذه الحادثة الأخيرة تأكيداً لسابقة أخرى لاتقل إثارة، وهي المشهورة “بصفر المونديال” والتي مرت مرور الكرام. وفي هذه الأحداث وغيرها لم تقدم، بالطبع، استقالات، ولاحتى كلمة اعتذار.

ولايقتصر الأمر على تبلد إحساس المسئولين وإحجامهم عن الاعتذار، فما بالك عن تقديم الاستقالة عند وقوع الأحداث المؤسفة، بل تصل قمة المأساة عندما يشيع في بعض الأوساط أن هناك ثمة ثقافة جديدة ترى أن تقديم الاستقالة غير مقبول من كبار المسئولين، لأنها تنطوي على عدم احترام كاف للنظام. فالمسئول السياسي يقال ولايستقيل. والله عيب. والله أعلم.

 المصري اليوم: 12 يونيو 2010

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *